
مصلحة العراق أولا…
بقلم : مهند سري
في الملفات التي تتقاطع فيها السياسة مع الاقتصاد والقانون، لا يكفي أن نعلن موقفا سياسيا، بل ينبغي أن نسأل أولا: أين تكمن مصلحة العراق؟
وهذا السؤال يبدو أكثر إلحاحا في الجدل الدائر بشأن العقوبات الأمريكية المفروضة على شركات الطيران الإيرانية، وما إذا كان يتعين على العراق السماح للطائرات المشمولة بها بالهبوط في مطاراته أم الامتناع عن استقبالها.
ثمة فارق أساسي ينبغي التوقف عنده بين العقوبات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن، والعقوبات الأمريكية التي تفرضها وزارة الخزانة الأمريكية على التعاملات المرتبطة بالدولار والنظام المالي الأمريكي.
ففي عام 1991، أبلغت إيران مجلس الأمن التزامها بالعقوبات المفروضة على العراق، واتخذت إجراءات عملية في هذا السياق، من بينها حظر دخول الطائرات العراقية إلى أراضيها، بل وأعلنت أنها ستحجز أية طائرة عراقية تهبط اضطراريا فيها.
ولم يكن ذلك منفصلا عن حركة الطيران التي كانت تنقل الزائرين العراقيين إلى العتبات المقدسة.
أما العقوبات الأمريكية المفروضة اليوم على شركات طيران إيرانية، فهي تضع الشركات المشمولة بها أمام قيود تتصل بالنظام المالي الأمريكي والتعاملات بالدولار، مع احتمال توسيع دائرة العقوبات لتطال اطرافا تقدم خدمات أو تسهيلات للجهات المعاقبة.
وهنا تحديدا تبدأ المسألة التي تتجاوز الموقف السياسي إلى الحسابات القانونية والمالية للمطارات العراقية.
فإذا هبطت طائرة مشمولة بالعقوبات في مطار بغداد أو النجف، فهل تستطيع شركات المناولة والخدمات الأرضية وتزويد الوقود وغيرها من الشركات العاملة في المطارات تقديم خدماتها بصورة طبيعية، من دون أن تعرض نفسها لمخاطر قانونية أو مالية أو لاحتمال إدراجها ضمن دائرة العقوبات؟
المسألة أكثر تعقيدا من مجرد السماح لطائرة بالهبوط.
ففي مطار النجف تتولى شركة عراقية ـ بريطانية عمليات المناولة والخدمات الأرضية، فيما تعمل في مطار بغداد منظومة تضم شركة بريطانية وشركتين عراقيتين، إلى جانب الخطوط الجوية العراقية.
ولذلك فإن أي قرار في هذا الملف لا ينعكس على الجانب السياسي وحده، بل يمتد إلى شركات ومؤسسات عراقية وأجنبية لها التزامات قانونية ومالية وتجارية.
ومن هنا، فإن السؤال المهني لا ينبغي أن يكون: هل نحن مع الزائرين أم ضدهم؟ وهل نحن مع إيران أم ضدها؟ فهذا اختزال لقضية أعقد من ذلك بكثير.
السؤال الحقيقي هو: ما القرار الذي يحمي مصلحة العراق، ومن يتحمل تبعاته القانونية والمالية إذا قررت الحكومة العراقية تجاهل العقوبات الأمريكية؟
والأهم من ذلك أن مفهوم “مصلحة العراق أولا” يجب ألا يكون شعارا انتقائيا يستدعى في موقف وينسى في موقف آخر.
فالدول، في نهاية المطاف، تتحرك على وفق مصالحها الوطنية.
وإيران، عندما ترى أن إجراء معينا يحقق مصلحتها، تتخذه حتى لو تعارض مع مصالح العراق.
