
د. فاضل حسن شريف
جاء القرآن الكريم برؤية تكريمية سامية ومقدسة لفكّ الارتباط بين العجز والاستسلام، وحضّ على حماية الرموز الدينية والمقدسات والتصدي للعدوان عليها، واعتبر هذا الدفاع ثابتاً إنسانياً وإيمانياً يُحفظ به توازن الأرض وتُصان به حرية العبادة. تتجلى قيمة مدح الدفاع عن المقدسات ودور العبادة في القرآن الكريم من خلال عدة محاور رئيسية: 1. جعل حماية دور العبادة سنة إلهية لدفع الفساد: بيّن القرآن الكريم أن الشريعة الإلهية قدّرت الدفاع عن المساجد والبيوت المقرونة باسم الله لحمايتها من الهدم والخراب، وجعلت دفع العدوان سبباً لصيانة حرية العقيدة والتعبد للجميع: قال تعالى: “وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ” (الحج 40). الدلالة: قُدّمت هذه الآية كتعليل لإذن القتال، حيث ربطت بين مقصود الشريعة في إقرار القسط ودفع الظلم وبين سلامة دور العبادة على اختلاف أديانها (صوامع للرهبان، بيع للنصارى، صلوات/ كنائس لليهود، ومساجد للمسلمين). 2. الذم الشديد لمن يسعى في خراب المقدسات: مقابل مدح المدافعين، أسبغ القرآن أشد علامات الذم والوعيد على من يحاول انتهاك حرمة المقدسات وتخريبها أو منع الناس من تعظيم الله فيها: قال تعالى: “وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ” (البقرة 114). الدلالة: اعتبر النص القرآني أن منع الصلاة أو الاعتداء على المساجد هو أعلى درجات الظلم والاعتداء، ورتب عليه الخزي في الدنيا والعقاب الصارم في الآخرة.
3. ربط الدفاع عن المقدسات بالهوية الإيمانية والتقوى: جعل القرآن الكريم تعظيم الحرمات والمشاعر المقدسة من صلب تقوى القلوب، وحث على الذود عن البيت الحرام والبلد الأمين باعتباره مثابة للناس وأمناً: قال تعالى: “ذَٰلِكِ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ” (الحج 32). قال تعالى: “ذَٰلِكُ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ” (الحج 30). الدلالة: تعظيم الشعائر والحرمات يتضمن حمايتها، ورعايتها، ورفض انتهاك حرمتها أو طمس معالمها. 4. الإذن بالقتال لرد الظلم عن المستضعفين والديار المقدسة: جاء أول إذن بالقتال في الإسلام مقترناً بظلم وقع على المؤمنين وتشريدهم من ديارهم ومقدساتهم بغير حق إلا قولهم “ربنا الله”: قال تعالى: “أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ” (الحج 39-40). 5. ثناء القرآن على من يطهر المقدسات ويقيم أركانهاك أثنى القرآن على الأنبياء والصالحين الذين قادوا حركة تطهير البيت العتيق والمحافظة على طهارته المكانية والمعنوية لتظل مقصداً للطيوف والركع السجود: قال تعالى: “وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ” (البقرة 125). تؤكد المنظومة القرأنية أن حماية المقدسات ليست مجرد دفاع عن حجارة أو معالم جغرافية، بل هي صيانة للقيم الإنسانية، وحرية العبادة، وتصدٍّ للغلو والاستكبار في الأرض.
