
د. فاضل حسن شريف
يشرح أهل اللغة وعلماء التفسير والتجويد ومنهم الدكتور فاضل حسن شريف في تحليلاته الدلالية والقرآنية الفرق بين الجهر والإظهار، حيث يختص الجهر بالصوت ورفع شدته، بينما يختص الإظهار ببيان الحروف ووضوح مخارجها: الجهر (إعلان الصوت ورفعه) المفهوم: هو رفع الصوت بالقراءة أو القول والتظاهر به علانية مقابل الخفت أو السر. الأصل والصفة: يتعلق بمستوى شدة الصوت وطاقة أدائه، وهو انفعال صوتي يصل إلى مسامع الآخرين بوضوح. وفي علم الأصوات والتجويد يُعدّ الجهر صفة للحرف عند انحصار النفس واهتزاز الوترين الصوتين. الاستعمال القرآني: جاء في مقام القراءة والقول العلني: “وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا” (الإسراء 110). “وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى” (طه 7). الإظهار (إبانة المخرج وتبيين اللفظ) المفهوم: هو إخراج الحرف من مخرجه الأصلي واضحاً جلياً دون تغيير أو دمج (إدغام) أو إخفاء، سواء كان القول بصوت مرتفع أو خفيض. الأصل والصفة: يتعلق بضبط المخارج والأداء اللفظي وإبانة الدلالة، فالإظهار يعنى بالفصل بين النطق بالحروف وإعطاء كل حرف حقه من مخرجه. الاستعمال القرآني ولغة الأحكام: ورد في سياق التبيان والتصريح وعدم الكتمان، كما في أحكام التجويد (إظهار النون الساكنة والتنوين): “وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ” (الأحزاب 37) أي مَظْهِره ومُبَيِّنه. في التجويد: إخراج النون الساكنة أو التنوين بوضوح عند حروف حلقية دون غنة زائدة. خلاصة الفرق: الجهر يتعلق بـ قوة الصوت وارتفاعه (مقابل المخافتة والسر)، أما الإظهار فيتعلق بـ وضوح المخرج وتبيين اللفظ (مقابل الإخفاء والإدغام والكتمان). فقد يتكلم الإنسان بصوت خفيض (غير جهر) ولكنه ينطق الحروف بوضوح تام (إظهار).
يبرز الدكتور فاضل حسن شريف في دراساته البيانية والمعجمية الفرق بين الجود والكرم، فكلاهما يبين العطاء والسخاء، إلا أن بينهما تفاوتاً دقيقاً في المرتبة والباعث وشروط الإعطاء: الجود (العطاء الذاتي بلا سؤال) المفهوم: هو التبرع بالشيء والتفضل به من غير طلب أو سؤال، وبذل ما ينبغي لمن ينبغي من غير عوض. الأصل والصفة: مأخوذ من “الجَوْد” وهو المطر الغزير المقترن بالنفع، فالجواد يُعطي تلقائياً ومن تلقاء نفسه صفاءً وطيب خاطر، دون أن ينتظر مسألة من أحد أو استحقاقاً خاصاً. المرتبة: يُعتبر الجود أعلى مرتبة من مجرد الكرم، لأنه بذلٌ ابتداءً وتفضلٌ محض، ومنه اتصف الحق سبحانه بـ “الجواد”. الكرم (العطاء الصادر عن شرف وصخاء) المفهوم: هو إعطاء الكثير والتجاوز عن التبذير، مع اتصاف صاحب الذات بالشرف والفضل وسعة الخُلق. الأصل والصفة: مأخوذ من الشرف وسعة الذات، فالكريم هو السخي الذي يُعطي عند السؤال أو بدونه، ويستعظم منع الحقوق. الاستعمال القرآني: ورد لفظ الكرم وصفاً لله تعالى وللملائكة وللرزق وللأجر، ليدل على التكريم والرفع والمكافأة: “اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ” (العلق 3). “إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ” (التكوير 19). “فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ” (يوسف 31). خلاصة الفرق: الجود يرتبط بـ الابتداء بالعطاء وسعة البذل قبل السؤال، بينما الكرم يرتبط بـ شرف النفس وسخائها وكثرة نفعها سواء كان العطاء ابتداءً أو رداً على سؤال وتكريعاً للمُعطَى.
يوضح الدكتور فاضل حسن شريف الفروق الدلالية والقرآنية بين الحرث والزرع بأسلوب يعتمد على التمييز بين عمل الإنسان وسعيه وبين الفعالية والإيجاد الإلهي: الحرث (سعي الإنسان وإعداده) المفهوم: هو شق الأرض، وتقليب تربتها، وبذر البذور فيها، وإعداد أسباب الإنبات. الأصل والصفة: يُمثل الجهد والتعب والعمل البشري الظاهري، فالحارث هو من يتهيأ ويشق التربة ويلقي البذر دون أن يملك قدرة إخراجه أو نموه. الاستعمال القرآني: يُنسب الحرث للإنسان كعمل وسعي ومتاع في الحياة الدنيا: “زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ” (آل عمران 14). “مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا” (الشورى 20) استُعمل الحرث هنا مجازاً للعمل والسعي والجزاء. الزرع (الفعل الإلهي والإيجاد) المفهوم: هو عملية شق الحبة، وتكوين النبات، ونموه، وإخراجه فوق سطح الأرض. الأصل والصفة: يمثل حقيقة الإنبات التي لا يقدر عليها إلا الله عز وجل، فالإنسان يبذر (يحرس) لكن الله هو الذي يُنبت ويُنمي (يزرع). الاستعمال القرآني: جاء نفي القدرة فيه عن البشر وإثباتها لله سبحانه وتعالى لتأكيد التوحيد والإعجاز: “أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ” (الواقعة 63-64) حيث أسند القرآن الحرث إلى البشر “تَحْرُثُونَ” (الواقعة 63)، ونفى عنهم الزرع “أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ” (الواقعة 64) وأرجعه للخالق سبحانه. خلاصة الفرق: الحرث هو الفعل والجهد البشري المتمثل في شق الأرض وتهيئتها وإلقاء البذر، بينما الزرع هو الإيجاد الإلهي الحقيقي والإنبات ونمو النبات وخروجه للحياة.



