
إعداد وتحليل وتقديم صباح البغدادي
مقدمة :
يُعدّ الأمن الجوي منظومة معقّدة لا يمكن اختزالها في الإجراءات التقنية وحدها، لأن الطائرة ليست مجرد هيكل معدني يحلّق في السماء، بل هي بيئة اجتماعية كاملة تعمل داخلها مجموعة من البشر يخضعون لضغوط نفسية ومهنية هائلة . فالطاقم الجوي ليس مجرد موظفين يؤدّون مهام تشغيلية، بل أفراد يعملون لساعات طويلة، ويتعاملون مع مستويات مرتفعة من المسؤولية، ويتعرّضون لإجهاد نفسي وجسدي مستمر، ما يجعل فهم طبيعة الإنسان جزءًا أساسيًا من أي منظومة أمنية فعّالة. ومن هذا المنطلق، فإن تطوير بروتوكولات حماية الركاب يجب أن يتجاوز التركيز التقليدي على الجوانب التقنية أو التشغيلية، ليشمل دمجًا منهجيًا بكل من :” علوم النفس، وعلم الاجتماع المهني، والتحليل السلوكي، إلى جانب المراجعات الطبية الدورية الصارمة لجميع أفراد الطاقم” بغضّ النظر عن رتبهم أو مكانتهم الوظيفية داخل شركات الطيران، سواء كانت أهلية أو حكومية. فالأمن الجوي الحقيقي يبدأ من فهم الإنسان، دوافعه، ضغوطه، تفاعلاته، وقدرته على اتخاذ القرار تحت الضغط، قبل فهم الآلة التي يقودها. هذا النهج الشامل لا يهدف إلى التشكيك في الطواقم، بل إلى تعزيز سلامة المنظومة بأكملها عبر تقييم متوازن يجمع بين الكفاءة التقنية والصحة النفسية والاستقرار السلوكي، لضمان أن تكون قمرة القيادة بيئة آمنة، مستقرة، وقادرة على التعامل مع الظروف الطارئة دون أن تتحول الضغوط البشرية إلى مصدر خطر محتمل.
يتّضح لنا ومن خلال المتابعة لمجريات الأحداث خلال الساعات الماضية ومنذ يوم أمس , من ان المعطيات الأولية للحادثة أن الكابتن من الجنسية الهندية، بينما مساعده من الجنسية العُمانية، وأن ظروف العراك داخل قمرة القيادة ما تزال غير مكتملة الأركان بسبب تلقي الطرفين العلاج الطبي وعدم صدور رواية رسمية شاملة حتى الآن . ومع ذلك، فإن التحليل الأولي للسياق الاجتماعي والمهني يسمح لنا بطرح فرضيات ذات طابع “سلوكي–اجتماعي ” قد تكون ذات صلة بالحادثة، ولكنه كاحتمال حقيقي ومتوقع لا يجوز إهماله على الأقل في الوقت الحاضر ولحين تبيان التحقيقات القضائية وما سوف تنتج عنها من معلومات .
فمن الناحية المهنية، تُعدّ قمرة القيادة بيئة عمل حساسة تتطلب أعلى درجات الانضباط، والاتزان النفسي، والقدرة على إدارة الضغط، إلا أن التوترات الشخصية أو المهنية قد تتحول — في ظروف معينة — إلى شرارة صراع، خصوصًا إذا تداخلت مع عوامل مثل التنمر، الاستهزاء، أو الشعور بالغبن الوظيفي. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الفارق الثقافي والمهني بين الكابتن الهندي والمساعد العُماني بوصفه عاملًا محتملًا في تفسير ما حدث، لا سيما إذا شعر أحد الطرفين بأن موقعه الوظيفي لا يعكس مكانته الاجتماعية أو المهنية المتصوّرة.
وتبرز هنا فرضية ذات طابع اجتماعي–ثقافي، تتمثل في احتمال شعور مساعد الطيار العُماني بالاستياء من كون رئيسه في العمل — داخل شركة طيران عربية — شخصًا من جنسية أخرى، وهو أمر قد يثير لدى بعض الأفراد إحساسًا بالغبن أو عدم العدالة المهنية، خاصة في بيئات عمل تتداخل فيها الهويات الوطنية مع التسلسل الوظيفي . ورغم أن هذه الفرضية لا يمكن تأكيدها دون تحقيق رسمي، إلا أنها تستند إلى تجارب واقعية شائعة في بيئات العمل متعددة الجنسيات، حيث قد يشعر بعض الموظفين بأنهم أقل تقديرًا أو أقل نفوذًا مقارنة بزملاء من جنسيات أخرى، حتى لو كانوا أقل منهم في المؤهلات أو الخبرة. وتتوافق هذه الفرضية مع تجارب ميدانية عديدة عشتها انا شخصيا وكنت شاهد على العديد من هذه المواقف ليس بالنسبة لي شخصيا , وانما حدثت في بيئة العمل التي كنت أعمل فيها في أوقات سابقة ، ومنها حالات يكون فيها موظف عربي يحمل شهادة عليا — درجة الماجستير في الهندسة الكهربائية — خاضعًا لإدارة شخص أقل منه في المؤهل العلمي ــ خريج معهد ــ ، لكنه ينتمي إلى جنسية البلد المضيف، مما يخلق حالة من التوتر المستمر، والشعور بالغبن، وتدهور العلاقة المهنية. هذه الديناميكيات الاجتماعية ليست مجرد تفاصيل هامشية، بل قد تتحول — في بيئات عالية الضغط مثل الطيران — إلى عوامل مؤثرة في السلوك اللحظي داخل قمرة القيادة. وعليه، فإن تحليل الحادثة يجب أن يتجاوز التفسيرات السطحية التي تركز على “خلاف شخصي” أو “عراك عابر”، وأن يأخذ في الاعتبار البعد الاجتماعي–النفسي للعلاقات المهنية داخل الطواقم الجوية، بما في ذلك أثر الهوية الوطنية، والعدالة الوظيفية، والتوترات الثقافية، والضغوط النفسية، على سلوك الأفراد في لحظات حرجة، ريثما تصدر نتائج التحقيق الرسمي التي يمكن أن تؤكد أو تنفي هذه الاحتمالات.