وقد شهدنا ذلك في ملفات تتعلق بحركة النفط العراقي في المنطقة، إذ تعرضت ناقلات مرتبطة بالنفط العراقي للقصف في مراحل مختلفة من رحلاتها، سواء قبل دخول المياه الإقليمية العراقية أو أثناء وجودها في المنطقة أو بعد مغادرتها، في سياقات مرتبطة بالصراع والتوتر الإقليمي.
ومع ذلك، لم يكن السؤال آنذاك بالحدة نفسها التي نسمعها اليوم، فأين مصلحة العراق؟ وكيف نحمي مصالحه؟ بل ذهب بعض الخطاب السياسي إلى تبرير تلك الإجراءات بكونها جزءا من حق إيران في الدفاع عن مصالحها ومواجهة خصومها.
لكن إذا كان من حق إيران أن تبحث عن مصالحها، أليس من حق العراق، بالقدر نفسه، أن يبحث عن مصالحه؟
إذا كان المواطن العراقي يعيش في العراق، ويتقاضى دخله من الدولة العراقية، ويطالبها بتوفير الخدمات والكهرباء والأمن والحقوق، فمن الطبيعي أن تكون الأولوية في القرارات السيادية هي حماية مصالح العراق والعراقيين، لا الدخول في صراعات أو التزامات قد تجعل العراق طرفا في مواجهة لا يملك أدواتها ولا يتحمل تبعاتها.
وهنا ينبغي أن نتذكر تجربة العراق مع العقوبات الدولية.
فقد عاش العراقيون أكثر من ثلاثة عشر عاما تحت حصار اقتصادي قاس، وكانت إيران نفسها، في حينه، تتعامل مع قرارات الحصار بصفتها واقعا دوليا قائما، برغم ما تركه ذلك الحصار من آثار عميقة على المجتمع العراقي.
لذلك يبدو غريبا أن يطالب بعضهم اليوم العراق بكسر العقوبات المفروضة على إيران، من دون أن يجيب بوضوح عن السؤال الأهم: كيف يكسرها العراق من دون أن يدفع هو ثمن ذلك؟
هل المطلوب أن يتحمل العراق عقوبات اقتصادية جديدة؟ وهل من الحكمة أن يدخل في مواجهة مالية وقانونية مع منظومة اقتصادية دولية، في وقت ما زال فيه اقتصاده مرتبطاً إلى حد كبير بالنظام المالي العالمي؟
المصلحة الوطنية ليست أن نقف مع هذا الطرف أو ذاك، وليست أن نثبت ولاءنا لمحور سياسي على حساب آخر.
المصلحة الوطنية أن نعرف أين يقف العراق، وما الذي يستطيع تحمله، وما الذي يحمي اقتصاده وسيادته ومصالح شعبه.
وإذا كان استقبال الطائرات الإيرانية ضروريا لخدمة الزائرين، فهناك أيضا وسائل بديلة يمكن وضعها في الحسابات، ولا سيما أن الحدود البرية بين العراق وإيران تضم منافذ متعددة مفتوحة أمام حركة الزائرين.
لذلك، فإن المطلوب ليس قرارا انفعاليا ولا موقفا دعائيا، بل توضيح رسمي ومهني من وزارة النقل والجهات الحكومية المعنية يحدد طبيعة العقوبات، ومدى انطباقها على شركات الطيران والمطارات العراقية، والمسؤولية القانونية التي قد تترتب على الشركات التي تقدم خدماتها للطائرات المشمولة بها.
العراق ليس مطالبا بأن يكون ساحة لتصفية الحسابات بين الآخرين، كما أنه ليس مطالبا بأن يتجاهل مصالح جيرانه.
لكنه مطالب، قبل كل شيء، بأن يعرف مصلحته هو.
فكما تعمل الدول لمصلحة بلدانها، ينبغي أن يعمل العراق لمصلحة العراق.
قدموا مصلحة العراق أولا، فهذه ليست خصومة مع أحد، وإنما أبسط قواعد الدولة التي تعرف أين تقف، وماذا تريد، ومن يدفع ثمن قراراتها.




