
نظام مير محمدي*
لم يعد ملف حقوق الإنسان في إيران قضية هامشية يمكن لنظام طهران التعامل معها عبر بيانات الإدانة أو الحملات الدعائية، بل أصبح واحداً من أكثر الملفات حساسية وخطورة، لأنه يضع النظام أمام صورته الحقيقية في الداخل، حيث تتقاطع الإعدامات مع الاعتقالات السياسية، وقمع النساء مع اضطهاد الأقليات، واستخدام القوة ضد المحتجين مع التعامل القاسي مع سكان المناطق الحدودية، بما يجعل هذا الملف مرآة تكشف طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وتفتح في الوقت نفسه باباً أوسع للمساءلة الدولية.
وتزداد أهمية هذا الملف في مرحلة تتعرض فيها بنية النظام السياسية والأمنية لضغوط متعددة، إذ إن التركيز على حقوق الإنسان لا یعنی الاقتصار على تسجيل الانتهاكات أو إصدار بيانات الاستنكار، وإنما يعني الانتقال من مرحلة التوثيق إلى مرحلة تحديد المسؤوليات، وحفظ الأدلة، وملاحقة المتورطين، وإبقاء ملف الضحايا حاضراً في كل نقاش يتعلق بمستقبل إيران وعلاقاتها الدولية، لأن تجاهل الجرائم أو التعامل معها باعتبارها شأناً داخلياً يمنح مرتكبيها مساحة إضافية للاستمرار.
وتأتي الإعدامات في مقدمة هذا الملف، ليس فقط بسبب عددها، وإنما بسبب استخدامها في قضايا مرتبطة بالاحتجاجات والاتهامات الأمنية والسياسية، وهو ما دفع منظمات حقوقية دولية إلى التحذير من أن أحكام الإعدام يمكن أن تتحول إلى وسيلة لترهيب المجتمع وإسكات المعارضين، ولا سيما عندما تجري المحاكمات في ظروف تثار حولها مخاوف تتعلق بالاعترافات القسرية أو حرمان المتهمين من ضمانات المحاكمة العادلة.
وفي هذا السياق، أفادت وكالة “ميزان” التابعة للقضاء الإيراني صباح اليوم (30 سبتمبر/أيلول) عن تنفيذ حكم الإعدام بحق شابين ثائرين، في خطوة تؤكد استمرار السلطات في استخدام عقوبة الإعدام كوسيلة منهجية لترهيب الشارع.
وفي إطار تسليط الضوء على هذه الانتهاكات المتصاعدة، أكدت السيدة مريم رجوي في 28 سبتمبر/أيلول عبر حسابها في منصة (X) في كلمة وجهتها إلى مؤتمر حقوق الإنسان في جنيف: «في الأشهر الأخيرة، اشتدت وتيرة انتهاكات حقوق الإنسان في إيران: تشمل هذه الانتهاكات الإعدامات اليومية للسجناء، وخاصة إعدام أعضاء منظمة مجاهدي خلق الإيرانية والمشاركين في انتفاضة يناير، بالإضافة إلى الاعتقالات الواسعة والتعذيب وسوء المعاملة للسجناء السياسيين، وسن قوانين تجرم التواصل والتعاون مع وسائل الإعلام الأجنبية.»
أما قضية المرأة، فقد أثبتت خلال السنوات الماضية أنها ليست ملفاً منفصلاً عن بقية ملفات القمع، بل جزء أساسي من الصراع بين السلطة والمجتمع، فقد كشفت الاحتجاجات المرتبطة بإنتفاضة عام 2022 حجم الفجوة بين النظام وقطاعات واسعة من المجتمع، كما أظهرت أن محاولات فرض القيود على النساء لا تتعلق فقط بالحجاب أو القوانين الاجتماعية، وإنما ترتبط بمنظومة أوسع من السيطرة الأمنية والقانونية والسياسية.
وفي الوقت نفسه، يبقى ملف السجناء السياسيين والمعتقلين من أكثر الملفات التي تكشف طبيعة تعامل السلطات مع المعارضة والاحتجاج، خصوصاً عندما تتحول التهم الأمنية الفضفاضة إلى أدوات لتجريم النشاط السياسي أو التعبير عن الرأي، في وقت تتحدث فيه منظمات حقوقية عن ظروف احتجاز ومحاكمات تثير مخاوف جدية بشأن حقوق المعتقلين.
ولا يمكن فصل ذلك عن أوضاع الأقليات القومية والمناطق الحدودية، ولا سيما الكرد والبلوش، حيث أثارت عمليات إطلاق النار على العتالين الكرد وعلى ناقلي الوقود البلوش انتقادات من جهات حقوقية وأممية، لأن استخدام القوة المميتة ضد أشخاص يعيشون في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة يضيف بعداً آخر إلى قضية حقوق الإنسان، ويجعل الانتهاكات مرتبطة أيضاً بالتمييز والفقر والتهميش الجغرافي.
وهنا تحديداً تكمن أهمية تفعيل هذا الملف في المرحلة الراهنة، لأن النظام يستطيع أن يناور في الملفات السياسية، وأن يختلف مع خصومه حول الاتفاقات والمفاوضات والعقوبات والملفات النووية والإقليمية، لكنه يجد صعوبة أكبر في الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بمصير الضحايا، وأسماء الذين صدرت بحقهم أحكام الإعدام، والجهات التي نفذت عمليات القمع، والمسؤولين الذين أصدروا الأوامر، والأدلة التي يمكن أن تبقى محفوظة لسنوات حتى يأتي وقت المساءلة.
ولذلك فإن قوة ملف حقوق الإنسان لا تكمن فقط في حجم الانتهاكات، وإنما في قدرته على جمع ملفات تبدو منفصلة ظاهرياً داخل صورة واحدة: امرأة تقمع بسبب اختيارها، محتج يعتقل بسبب هتافه، سجين سياسي يحرم من حقوقه، كردي أو بلوشي يقتل على الحدود، ومحكوم بالإعدام ينتظر تنفيذ الحكم بسبب قضية ذات طابع سياسي أو أمني؛ وهي كلها وقائع تطرح السؤال نفسه حول طبيعة الدولة وعلاقتها بالمواطن.
إن تحويل حقوق الإنسان إلى ملف مركزي يتطلب أكثر من الإدانات السياسية، ويحتاج إلى توثيق منهجي للانتهاكات، وحماية الشهود والضحايا، وتحديد المسؤولين، ومتابعة الملفات أمام المؤسسات الدولية والقضائية المختصة، لأن الإفلات من العقاب لا يحمي الضحايا ولا يمنع تكرار الجرائم، بينما يمكن للمساءلة المستمرة أن تجعل الانتهاكات عبئاً متراكماً على النظام، لا ملفاً يمكن إغلاقه بمجرد انتهاء موجة الاحتجاج أو تغير الظروف السياسية.
وفي نهاية المطاف، قد يكون ملف حقوق الإنسان من أكثر الملفات قدرة على كشف التناقض بين الصورة التي يحاول النظام تقديمها عن نفسه وبين واقع المواطنين الذين يعيشون تحت سلطته، ولذلك فإن التعامل معه باعتباره قضية ثانوية يعني إضاعة واحدة من أهم الأدوات التي تتيح للمجتمع الدولي وللشعب الإيراني توثيق الحقيقة ومساءلة المسؤولين، بينما يمكن أن يؤدي إبقاؤه في صدارة المشهد إلى جعل الإعدامات والقمع والتمييز والانتهاكات قضايا حاضرة في كل نقاش حول مستقبل إيران، لا مجرد صفحات مؤلمة من الماضي.
*كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني






