سبتمبر 29, 2026
LOGO

د. فاضل حسن شريف

ورد النهي عن الاعتداء في القرآن الكريم في مواضع متعددة، متناولاً مجالات شتى تشمل القتال، والمعاملات، والأحكام الشرعية، والأخلاق، والسلوك العام. وقد جاء النهي صريحاً ومباشراً في أساليبه ليدل على تحريم الخروج عن حدود الله. فيما يلي أبرز المواضع والوجوه التي ورد فيها النهي عن الاعتداء في النص القرآني: 1. الاعتداء في القتال والحروب: أرست الشريعة الإسلامية ضوابط أخلاقية صارمة لقتال الأعداء، فنهت عن القتال لغير غاية دفع العدوان، وعن الغدر، وقتل غير المقاتلين (كالنساء والأطفال والشيوخ)، وإتلاف الممتلكات. “وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ” (البقرة 190) وجه الاستدلال: القتال مقيد بالرد على من يقاتل، والزيادة على ذلك أو مجاوزة الحدود الإنسانية والشرعية تُعد اعتداءً يخرج صاحبه من محبة الله. 2. الاعتداء في العبادة والدعاء: جاء النهي عن مجاوزة الحد في الدعاء والعبادات، كالتكلف، أو رفع الصوت بالدعاء بما يخالف العبودية، أو الدعاء بالإثم وقطيعة الرحم. “ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ” (الأعراف 55) وجه الاستدلال: بينت الآية أن الخروج عن أدب الدعاء والمبالغة والتكلف فيه يُعد اعتداءً. 3. الاعتداء بتجاوز حدود الحلال والحرام: نهى القرآن عن تحريم ما أحل الله من الطيبات زللاً وزهداً مفرطاً، كما نهى عن تعدي الحدود والوقع في المحرمات. “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ” (المائدة 87) وجه الاستدلال: التضييق على النفس بتشديد ما وسعه الله، أو غصب حقوق النفس في المباحات، يُعد تجاوزاً للحدود الشرعية.

4. الاعتداء في المعاملات والقصاص والحدود: أوجب القرآن العدل وحرّم الجور حتى عند الاستيفاء في أخذ الحقوق أو القصاص، ونهى عن المظالم المالية والأهلية. “فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ” (البقرة 178) (في معرض القصاص والديات): أي من أخذ الدية ثم تجاوز وقتل القاتل بعد العفو، فقد اعتدى. “تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ” (البقرة 229) (في أحكام الطلاق والأحوال الشخصية): التلاعب بأحكام الشريعة وحدودها في العلاقات الأسريّة والمالية هو ظلم واعتداء. 5. النهي عن التعاون على الاعتداء: لم يقتصر النهي على ممارسة الاعتداء مباشرة، بل امتد ليعم المشاركة أو المعاونة فيه. “وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ” (المائدة 2) وجه الاستدلال: منع إعانة أي طرف على ظلم الآخرين أو تجاوز الحق. اللمسات البلاغية والأحكام العامة للنهي: اقتران الاعتداء بنفي محبة الله: تكررت جملة “إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ” في عدة صور ومناسبات، وهو أبلغ زجر ينفر المسلم من مجاوزة الحد. الشمول والتوازن: كلمة “الاعتداء” في القرآن تشمل تجاوز الحد في كل شيء، سواء في العقيدة، أو التشريع، أو السلوك الاجتماعي، أو المعاملات المالية والعسكرية، مما يكرس مفهوم التوازن والعدالة.