بعد حادثة طائرة «فلاي دبي» (1) ، بات من شبه المؤكد لنا بأن جهاز “الموساد” وبالتنسيق مع “الشاباك” سيشرع في مراجعة شاملة وعميقة لبروتوكولات الأمن الجوي، خصوصًا تلك المتعلقة بالضباط الأمنيين المرافقين للرحلات التي تحمل عددًا كبيرًا من الركاب الإسرائيليين. ورغم أن «فلاي دبي» ليست شركة إسرائيلية ولا تخضع للمنظومة التنظيمية في تل أبيب، فإن طبيعة الحادثة، وحجم المخاطر التي ظهرت داخل قمرة القيادة، والعدد الكبير من الإسرائيليين على متن الرحلة، تجعل من الضروري – من منظور الأمن القومي الإسرائيلي – إعادة صياغة قواعد العمل، وتطوير آليات التدخل، وتوسيع صلاحيات عناصر الأمن الجوي على الرحلات الأجنبية.
لان الدوائر الأمنية في إسرائيل أصبحت بعد الحادثة تدرك جيدا بأن التهديدات التي تواجه الطيران المدني لم تعد محصورة في سيناريوهات الاختطاف التقليدية أو الهجمات الخارجية، بل باتت تشمل التهديد الداخلي الصادر من أفراد الطاقم أنفسهم، سواء نتيجة اضطرابات نفسية، أو خلافات مهنية، أو دوافع عدائية غير متوقعة . ولذلك ومن هذا المنطلق، فإن المرحلة المقبلة ستشهد – على الأرجح والمتوقع لنا – بلورة وصياغة مفاهيم لمنظومة أمنية جديدة تتضمن الاتي وعلى سبيل المثال وليس الحصر :
1 : رفع مستوى التنسيق العملياتي والاستخباري مع الأجهزة الأمنية الإماراتية، لضمان تبادل المعلومات حول الطواقم، والسوابق السلوكية، والملفات الطبية والتهديدات المحتملة.
2 : توسيع نطاق وجود عناصر أمن جوي إسرائيليين على الرحلات ذات الحساسية العالية، حتى لو كانت الرحلات تابعة لشركات أجنبية، عبر تنسيق ترتيبات خاصة أو بروتوكولات مشتركة.
3 : إعادة تقييم معايير اختيار أفراد الأمن الجوي، وتدريبهم على سيناريوهات تتضمن تهديدات داخل قمرة القيادة، وليس فقط تهديدات خارجية أو إرهابية.
4 : تطوير بروتوكولات التدخل السريع في حال وقوع شجار، انهيار نفسي، أو محاولة اعتداء من أحد أفراد الطاقم، بما يضمن السيطرة على الوضع خلال ثوانٍ معدودة.
إن حادثة «فلاي دبي» سوف لم تُقرأ في إسرائيل كواقعة فردية، بل كإشارة إنذار استراتيجية تُحتّم إعادة بناء منظومة الأمن الجوي من الأساس، خصوصًا في الرحلات التي تربط بين دول الخليج وإسرائيل، والتي تشهد حركة مكثفة لرجال أعمال، مسؤولين سياسيين وأمنيين ، وسياح إسرائيليين , ولذا
ومن منظور استخباري بحت، فإن هذه الحادثة ستُعامل كـ نقطة تحول في فهم طبيعة المخاطر داخل الطيران المدني، وستدفع الأجهزة الأمنية إلى اعتماد مقاربة أكثر تشددًا، وأكثر حضورًا، وأكثر تدخلًا في الرحلات التي لا تخضع مباشرة للسيادة الإسرائيلية، لكنها تحمل مواطنين إسرائيليين قد يجدون أنفسهم في قلب أزمة داخل قمرة القيادة دون وجود عنصر أمني قادر على التدخل الحاسم في الوقت المناسب .
اليوم من المؤكد لنا بعد هذه الحادثة سوف تتعامل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية على مختلف عناوينها الوظيفية مع حادثة طائرة «فلاي دبي» المتجهة إلى تل أبيب بوصفها نقطة انعطاف استراتيجية في فهم طبيعة التهديدات التي تواجه الطيران المدني، خصوصًا الرحلات التي تضم عددًا كبيرًا من الركاب الإسرائيليين، حتى لو كانت الرحلة تابعة لشركة غير إسرائيلية ولا تخضع للسيادة التنظيمية المباشرة لتل أبيب , ومن منظور استخباري بحت، فإن ما جرى داخل قمرة القيادة – شجار، طعن، هبوط حاد، وتفعيل رموز الطوارئ – لا يُقرأ كحادث فردي أو خلل مهني، بل كـ ثغرة أمنية خطيرة تكشف هشاشة البروتوكولات الحالية، وتفرض على جهازي “الموساد” و “الشاباك” إعادة صياغة برتوكولات منظومة الأمن الجوي من الأساس ومنها :
أولًا: دوافع المراجعة الأمنية الإسرائيلية : رغم أن «فلاي دبي» شركة إماراتية، فإن وجود عدد كبير من الركاب الإسرائيليين على متن الرحلة يجعلها – من وجهة نظر تل أبيب – جزءًا من دائرة الأمن القومي والحادثة كشفت أن: التهديدات لم تعد محصورة في عمليات الخطف التقليدية أو الهجمات الخارجية والخطر قد يأتي من داخل قمرة القيادة نفسها: اضطراب نفسي، خلاف مهني، أو سلوك عدائي غير متوقع من أحد أفراد الطاقم وغياب عنصر أمني قادر على التدخل السريع قد يترك عشرات الإسرائيليين في مواجهة خطر مباشر دون حماية ومثل هذه المعطيات المؤثرة في اعتقادنا سوف تدفع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية دون شك إلى إعادة تقييم جذري لدور عناصر الأمن الجوي على الرحلات الأجنبية.
