
تجلّت مشاعر الكراهية تجاه المسلمين، وحب إسرائيل، والرموز المسيحية في حرق نسخة من القرآن الكريم في مالمو عام ٢٠٢٤. الصورة ليوهان نيلسون، تي تي.
إيهاب مقبل
لم يكن إحراق نسخ من القرآن في السويد خلال السنوات الماضية مجرد فعل احتجاجي أثار جدلًا حول حرية التعبير، بل تحول إلى ظاهرة مستفزة لملايين المسلمين، وأثار أزمات دبلوماسية واحتجاجات واسعة، وانتهى ببعض أصحابها إلى المحاكم، بل وبمقتل أحد أبرز وجوهها.
وبينما يقدم منفذو هذه الأفعال ممارساتهم باعتبارها تعبيرًا عن حرية الرأي أو نقد الإسلام، فإن إحراق نسخ من كتاب مقدس أمام المساجد أو في الأماكن العامة لا يمكن فصله عن أثره على أتباع الدين الذي يستهدفه. فالقرآن بالنسبة إلى ملايين المسلمين ليس مجرد كتاب يمكن استخدامه في سجال سياسي أو أيديولوجي، بل نص مقدس يشكل جزءًا أساسيًا من هويتهم الدينية.
في هذا السياق تبرز ثلاث شخصيات: العراقي سلوان موميكا، ورفيقه السويدي من أصل عراقي سلوان نجم، والسويدية جايد ساندبرغ.
موميكا.. نهاية مأساوية قبل صدور الحكم
كان سلوان موميكا أبرز الأسماء المرتبطة بإحراق نسخ من القرآن في السويد خلال عام 2023. ظهر في مظاهرات عدة وأحرق نسخًا من المصحف، وفي بعض المناسبات شاركه سلوان نجم.
أثارت تلك الأفعال ردود فعل واسعة داخل السويد وخارجها، ولا سيما في العالم الإسلامي. ووصلت تداعياتها إلى العراق، حيث اقتحم متظاهرون السفارة السويدية في بغداد في يوليو تموز 2023 وأضرموا النار فيها، احتجاجًا على إحراق نسخ من القرآن أمام السفارة العراقية في ستوكهولم. وهكذا جاء إحراق السفارة السويدية في بغداد ردًا على إحراق نسخ من القرآن في السويد، في تصعيد عكس حجم الغضب الذي أثارته تلك المظاهرات. وأدانت السلطات السويدية الهجوم، وحذرت من التداعيات الأمنية المرتبطة بهذه الأحداث على السويد ومصالحها في الخارج.
وفي أغسطس آب 2024، وُجهت إلى موميكا ونجم اتهامات بالتحريض ضد جماعة سكانية على خلفية أربع مظاهرات جرت في صيف 2023.
لكن موميكا لم يعرف نتيجة محاكمته. ففي 29 يناير كانون الثاني 2025، قُتل بالرصاص داخل شقة بمدينة سودرتاليا، بينما كان يبث مباشرة على تيك توك. وبعد وفاته أُسقطت القضية بحقه، وبالتالي لم تصدر إدانة أو براءة قضائية في الاتهامات الموجهة إليه.
نجم.. القضاء يميز بين نقد الدين وازدراء أتباعه
بعد وفاة موميكا، أصدرت محكمة ستوكهولم الجزئية حكمها بحق سلوان نجم في 3 فبراير شباط 2025.
وأدين نجم بالتحريض ضد جماعة سكانية في أربع مناسبات، وصدر بحقه حكم مشروط وغرامات يومية. والأهم في الحكم أن المحكمة لم تبنِ الإدانة على مجرد إحراق نسخ من القرآن بمعزل عن السياق، بل نظرت إلى العبارات والأفعال المصاحبة للمظاهرات، وخلصت إلى أنها عبرت عن ازدراء المسلمين بسبب معتقداتهم الدينية.
جايد ساندبرغ.. المحاكمة في أكتوبر
تعود القضية إلى الواجهة مع جايد ساندبرغ، المعروفة في السويد بلقب «امرأة الصليب»، والتي ظهرت في عدد من المظاهرات المناهضة للإسلام وإحراق نسخ من القرآن.