تُمثّل خطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع وتراث أهل البيت عليهم السلام في أحاديثهم وأدعيتهم ووصاياهم منظومة أخلاقية وفقهية متكاملة في تحريم الاعتداء بكل أشكاله سواء كان اعتداءً بالدم، أو المال، أو العرض، أو النفس، أو حتى باللسان والنية. فيما يلي أبرز المبادئ والمواقف التي تجلّى فيها النهي عن الاعتداء عند أهل البيت: 1. حرمة الدماء والأموال والأعراض: شدد أهل البيت على الحرمة المطلقة للإنسان وحقوقه الأساسية، وجعلوا الاعتداء عليها من أعظم الكبائر. عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: (كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ). عن الإمام محمد الباقر عليه السلام: (إِنَّ اللَّهَ عز وجل حَرَّمَ أَنْ يُظْلَمَ مُؤْمِنٌ، أَوْ يُغْتَابَ، أَوْ يُسْتَذَلَّ، أَوْ يُحْتَقَرَ). 2. ضوابط الحرب والقتال (النهي عن الاعتداء في الخصومة) سار أهل البيت على النهج النبوي في صيانة القواعد الأخلاقية أثناء النزاعات المسلحة، فمنعوا القتل لغير ضرورة القتال، وحرّموا الغدر والتمثيل بالجثث، وإيذاء غير المقاتلين، وقطع الأشجار أو تخريب الممتلكات. وصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لجيشه: (لا تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَبْدَءُوكُمْ، فَإِنَّكُمْ بِحَمْدِ اللَّهِ عَلَى حُجَّةٍ، وَتَرْكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّى يَبْدَءُوكُمْ حُجَّةٌ أُخْرَى لَكُمْ عَلَيْهِمْ. فَإِذَا هَزَمْتُمُوهُمْ فَلا تَقْتُلُوا مُدْبِراً، وَلا تُصِيبُوا مُعْوِراً، وَلا تُفْهِقُوا جَرِيحاً، وَلا تَهْيِجُوا النِّسَاءَ بِأَذًى). في السيرة: شَهِدَت مواقف الإمام علي عليه السلام في معاركه منع حَرَمِه وجنده منقطع الماء عن الخصم أو تتبع الفارّين، تجسيداً لقوله تعالى: “وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ”.

3. النهي عن الظلم والعدوان في السلوك الشخصي: اعتبر أهل البيت الاعتداء والظلم مرتكزاً للردى ومحق البركة، واستحضروا عواقب العدوان الوخيمة في الدنيا والآخرة. عن الإمام علي عليه السلام: (إِيَّاكَ وَالْعُدْوَانَ، فَإِنَّهُ يُورِثُ الشَّنَآنَ، وَيُزِيلُ الأَمَانَ). وعنه عليه السلام: (أَعْظَمُ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ ذَنْبٌ صَغُرَ عِنْدَ صَاحِبِهِ، وَأَشَدُّ الْمَظَالِمِ عُدْوَانُ الظَّالِمِ). عن الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام في “رسالة الحقوق”: (وَأَمَّا حَقُّ الرَّعِيَّةِ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُمْ رَعِيَّتُكَ لِضَعْفِهِمْ وَقُوَّتِكَ، فَيَجِبُ أَنْ تَعْدِلَ فِيهِمْ، وَتَكُونَ لَهُمْ كَالْوَالِدِ الرَّحِيمِ وَلا تَعْتَدِيَ عَلَيْهِمْ لِفَضْلِ قُوَّتِكَ). 4. النهي عن الاعتداء في الدعاء والمناجاة: لم يقتصر النهي على الجوارح، بل شمل أدب اللسان والدعاء، حيث حذروا من الاعتداء في المسألة (كالدعاء بالشر على الغير بغير حق أو طلب ما لا يليق). عن الإمام الصادق عليه السلام: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ قَاسٍ، ولا دُعَاءً فِيهِ اعْتِدَاءٌ أَوْ قَطِيعَةُ رَحِمٍ). وتتضح هذه الفلسفة في أدعية أهل البيت (كـ “صحيفة السجادية”) التي تركز على طلب الاستقامة، وعفو الظالمين، والدعاء بالصلاح للجميع بدلاً من الدعاء بالعدوان. 5. التحذير من التعاون على الإثم والعدوان: تطابقاً مع القرآن الكريم، حرّم أهل البيت إعانة الظالم أو المشاركة في أي فعل يترتب عليه اعتداء على حقوق الآخرين. عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: (الْعَامِلُ بِالظُّلْمِ، وَالْمُعِينُ لَهُ، وَالرَّاضِي بِهِ، شُرَكَاءٌ ثَلاثَةٌ). يرتكز مفهوم “عدم الاعتداء” عند أهل البيت على مبدأ العدل والمواساة، فالاعتداء ليس فقط مجرد فعل عسكري أو جسدي، بل هو كل تجاوز للحدود الشرعية والأخلاقية التي تحفظ كرامة الإنسان وحقوقه في المجتمع.