ثانيًا: اتجاهات التغيير المحتملة في بروتوكولات الأمن الجوي : حيث من المتوقع أن تتجه إسرائيل نحو بناء منظومة أمنية جديدة تتضمن من خلالها تعزيز التنسيق العملياتي والاستخباري مع الأجهزة الأمنية الإماراتية، لضمان تبادل المعلومات حول الطواقم، الخلفيات السلوكية، والتهديدات المحتملة قبل الإقلاع , مع توسيع نطاق وجود عناصر أمن جوي إسرائيليين على الرحلات ذات الحساسية العالية، عبر ترتيبات خاصة أو بروتوكولات مشتركة مع شركات الطيران الأجنبية , وكذلك الى حتمية إعادة تعريف معايير اختيار أفراد الأمن الجوي، بحيث تشمل القدرة على التعامل مع سيناريوهات داخلية معقدة، مثل انهيار نفسي مفاجئ أو اعتداء داخل قمرة القيادة , بالإضافة إلى تطوير بروتوكولات التدخل السريع التي تسمح بالسيطرة على الوضع خلال ثوانٍ، خصوصًا في الحالات التي تتضمن عنفًا أو محاولة تغيير مسار الطائرة وإدخال أدوات مراقبة إضافية داخل قمرة القيادة، سواء عبر كاميرات أو أنظمة إنذار مبكر، لرصد أي سلوك غير طبيعي من أفراد الطاقم.
ثالثًا: قراءة استخبارية للتهديد الجديد ومن وجهة نظر جهازي الموساد والشاباك، فإن حادثة «فلاي دبي» تمثل حاليا نقطة بالغة الحساسية و لم يكن مرصودا بالقدر الكافي في طبيعة التهديد ولم يعد الخطر خارجيًا فقط، بل داخليًا أيضًا ؟ لأنه انكشافًا لبنية الطيران المدني العالمي التي ما تزال تتجاهل الصحة النفسية للطيارين وأطقم الضيافة و تندرج ضمن إشارة إنذار استراتيجية وبأن الرحلات التي تربط الخليج بإسرائيل – والتي تشهد حركة مكثفة لرجال أعمال ومسؤولين وسياح إسرائيليين – أصبحت بحاجة إلى منظومة أمنية أكثر حضورًا وتدخلًا من ذي قبل على الأقل يمكن اعتباره كجرس انذار لم يفت أوانه بعد , والحادثة ستُقرأ في تل أبيب كرسالة واضحة بعد الان , مفادها :” لا يمكن ترك أمن الركاب الإسرائيليين رهينة مزاج أو اضطراب أو خلاف داخل قمرة القيادة”.
رابعًا: لماذا قد تعتبر إسرائيل هذه الحادثة نقطة تحول؟ ليس فقط لأنها كشفت أن الكابتن الطيار قد يتحول في لحظة إلى مصدر تهديد محتمل شديد التأثير بل ان الخلافات المهنية قد تتطور إلى عنف مباشر مميت وغياب عنصر أمني داخل الطائرة قد يؤدي إلى كارثة ولان شركات الطيران الأجنبية لا تملك دائمًا بروتوكولات نفسية أو أمنية كافية. وبالتالي، فإن إسرائيل ستسعى إلى دون شك بعد هذه الحادثة ـــ وان لم يكن فانه غباء وسذاجة من قبلهم ــ فرض حضور أمني أكبر على الرحلات التي تضم مواطنين إسرائيليين والتدخل في صياغة بروتوكولات الأمن الجوي حتى لو كانت الرحلة تابعة لشركة أجنبية وتوسيع التعاون الأمني مع الإمارات لضمان عدم تكرار سيناريو مشابه.
ان حادثة «فلاي دبي» يجب ان لا تُقرأ في إسرائيل كواقعة فردية، بل كحدث مفصلي يعيد تشكيل فهم الأمن الجوي في المنطقة من جديد لان من منظور جهازي الموساد والشاباك، فانهم اليوم أمام تهديد داخلي جديد يتطلب دون شك العمل الفعلي والمباشر من الان على إعادة صياغة كل من : ” بروتوكولات أكثر صرامة وحضورًا أمنيًا أكبر وتنسيقًا دوليًا أوسع وتدريبًا عالي المستوى متخصصًا للتعامل مع سيناريوهات غير تقليدية داخل قمرة القيادة , لأنها لحظة إعادة بناء كاملة لمنظومة الأمن الجوي، لا مجرد تعديل أو تحسين بل يجب ان تكون هناك إعادة صياغة جديدة للبروتوكولات من الجذور والأساس ” .
والنقطة الأهم الأخرى التي قد أغفلتها جميع وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة والمرئية والحوارات التي تابعناها من خلال البرامج الإخبارية والحوارية بخصوص تأثير حرب قطاع غزة على الصحة النفسية للطيارين ومن خلال ما نعتقد جازمين بمحاولة منا لقراءة نفسية–أمنية في ظل انهيار المنظومة الإقليمية الخليجية , فلا يمكن فهم السلوك البشري داخل قمرة القيادة بمعزل عن البيئة السياسية والأمنية التي يعيش فيها كابتن الطيار خارج ساعات العمل. وفي الشرق الأوسط، حيث تتداخل الجغرافيا مع الدم، والسياسة مع المأساة، والحروب مع الحياة اليومية، يصبح من المستحيل فصل الضغوط النفسية الناتجة عن الصراع الإقليمي عن أداء الطيار داخل قمرة الطائرة. وحرب غزة الأخيرة – بما حملته من قتل الأطفال والنساء والشيوخ، وتدمير المنازل، وانهيار البنية المدنية، وصور الجثث تحت الأنقاض – لم تكن مجرد حدث سياسي أو عسكري، بل كانت زلزالًا نفسيًا ضرب المنطقة بأكملها، وترك أثرًا عميقًا في نفوس الملايين، بمن فيهم الطيارون وأطقم الضيافة.