في إحدى مظاهراتها قرب مسجد ستوكهولم في أبريل نيسان 2024، أحرقت نسخة من القرآن ورددت عبر مكبر صوت عبارة «لا مسلمون في شوارعنا». وتواجه ساندبرغ تهمتين بالتحريض ضد جماعة سكانية على خلفية مظاهرتين في ستوكهولم، وهي تنفي ارتكاب جريمة وتزعم أنها قالت العبارة بعفوية.
وبحسب المعلومات المنشورة عن القضية، من المقرر أن تبدأ محاكمتها أمام محكمة ستوكهولم في 6 أكتوبر تشرين الأول 2026.
وتكمن حساسية القضية في أن المحكمة لن تنظر إلى إحراق نسخة من القرآن بمعزل عن بقية الوقائع، وإنما إلى مجمل العبارات والأفعال والسياق الذي جرت فيه المظاهرات.
هل إحراق نسخة من القرآن نقد أم فعل رمزي؟
هنا تبرز نقطة أساسية في الجدل حول هذه القضايا: إشعال النار في نسخة مطبوعة من القرآن ليس مجرد رأي مكتوب أو فكرة تُطرح في مقال أو خطاب، وإنما فعل مادي ورمزي يُنفذ في المجال العام أمام جمهور.
قد تحمي حرية التعبير في بعض الأنظمة الديمقراطية أفعالًا رمزية إلى جانب الكلمات والكتابات، لكن ذلك لا يلغي الفرق بين أن يكتب شخص مقالًا ينتقد فيه الإسلام، وبين أن يحرق نسخة من القرآن أمام مسجد أو في مكان عام.
في الحالة الأولى نحن أمام طرح فكرة أو موقف يمكن مناقشته والرد عليه بالكلمات. أما في الحالة الثانية فنحن أمام فعل مادي يمكن أن يحمل رسالة استفزاز أو إذلال لملايين الأشخاص الذين يرون في القرآن كتابًا مقدسًا.
ومن هنا يمكن طرح سؤال مشروع حول حدود الحماية التي توفرها حرية التعبير السويدية لمثل هذه الأفعال: هل ينبغي أن يُعامل فعل مادي ورمزي يستهدف مقدسًا دينيًا بالطريقة نفسها التي تُعامل بها مقالة تنتقد عقيدة أو دينًا؟
حرية التعبير والمسؤولية
تكشف قضية نجم أن القضاء السويدي ينظر إلى ما يتجاوز فعل إحراق نسخ من القرآن نفسه، إذ ركز في إدانته على العبارات والأفعال التي رافقت المظاهرات واعتبرها تعبيرًا عن ازدراء المسلمين بسبب معتقداتهم.
ومن هذه الزاوية، تكتسب قضية ساندبرغ أهمية خاصة؛ لأنها ستختبر مرة أخرى المسافة بين نقد الإسلام باعتباره دينًا أو منظومة أفكار، وبين استهداف المسلمين باعتبارهم جماعة دينية.
أما أخلاقيًا، فإن رفض إحراق نسخ من القرآن لا يحتاج إلى رفض حرية التعبير. يمكن الدفاع عن حرية التعبير، وفي الوقت نفسه اعتبار إحراق نسخة من كتاب مقدس لملايين البشر فعلًا مهينًا ومستفزًا لا يسهم في حوار ديمقراطي حقيقي.
فالحماية القانونية لفعل ما لا تجعله بالضرورة فعلًا محترمًا أو مسؤولًا، كما أن حرية التعبير لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء لإذلال الآخرين أو تحويل معتقداتهم إلى أدوات للاستفزاز.
موميكا قُتل قبل أن تصدر المحكمة حكمها بحقه، ونجم أُدين بسبب ما اعتبرته المحكمة تعبيرًا عن ازدراء المسلمين، بينما تستعد ساندبرغ للمثول أمام القضاء في أكتوبر تشرين الأول المقبل.
انتهى