تتبوأ قضية الدفاع عن المقدسات وحرمات الدين مكانةً مركزية وشديدة السمو في موروث أهل البيت عليهم السلام، حيث لم يقتصر هذا المدح والتعظيم على الخطب والأحاديث الشريفة فحسب، بل تجسد عملياً في سيرتهم وتضحياتهم التاريخية لحماية بيت الله الحرام، والمسجد النبوي، والمقدسات الإسلامية، وكرامة الأمة ودينها. تتنوع دلالات مدح الدفاع عن المقدسات في المدرسة الفكرية لأهل البيت عبر عدة محاور استراتيجية وإيمانية: 1. جعل الدفاع عن المقدسات من أعلى مراتب الجهاد والشهادة: ربط أهل البيت بين صيانة حرمات الله والمقدسات وبين قيمة الشهادة، إذ يرى أهل البيت أن المقدسات هي رموز للتكتل الإيماني وكرامة العقيدة: عن الإمام علي عليه السلام: (إِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَتَحَهُ اللَّهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ، وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى، وَدِرْعُ اللَّهِ الْحَصِينَةُ، وَجُنَّتُهُ الْوَثِيقَةُ)، مؤكداً في عدة مواضع من نهج البلاغة أن الذود عن حياض الدين والمقدسات إنما هو صيانة للحق من أن يُهتضم. الربط بين حرمة المؤمن وحرمة المقدسات: ورد عنهم أن حرمة المسجد والمقدسات تشتبك مع حرمة دماء المؤمنين وأعراضهم، فالدفاع عن المقدسة دفاعٌ عن قيمة الإنسان وعقيدته. 2. النهضة الحسينية: الأنموذج الأسمى للتضحية دون حياض الدين: تُعد حركة الإمام الحسين عليه السلام التطبيق العملي والأبرز في مدح وترسيخ مبدأ بذل النفوس لحماية المقدسات ومعالم الإسلام من الطمس والهوان: حماية حرمة البيت الحرام: خروج الإمام الحسين من مكة قبل إتمام الحج كان كما أشار في كلماته صيانةً لحرمة البيت العتيق كي لا يُستباح فيه الدم، مجسداً أسمى صور التعظيم للمقدس. الشهادة دون الدين: قوله الشهير: (إِنِّي لا أَرَى المَوْتَ إِلا سَعَادَةً، وَالحَيَاةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلا بَرَمًا)، وشعاره يوم الطف: (المَوْتُ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ العَارِ)، كان إعلاناً صريحاً بأن التضحية بالنفس تهون أمام بقاء المقدسات وقيم الرسالة قائمة.
3. تعظيم الشعائر وزيارة المشاهد كفعل مقاوم وحافظ للمقدس: اعتبر أهل البيت أن إحياء أمر المقدسات (المساجد، المشاهد، الشعار الإيمانية) والذود عن بقائها عامرَةً بالزوار والمدافعين هو نمط من الجهاد المرابط: عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: (تَزَاوَرُوا فَإِنَّ فِي زِيَارَتِكُمْ إِحْيَاءً لِقُلُوبِكُمْ وَذِكْراً لِأَحَادِيثِنَا)، حيث يُنظر للرباط عند هذه المشاهد وحمايتها من المحو أو العدوان كرباطٍ على ثغور الإسلام. أدعية السجاد عليه السلام لأهل الثغور: في الصحيفة السجادية، أفرد الإمام علي بن الحسين (زين العابدين) دعاءً خاصاً للمرابطين والمدافعين عن حدود البلاد وحرمات المسلمين ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَحَصِّنْ ثُغُورَ الْمُسْلِمِينَ بِعِزَّتِكَ، وَأَيِّدْ حُمَاتَهَا بِقُوَّتِكَ…))، وفي ذلك مدح وثناء صريح لكل من يضع روحه على كفه لحماية حياض الأمة ومقدساتها. 4. الوعيد الشديد لمن يترخص في انتهاك الحرمات: في مقابل الثناء على المدافعين، شدد أهل البيت على أن التقاعس عن حماية المقدسات يستجلب الذل والهوان: ورد في خطب الإمام علي عليه السلام تقريع من يتخاذل عن دفع العدوان: (مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلا ذَلُّوا)، مبيناً أن التنازل عن الثغور والمقدسات أول طريق السقوط للأمم. يتضح من موروث أهل البيت أن الدفاع عن المقدسات ليس مجرد اندفاع عاطفي، بل هو تثبيتٌ للهوية، وحمايةٌ للحرية والكرامة، وركنٌ أساسي من أركان التقوى والوفاء بالعهد الإلهي.