هذا الفصل الذي نعتقده مهم وحيوي سوف يسلّط الضوء كذلك وضمن سياق هذه القراءة عمس السردية الاعلامية السائدة حاليا وعلى البعد النفسي للحروب وتأثيرها المباشر على العاملين في الطيران المدني، ونطرح سؤالًا نعتقده جوهريًا ومؤثر بشدة مفاده : ” هل يمكن لطيار يعيش وسط هذه المآسي أن يبقى محايدًا نفسيًا داخل قمرة القيادة؟ ولتوضيح هذا الموضوع بصورة أوسع من خلال النقاط التالية , على سبيل المثال وليس الحصر :
أولًا: الحروب ليست حدثًا خارجيًا… بل صدمة نفسية داخلية لان الحرب بطبيعتها لا تبقى على شاشات التلفاز فقط وانما تدخل بصورة أو بأخرى الى جوهر وجدان الإنسان ومن خلال : ذاكرته ونومه وعلاقاته الاسرية والاجتماعية ومزاجه الشخصي وتقلباته بين الغضب والهدوء وطريقة تفكيره وطبيعة ردود فعله على ما يشاهده على شاشات التلفاز او ما يسمع عنه من خلال المواقع التواصل الاجتماعي وما تصله من صور ومشاهد القتل والدمار على حسابه الشخصي وقدرته على ضبط أعصابه ” لان الطيار بدوره ، ومهما بدا متماسكًا، هو إنسان يعيش في مجتمع يرى يوميًا : ” أطفالًا يُنتشلون من تحت الأنقاض ونساءً تُقتل مع أطفالها وشيوخًا يُقصفون داخل منازلهم ومدنًا تُمحى بالكامل وصراخًا، دمًا، انهيارًا، فوضى ” مثل هذه المشاهد ليست “أخبارًا”، بل صدمات نفسية متراكمة تؤثر على الجهاز العصبي، وتزيد من احتمالات , التوتر المزمن والعصبية الزائدة عن حدها والغضب والانفعال وفقدان السيطرة والاكتئاب واضطرابات النوم والقلق الحاد وردود الفعل غير المتوقعة ؟ وبالأخص إلى من هم مهيئين نفسيا لتقبل مثل تلك الأفعال وكل هذه العوامل تنعكس مباشرة على أداء الطيار داخل قمرة القيادة.
ثانيًا: الطيار ليس معزولًا عن السياسة… بل يعيشها في عمق ذاته لان الطيار في الشرق الأوسط يعيش في بيئة مشحونة غير متزنة وليس في بيئة رفاهية ومن خلال ما يشاهده من : ” حرب غزة وصراع إقليمي وتوتر سياسي واستقطاب اجتماعي وخطاب إعلامي ملتهب وصور يومية للدمار ونقاشات حادة في المجتمع وضغوط اقتصادية وخوف على العائلة والأطفال ” مثل هذه البيئة تُنتج حالة نفسية غير مستقرة، حتى لدى الأشخاص الذين لا يظهر عليهم ذلك خارجيًا. وإذا كان الطيار مهيّأ نفسيًا أو عصبيًا للتأثر بهذه الأحداث، فإن احتمال أن تتفاعل هذه الضغوط داخل قمرة القيادة يصبح أكبر بكثير.
ثالثًا: لماذا يجب أن تتضمن الاستمارة الطبية فصلًا كاملًا عن تأثير الحروب؟ لأن الحروب أصبحت جزءًا من الحياة اليومية في المنطقة، ولأن الطيار ليس آلة، بل إنسان يتأثر بما يرى ويسمع ويشعر . ولذلك يجب أن تتضمن الاستمارة الطبية أسئلة حول ما يشاهده الطيار أثناء عطلته الوظيفية : “
هل يتابع أخبار الحرب؟ هل يتأثر بصور الضحايا؟ هل يشعر بالغضب أو الحزن أو القلق؟” وأسئلة حول ما يحب وما يكره , لفهم مزاجه العام، وميوله، وما يثير انفعاله” وكذلك تقييم أثر الحروب على نفسيته . فهل يشعر بالصدمة؟ هل يعاني من اضطرابات نوم؟ هل يشعر بفقدان السيطرة؟ وهل لديه ردود فعل عصبية غير متوقعة؟” وكذلك تقييم طبيعته الشخصية في ظل الصراع الإقليمي :” هل يتأثر سياسيًا؟ هل يتأثر عاطفيًا؟ هل يتأثر اجتماعيًا؟ مثل هذه الأسئلة ليست “ترفًا”، بل ضرورة أمنية، لأن الطيار الذي يعيش وسط صدمات نفسية قد يتصرف داخل قمرة القيادة بطريقة غير متوقعة” وحتى يصل الامر الى ربط ذلك بحوادث الطيران الأخيرة .
رابعا : حتى الآن، لا نعرف الدوافع الحقيقية وراء هذه الحادثة وفي انتظار استكمال التحقيقات ولكن السيناريوهات التي نطرحها قد تكون واقعية وحقيقية فعلآ او حتى احتمالات واقعية ما ستكون عليه نتيجة التحقيقات القضائية لان حادثة فلاي دبي الحالية وحادثة الخطوط الجوية العراقية قبل أشهر عندما احتدم الصراع داخل قمرة القيادة بسبب وجبة طعام وتبادل اللكمات بالأيدي والآلات الحادة وتم إكمال المعركة في مدرج المطار وقبل عقد من الزمن حادثة جيرمان وينغز انتحار الطيار على جبال الالب ولكن التحليل النفسي العميق يشير إلى أن السلوك البشري داخل قمرة القيادة لا ينفصل عن الظروف النفسية والاجتماعية والسياسية التي يعيشها الطيار خارج الطائرة و
قد يكون الطيار او احد افراد الطاقم يعاني من ضغط نفسي ويعيش صدمة حرب ويعاني من مشاكل أسرية ويعاني من غضب مكبوت ويعاني من توتر مزمن ويعاني من اضطراب داخلي ويعاني من فقدان توازن عصبي وهذه العوامل قد تتفاعل في لحظة حرجة داخل قمرة القيادة على اقل عبارة يعتبرها الآخر موجهة له وإهانة شخصية لا يتحملها وينفجر غضبا بزميله داخل قمرة القيادة ، فتنتج : شجارًا وعنفًا وطعنًا وانهيارًا وفقدانًا للسيطرة قرارات كارثية خطيرة”
خامسًا: قراءة نفسية عميقة في أعماق الإنسان ومن خلال هذا التحقيق الاستقصائي يجب أن يذهب معه للبحث وإلى أعماق النفس البشرية، لا إلى سطح الحوادث وقشورها . فالإنسان الذي يقود الطائرة ويرى العالم ينهار حوله ويرى أطفالًا يموتون ويرى مدنًا تُقصف ويرى ظلمًا وقهرًا ويرى دمًا ودمارًا ويرى صراعًا بلا نهاية , مثل هذه المشاهد المأساوية تترك أثرًا في النفس البشرية لا يمكن تجاهله. ولذلك، فإن أي منظومة طيران تتجاهل هذا البعد النفسي، هي منظومة عمياء، وتفتح الباب لحوادث جديدة. لان الحروب ليست حدثًا سياسيًا فقط، بل عامل نفسي خطير يؤثر على الطيارين وأطقم الضيافة. وإدراج هذا العامل في الفحوصات الطبية والمقابلات النفسية ليس خيارًا، بل ضرورة أمنية لحماية الركاب.