فيما يلي أبرز أبعاد ومواضع النهي عن الاعتداء كما فسرها الشيخ الطوسي في “التبيان”: 1. حد القتال وضوابطه (تفسير آية البقرة 190) عند تفسيره لقوله تعالى: “وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ” (البقرة 190)، يُبيّن الطوسي حدود النهي عن الاعتداء في الحرب على النحو التالي: المعنى اللغوي والجامع: ينص على أن “الاعتداء” هو تجاوز الحد في كل شيء، وأصله من العَدْوِ وهو مجاوزة القدر. وجوه النهي عن الاعتداء في الآية: الابتداء بالقتال: يُرجع الطوسي أريحيّة النهي إلى ألا يبدأ المسلمون القوم بالقتال حتى يدعوهم إلى الحق أو يبدأهم الخصم. قتل غير المقاتلين: يُحرّم الاعتداء بقتل النساء، والأطفال، والشيوخ الكبار، والمجانين، ومن لا أهليّة له للقتال. المثلة والغدر: يُدخِل في “الاعتداء” المنهي عنه التمثيل بالجثث، والغدر، ونكث العهود. قطع الشجر وتخريب الممتلكات: المبالغة في التخريب لغير ضرورة الحرب تُعد من الاعتداء المنهي عنه. 2. الاعتداء بتجاوز الحلال إلى الحرام (تفسير آية المائدة 87) عند قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ” (المائدة 87): يذكر الطوسي أن “الاعتداء” هنا يتجسد في صورتين: الأولى: تحريم ما أحل الله من الطيبات على النفس زهداً وتكلفاً خارجاً عن حدود السنة (كالترهب والامتناع عن أكل اللحم أو النكاح). الثانية: تعدي ما أحل الله إلى معاصيه وما حرّمه. ويؤكد أن كلاً من التضييق على النفس بما وسع الله، أو الوقوع فيما حظر الله، هو اعتداء وتجاوز للحدود.

3. الاعتداء في الدعاء والعبادة (تفسير آية الأعراف 55) عند قوله تعالى: “ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ” (الأعراف 55): يُفسّر الشيخ الطوسي الاعتداء في الدعاء بعدة وجوه نقلها ورجّحها: طلب ما لا يليق: كأن يطلب الداعي منازل الأنبياء، أو يطلب المحال والصغائر التي فيها معصية. رفع الصوت والمبالغة: الخروج عن حد التضرع والاستكانة إلى الجهر والصياح والتكلف في السجع. الدعاء بالإثم أو قطيعة الرحم: وهو من أظهر مصاديق العدوان في المسألة. 4. الاعتداء في القصاص والأحكام (تفسير آية البقرة: 178 و229) في القصاص (“فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِك”): يبيّن الطوسي أن الاعتداء هنا هو أن يأخذ ولي الدم الدية أو يعفو، ثم يعود فيقتل القاتل، أو أن يقتل غير القاتل مجاوزة للعدل. في الحدود والأحكام “تِلْكُ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا”: يقرر الطوسي أن كل تشريع حدّه الله (كالطلاق، والإرث، والحدود) يعتبر مخالفه أو المتلاعب به معتدياً وظالماً لنفسه وللمجتمع. ينطلق الطوسي من أن القبح عقليٌّ وشرعيّ، فالاعتداء قبيح عقلاً لأنه ظلم وتجاوز للحق، وجاء الشرع بمؤكدات التحريم ووعيد العذاب للمعتدين. لا يقتصر الاعتداء عند الشيخ الطوسي في “التبيان” على الجانب العسكري، بل يراه قانوناً عاماً ينظم علاقة الإنسان بربه (في العبادة والحلال)، وعلاقته مع الناس (في القتال والمعاملات والقصاص).