يُمثّل تفسير (التبيان في تفسير القرآن) للشيخ أبي جعفر الطوسي (ت 460 هـ) أحد أهم وأوائل التفاسير الجامعة عند الإمامية، حيث ينطلق فيه الشيخ الطوسي من منهج علمي تحليلي تجمع بين اللغة، والفقه، والكلام، والرواية. وقد تجلّى مدح الدفاع عن المقدسات وحرمات الدين في (التبيان) عند تفسيره للآيات المقترنة بالجهاد، وحماية الشعائر، ودفع الظلم عن دور العبادة، ويمكن إجمال أبرز مضامين هذا المدح والرؤية التفسيرية للشيخ الطوسي في المحاور الآتية: 1. الدفاع عن دور العبادة سنة إلهية لدفع الفساد (آية الحج: 40) عند تفسير قوله تعالى: “وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا” (الحج 40)، يؤكد الشيخ الطوسي على النقاط التالية: شرعية دفع العدوان: يبيّن الطوسي أن الله تعالى أذن بالقتال والدفاع لولا ذلك لسلط أهل الشرك والظلم على أهل الأديان، ولأُزيلت مواضع العبادة وهُدمت. المساواة في احترام المقرونات باسم الله: يشير إلى أن الذود عن هذه الأماكن (سواء كانت صوامع للرهبان، أو بيعاً للنصارى، أو صلوات لليهود، أو مساجد للمسلمين) هو دفاع عن مجالي ذكر الله، وفي هذا مدح لعلة التشريع التي تجعل حماية دور العبادة وقاية للأرض من الفساد. الوعد بالإعانة والنصر: يستدل بقوله “وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ” على أن المدافعين عن دين الله وحرماته موعودون بالنصر والتأييد الإلهي.
2. التغليظ على منتهكي حرمة المساجد (آية البقرة 114) في تفسير قوله تعالى: “وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا” (البقرة 114): يرى الطوسي أن السعي في خراب المساجد ينقسم إلى قسمين: خراب مادي (بالهدم والإنقاص)، وخراب معنوي (بمنع المصلين والذاكرين من دخولها وإقامة الشعائر فيها). يبرز الشيخ الطوسي تعظيم القرآن لهذه الحرمة، حيث اعتبر الساعي في خرابها أبلغ الناس ظلماً، وأن جيل المدافعين والمرابطين هم من يحفظون للمساجد هيبتها وعمرانها. 3. تعظيم الشعائر والبيت الحرام كواجب إيماني: عند تعليقه على آيات سورة الحج مثل قوله تعالى: “ذَٰلِكِ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ”: يفسر الطوسي “شعائر الله” بأعلام دينه ومعالم عبادته، وكل ما جُعل علامة لإطاعته (ومنها المشاعر المقدسة والبيت العتيق). يقرر أن تعظيم هذه المعالم بالصيانة، والحماية، والإجلال من أفعال أهل التقوى، وأن الذود عن حرمتها هو ذود عن أصل الدين. 4. دفع الظلم عن المستضعفين والديار (الحج 39) في تفسير قوله تعالى: “أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا” (الحج 39): يوضح الشيخ الطوسي أن الإذن بالقتال والدفاع جاء مظهراً لعدل الشريعة، حيث أُخرج المؤمنون من ديارهم بغير حق، فكان القتال مشروعاً وممدوحاً لإعادة الحقوق، وحماية المقدسات والديار من استباحة الظالمين. ينظر الشيخ الطوسي إلى الدفاع عن المقدسات بوصفه تكليفاً عقلياً وشرعياً، فالمقدسات ودور العبادة هي حصون العقيدة، والذود عنها هو دفاع عن حريّة الإيمان ووجود الأمة، ولهذا يبرز في تفسيره أبعاد الثناء الإلهي على المرابطين والمدافعين عن حرمات الله.