صل السابع: حين
إن فهم ما يجري داخل قمرة القيادة يبدأ من فهم ما يجري داخل نفس الطيار، وما يراه، وما يشعر به، وما يعيشه خارج الطائرة. لكنها ببساطة لم تُطرح من قبل لأن صناعة الطيران عالميًا ما تزال أسيرة “النموذج القديم” الذي يفصل بين الإنسان والمهنة، بين الطيار وبيئته، بين قمرة القيادة والعالم الخارجي.
وفي مستهل استعراضنا لحادثة شركة ” فلاي دبي ” فلا بد لنا ان نتذكر الحادثة الاصلية التي كان يجب ان تغير كل شيئ في مفهوم الصحة العقلية والنفسية لأطقم الطيران وهي حادثة جيرمان وينغز 9525 حين أصبح الاكتئاب سلاح دمار شامل وفي 24 اذار 2015، تحطمت طائرة “جيرمان وينغز” الرحلة 9525 فوق جبال الألب الفرنسية، بعد أن قام مساعد الطيار الألماني أندرياس لوبيتس بإغلاق باب قمرة القيادة على القائد، وبدأ عمدًا في خفض ارتفاع الطائرة إلى أن اصطدمت بالجبل، وقتل جميع من كانوا على متنها لان التحقيقات كشفت أن “لوبيتس” كان يعاني من اكتئاب حاد وميول انتحارية، وأن تقارير طبية سابقة وثّقت حالته النفسية، وأنه كان يتلقى علاجًا نفسيًا، بل إن بعض الأطباء كانوا يرون أنه غير صالح للطيران. ومع ذلك، استمر في قيادة الطائرات، واستمرت المنظومة في التعامل مع ملفه النفسي كـ”معلومة” لا كـ”خطر وجودي” لان الدروس التي كان يجب أن تُستخلص ولم تُستخلص بالكامل من تلك المأساة، كان من المفترض أن تتغير قواعد اللعبة في عالم الطيران ومن خلال إعادة تعريف مفهوم “اللياقة الطبية” ليشمل الصحة النفسية كعنصر مكافئ للصحة الجسدية، لا مجرد ملحق ثانوي وإلزام شركات الطيران بفحوصات نفسية دورية صارمة للطيارين ومساعديهم وأطقم الضيافة، لا تكتفي بالاستبيانات السطحية أو مقابلات شكلية. ومراجعة العلاقة بين الطبيب والطيار بحيث لا تكون مبنية على المجاملة أو الخوف من فقدان الوظيفة، بل على مبدأ واحد لا غير إلا وهو ” حماية الأرواح” ولكن ما حدث فعليًا كان أقرب إلى “ترقيع” تنظيمي و تعديلات محدودة، توصيات، تعميمات، ثم عودة تدريجية إلى الروتين القديم، مع استمرار ثقافة إنكار عمق المشكلة النفسية في عالم الطيران.
ومن خلال حوارنا مع احد الطيارين فإن أخطر ما في المنظومة الحالية هو تغليب المجاملة على الصراحة ومن خلال سياق العلاقات الشخصية أو العائلية :” طبيب يعرف أن الطيار يعاني من اضطراب نفسي، لكنه يخشى أن يكون تقريره سببًا في فقدان الطيار لوظيفته، أو في صدام مع الشركة والعلاقات على المعايير ومن قبيل كلمات وعبارات وجمل بانه : ” طيار محبوب، ذو خبرة، صديق عزيز ، صديق دراسة , صلة قرابة من بعيد أو من قريب . معرفة بتوصية شخصية من أطراف مؤثرة وفاعلة على الطبيب , فيُغضّ الطرف عن مؤشرات خطيرة في سلوكه أو حالته النفسية أو تغليب المصلحة الاقتصادية على السلامة ومن خلال ان تكون شركة طيران لا تريد أن تخسر طيارًا مكلفًا، أو أن تدخل في دوامة إعلامية حول “طيار غير مستقر نفسيًا”، فتُفضّل الصمت أو التخفيف وهذا التواطؤ الصامت بين بعض الأطباء وبعض الإدارات يحوّل التقارير الطبية إلى أوراق شكلية، لا أدوات إنذار مبكر أو دق ناقوس اجراس الخطر والنتيجة الحتمية نحن أمام منظومة تُصرّ على التعامل مع الطيار كـ”مُشغّل آلة”، لا كإنسان معقّد، يحمل داخله صراعات ومخاوف وميولًا قد تتحول في لحظة إلى قرار كارثي وإذا أردنا أن نتحدث بجدية، بعيدًا عن لغة البيانات الرسمية، فهناك مجموعة مطالب لا بد أن تتحول إلى قواعد ملزمة، لا توصيات ومن خلال :” فحوصات نفسية صارمة ودورية كل ثلاثة أشهر للطيارين ومساعديهم وأطقم الضيافة، وليس للطيارين فقط وتتضمن مقابلات معمّقة مع أخصائيين نفسيين مستقلين، لا تابعين مباشرة لشركة الطيران وتشمل تقييم:مستوى التوتر المزمن.مؤشرات الاكتئاب والقلق.النزعات العدوانية أو الانتحارية.القدرة على العمل تحت الضغط.العلاقات داخل الطاقم والاهم بان الجهة التي تصدر التقارير الطبية يجب أن تكون مستقلة، لا تتبع إداريًا أو ماليًا لشركة الطيران ويجب أن يكون معيارها الوحيد يتمثل بسلامة الركاب، لا رضا الإدارة وان أي محاولة للتأثير على تقرير طبي يجب أن تُعامل كجريمة، لا كـ”ضغط إداري” وكذلك يجب اتباع آليات إبلاغ آمنة للطيارين أنفسهم ويجب أن يُتاح للطيار أو المساعد أو المضيف أن يبلغ عن حالته النفسية أو عن سلوك زميله دون خوف من فقدان وظيفته فورًا ويمكن إنشاء نظام يسمح بـ:إجازات نفسية مؤقتة.برامج علاجية.عودة تدريجية للعمل بعد التقييم الطبي المهني .
سأتوقف هنا لحظة اعتبرها مهمة وحيوية لأنها سوف تدخل مباشرة في منطقة حساسة جدًا تتعلق بـ:
مراقبة الأفراد و
تحليل السلوك و
تتبع الحسابات الشخصية و
قراءة الميول النفسية و
التقمص والاتصال المتخفي و
تقييم الطواقم الجوية و
رصد الانفعالات و
تحليل نبرة الصوت و
قراءة الوجوه و
بناء ملفات شخصية
وهذه كلها أدوات استخبارية حقيقية تُستخدم في العالم، ولكن استخدامها يجب أن يكون دائمًا ضمن إطار قانوني وأخلاقي صارم، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأشخاص مدنيين مثل طواقم الطائرات. وهناك ما تزال ثغرة حقيقية في عالم الأمن الجوي إلا وهو غياب التحليل النفسي والسلوكي العميق للطواقم. لان التحليل السلوكي للطواقم الجوية وكيف تُدار المخاطر النفسية دون انتهاك الخصوصية؟ ولماذا أصبح السلوك النفسي للطواقم الجوية قضية أمن قومي؟ وبعد حادثة فلاي دبي، أصبح واضحًا أن الخطر داخل الطائرة لا يأتي فقط من:
إرهابي او
راكب مشاغب او
خلل ميكانيكي
بل انه قد يأتي من:
الطيار نفسه و
المساعد و
المضيف او
أي فرد من الطاقم يعاني من ضغط نفسي أو غضب أو اضطراب أو توتر شديد
وهذا يجعل التحليل السلوكي للطواقم الجوية ضرورة أمنية، وليس رفاهية.
لكن هذا التحليل الأمني يجب أن يخضع الى ضوابط اخلاقية ووظيفية صارمة ويتم : “
بشكل قانوني و
بشكل مهني ومن
دون انتهاك الخصوصية ومن
دون مراقبة غير مشروعة ومن
دون تجنيد أو تقمص شخصيات ومن
دون تدخل في الحياة الشخصية “.
لذا ما الذي يمكن للأجهزة الأمنية الرسمية باستطاعتها أن تفعله بشكل قانوني ورسمي وصادر من جهة قضائية حكومية دستورية لكي لا يساء استخدامه لغرض الابتزاز لافراد الطاقم ؟ ومن خلال :
أ. مراقبة الحسابات العامة فقط لاطقم الطائرة على مواقع التواصل الاجتماعي لتبين طبيعة ميولهم وتفاعلهم مع الأحداث الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط وتعليقاتهم الشخصية لأنها نقاط قد تبين الشخصية الحقيقية لاي فرد من افراد الطاقم او على الأقل معرفة الدوافع قبل وقوع الكارثة حيث يمكن للأجهزة الأمنية — بشكل قانوني — أن تراقب: ” ا
لمنشورات العامة و
التعليقات العامة و
الصور العامة و
السلوك الظاهر وطريقة
التفاعل مع الأحداث و
الانفعالات المعلنة “
وهو تحليل يعتمد على البيانات المتاحة للجميع.
ب. تحليل أنماط السلوك وليس التفاصيل الشخصية وهذا
التحليل يجب أن يركز على: “
التوتر و
الغضب و
الانفعال وا
لعدوانية و
الاضطراب النفسية و
المزاج المتقلب و
التعليقات المتطرفة و
السلوك غير المهني
وليس على
الحياة الخاصة العائلية و
العلاقات الشخصية و
الميول الجنسية و
تفاصيل غير مرتبطة بالأمن الجوي
ج. إجراء مقابلات نفسية دورية للطواقم و
هذا إجراء قانوني ومهني، يشمل:”
تقييم الضغط و
تقييم المزاج و
تقييم القدرة على العمل تحت التوتر و
تقييم الاستقرار النفسي و
تقييم العلاقات المهنية داخل الطاقم”
د. تدريب الطواقم على إدارة الغضب والانفعال و
بدل من مراقبتهم، و
تدريبهم وتقديم الدعم لهم و
مساعدتهم في حل مشكلاتهم الوظيفية مع
توفير بيئة عمل صحية و
تقليل الاحتكاك و
منع التنمر والاستهزاء باللغة او اللباس او طريقة الكلام داخل الطاقم .
3. والموضوع الأهم والمهم لغرض حماية الخصوصية الشخصية لأفراد الطاقم او الموظفين في شركات الطيران الأهلية او الحكومية فانه لا يجوز للأجهزة الأمنية “التقمص” أو “التواصل المتخفي” مع أفراد الطاقم؟ لأن هذا يعتبر بمثابة
انتهاك للخصوصية و
غير قانوني و
غير أخلاقي و
يشبه أساليب التجنيد الاستخباري وي
عرّض الأفراد للضغط و
يخلق بيئة خوف و
يدمّر الثقة بين الطاقم والشركة ويعرضهم الى الابتزاز المالي والاخلاقي ؟ و
التحليل السلوكي يجب أن يكون على قدر عالي من المهنية و
علميًا و
قانونيًا و
قائمًا على البيانات
وليس قائمًا على الخداع أو التلاعب .
4. كيف يمكن اكتشاف الميول الخطرة دون انتهاك الخصوصية؟ ومن خلال طبيعة
السلوك المهني داخل الشركة ؟
مثل :
شكاوى زملاء العمل و
خلافات متكررة دون حلول و
غضب غير مبرر و
توتر دائم و
مشاكل في التواصل و
سلوك عدواني ويتم ذلك
عبر الفحص النفسي الدوري
وهو إجراء عالمي في شركات الطيران و
عبر مراقبة الأداء أثناء الرحلات
مثل : “
ردود الفعل و
لانفعالات و
القرارات و
التواصل مع المساعد و
التعامل مع الضغط وليس فقط
عبر تحليل البيانات العامة والتقرير الذي يكتبه القبطان والمساعد أثناء انتهاء الرحلة ومراجعتها بصورة منهجية وكتابة التوصيات إذا ظهر في التقرير الرحلة أي إشارات سلوك وظيفي غير مهني ومراجعة شريط التسجيل بالصندوق الأسود للطائرة
وليس عبر اختراق أو مراقبة خاصة.
5. لماذا يجب أن تتجنب الأجهزة الأمنية “البحث في القشور”؟
لأن التركيز على:”
هل كان خلافًا شخصيًا؟
هل كان تنمرًا؟
هل كان عنصرية؟
هل كان شجارًا؟ لان هذا ال
تحليل سطحي لا يعالج المشكلة الحقيقية لان
المشكلة الحقيقية ينتج عن الإهمال الوظيفي ومن خلال
غياب التحليل النفسي والسلوكي العميق للطواقم الجوية
وهذا ما يجب أن يتغير.
خلاصة القول وما نعتقده في هذا البحث الاستقصائي فإن الأمن الجوي يبدأ من فهم طبيعة الإنسان لان
الأمن الحقيقي لا يأتي من انتهاك الخصوصية … بل يأتي من فهم الإنسان ودعمه وتقييمه بشكل مهني وطبي يخضع لضوابط وشروط صرامة
في هذا التحقيق الصحفي الاستقصائي حاولنا قدر الإمكان ان تكشف الجانب الخفي او المظلم لشركات الطيران الاهلية والحكومية وبغض النظر عن جنسيتها ومن خلال طرح أفكار واقعية تحدث على الأرض ملموسة وحقيقية
لأن الطيار إنسان يعيش في عالم مليء بالدم والصدمة و
الطيار ليس كائنًا معزولًا في برج عاجي. هو يعيش في مجتمع يرى يوميًا وأطفالًا يُقتلون في غزة و
نساءً تُقصف منازلهم وشيوخًا يموتون تحت الأنقاض ومدنًا تُمحى بالكامل وصورًا مرعبة على الشاشات وخطابًا إعلاميًا ملتهبًا وصراعًا سياسيًا واجتماعيًا لا ينتهي وغبن في الوظيفة وبيئة العمل وتنمر واستهزاء وفوارق اجتماعي وعائلية ” غني وفقير ” ووظيفية ” هذه المشاهد تدخل إلى الجهاز العصبي مباشرة، وتؤثر على المزاج والنوم والتركيز وضبط الأعصاب وردود الفعل والقدرة على اتخاذ القرار , فكيف يمكن أن نتوقع أن يدخل الطيار قمرة القيادة “محايدًا نفسيًا” بعد أن يرى كل هذا؟ هذه ليست فكرة جنوني … هذه علم نفس عصبي. لأن الحروب تخلق اضطرابات نفسية حتى لدى الأشخاص غير المصابين مباشرة وعلم النفس العسكري يؤكد أن: ” مجرد مشاهدة الحرب عبر الشاشات يمكن أن يسبب اضطرابات نفسية مشابهة لاضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)” .
فكيف إذا كان الشخص يعيش في منطقة الصراع؟ أو لديه عائلة هناك؟ أو يحمل موقفًا عاطفيًا أو سياسيًا تجاه ما يحدث؟ هذه ليست فكرة غير واقعية نطرحها على بساط البحث والتحليل , هذه حقيقة مثبتة علميًا. لأن الطيار يتحمل مسؤولية حياة مئات البشر والطيار ليس موظفًا عاديًا. وهو شخص يعمل تحت ضغط هائل ويتخذ قرارات مصيرية في ثوانٍ معدودة في السماء للحفاظ على أرواح الركاب وهم بالمئات ويتحكم بطائرة وزنها عشرات الأطنان يحمل على كتفيه حياة مئات الركاب , فأي اضطراب نفسي — مهما كان صغيرًا — يمكن أن يتحول إلى كارثة جماعية. فكيف لا نربط بين الحروب وبين الحالة النفسية للطيار؟ فهذه منطقية تمامًا. وقد يطرح اخر سؤال علينا ونطرحه معآ للراي العام مفاده : لماذا لم يتم النظر إلى مثل تلك هذه الأفكار التي طرحناها ضمن هذا التحقيق الصحفي حتى الآن؟ لأن صناعة الطيران تخشى الاعتراف بأن الطيار “إنسان” وشركات الطيران تحب أن تقدّم الطيار كرمز للثبات والاتزان والاحتراف. والاعتراف بأن الطيار يتأثر بالحروب، بالسياسة، بالدمار، بالصور، بالصدمات… يعني الاعتراف بأن الطيار قد ينهار. وهذا اعتراف مكلف وخطير على مستوى: السمعة الشركة في الأسواق العالمية والشركات المنافسة والثقة المواطن والاقتصاد والتأمين والتنظيم والإعلام ولذلك تتجاهل الشركات هذا البعد تمامًا. لأن الجهات الطبية في الطيران ما تزال تعمل بنموذج قديم النموذج الحالي يركز على مفاهيم طبية بدائية : ” ضغط الدم والنظر والسمع والسكر والقلب ” أما الصحة النفسية؟ فتُختزل في سؤال سخيف وغبي : “هل تشعر بأي ضغوط نفسية ؟” ولا أحد يسأل الطيار: ماذا ترى أثناء عطلتك؟ هل تؤثر عليك صور الحرب؟ هل تشعر بالغضب أو الحزن؟ هل تعاني من اضطرابات نوم؟ هل تتأثر بالصراع الإقليمي؟ هل لديك ردود فعل عصبية غير متوقعة؟ لأن هذه الأسئلة “سياسية”، والشركات تخاف من السياسة. ولأن ربط الحروب بالطيران يفتح بابًا مخيفًا ؟ اذا اعترفوا بأن الحروب تؤثر على الطيارين، فهذا يعني: ضرورة فحوصات نفسية جديدة وضرورة بروتوكولات أمنية جديدة وضرورة تدريب جديد وضرورة تقييم جديد وضرورة تعليق صلاحيات بعض الطيارين وضرورة تدخل أجهزة الأمن وضرورة تغيير قوانين الطيران الدولي وهذا تغيير ضخم لا تريد الشركات الدخول فيه.
بل الأهم من ذلك انهم لا يتابعون شركات الطيران ما يكتبه طاقم الطائرة والموظفين يفرغون شحنات غضبهم ونفسيتهم في مواقع التواصل الاجتماعي ؟ في ما ورد لنا من خلال هذا التحقيق الصحفي الاستقصائي ليس فقط “سابقة لزمانها”؟ بل لأننا ببساطة تنظر إلى الإنسان داخل الطيار، وليس إلى “الوظيفة” فنحن نربط بصورة متماسكة جمع الخيوط ومن خلال علم النفس وعلم الأعصاب وعلم السلوك وعلم الصدمات وعلم الطيران وعلم الأمن وعلم الاجتماع وعلم السياسة وهذا الربط لم يجرؤ أحد على القيام به حتى الآن. لأننا نطرح فكرة جديدة، جريئة، واقعية، لم تُناقش بعد، لكنها ستصبح محورًا أساسيًا في المستقبل دون شك او هذا ما نتوقعه على الأقل ولكنها ببساطة لم تُطرح من قبل لأن صناعة الطيران تخاف من فتح هذا الباب وتفتح بابًا جديدًا في فهم الطيران المدني: ” بابًا يربط بين الحروب و الصحة النفسية والعقلية و السلوك الإنسانية والعلاقات الاجتماعية داخل قمرة القيادة “.
وهناك حادثة في مستهل حديثنا عن هذا الموضوع وقد نقلت لي شخصيا من قبل احد الأقرباء وهو يعمل وما يزال منذ أكثر من عقدين “كابتن طيار” في احدى شركات طيران دول الخليج العربي ومن خلال العلاقات المهنية داخل الطاقم الجوي وهو عنصرًا بالغ الحساسية، نظرًا لطبيعة البيئة التشغيلية المغلقة التي يعمل فيها أفراد الطاقم، وما يرافقها من ضغوط نفسية، وإرهاق، وتوترات قد تتفاقم بفعل أي سوء فهم أو احتكاك شخصي. وفي هذا السياق تبرز حالة ذات طابع اجتماعي–سلوكي مفادها أن الخلافات داخل قمرة القيادة قد لا تكون دائمًا مرتبطة بعوامل تشغيلية أو مهنية مباشرة، بل قد تتداخل معها عناصر شخصية أو اجتماعية غير مُعلنة، بما في ذلك طبيعة العلاقة بين أفراد الطاقم أو طريقة تعاملهم مع المضيفات والمضيفين أثناء الرحلة , ففي بعض بيئات العمل، قد ينشأ توتر مهني نتيجة تعليق غير لائق أو سلوك غير مهذب تجاه أحد أفراد الضيافة الجوية النسوية ، وهو ما قد يثير حساسية لدى أحد الطيارين، خصوصًا إذا كان يرتبط بعلاقة شخصية — غير معلنة — مع ذلك الفرد، سواء كانت علاقة عاطفية حميمية أو اجتماعية خارج إطار العمل. مثل هذه العلاقات، إذا وُجدت، قد تتحول إلى مصدر ضغط إضافي داخل الطاقم، لأنها تُنشئ حالة من تضارب المصالح، أو الغيرة المهنية، أو الحساسية المفرطة تجاه أي إساءة تُوجَّه للطرف الآخر وفي بعض الحالات، قد تستغل العلاقات غير الرسمية — خصوصًا إذا كانت خارج إطار الزواج أو غير معروفة للإدارة — كوسيلة للضغط أو الابتزاز أو للحصول على امتيازات وظيفية، وهو ما يُعدّ خللًا خطيرًا في بيئة العمل، ويُفاقم احتمالات نشوء صراعات داخلية. فالعلاقة الحميمة غير المُعلنة بين افراد الطاقم قد تمنح أحد الأطراف شعورًا بالقوة أو النفوذ، أو قد تُستخدم كورقة ضغط في سياقات الترفيع الوظيفي أو توزيع المهام، مما يخلق بيئة غير مستقرة نفسيًا داخل الطاقم وهي جزء من تحليل سلوكي–اجتماعي ضروري رأينا ان نتطرق اليه ضمن السياق لفهم الديناميكيات المعقدة داخل الطواقم الجوية، خصوصًا في الحوادث التي تتضمن عراكًا أو خلافًا غير مفسّر داخل قمرة القيادة. فالعلاقات الشخصية، إذا لم تُدار ضمن إطار مهني واضح، قد تتحول إلى عامل مؤثر في السلوك اللحظي، وتُسهم في تصعيد التوترات التي كان يمكن احتواؤها بسهولة لو كانت البيئة المهنية أكثر انضباطًا وشفافية وحتى ان بعض الطيارين الأجانب العاملين في شركات الطيران الحكومية أو الأهلية لديهم ميول جنسية مثلية ولكن مثل هذه المواضيع يتم التغاضي عنها لأسباب عديدة … هذه الحادثة التي وقعت اضطر احد الطيارين مرغمآ إن يتنازل عن منصبه الوظيفي بقيادة الطائرة وبقي في وظيفة مساعد لأكثر من سنتين لأنه كان يرتبط بعلاقة حميمية مع احد المضيفات خارج إطار الزواج مما استغلها احد الطيارين ومن خلال علاقته الشخصية بأحد كوادر الإدارة لشركة الطيران التي يعمل بها والغرض ان يترفع وظيفيا ليكون كابتن طائرة بدلا من الاخر والذي كان أحق بهذه الدرجة الوظيفية من “الطيار المبتز” نظرآ لخبرته الطويلة المهنية واستحقاقه من خلال تدرجه الوظيفي؟.
تُظهر بعض الحوادث الجوية، وكذلك الشهادات المهنية التي استعنة الحصول عليها من بعض أطقم الطيران والضيافة في قطاع الطيران، أن العلاقات الشخصية داخل الطواقم ما تزال — في بعض البيئات التشغيلية — تتداخل مع إجراءات السلامة والأمان، أو تؤثر على صرامة تطبيقها. فالعلاقات غير الرسمية، سواء كانت عاطفية أو اجتماعية أو قائمة على مصالح شخصية، قد تتحول إلى عامل ضغط داخل الطاقم، وتؤدي إلى تساهل غير مقصود في بعض البروتوكولات، أو إلى تغليب الاعتبارات الشخصية على متطلبات الانضباط المهني. وتشير تقارير مهنية في قطاع الطيران إلى أن بعض السلوكيات الخطرة ما تزال تُسجَّل في بيئات معينة، مثل تعاطي الكحول قبل الرحلات أو استخدام مواد مخدرة خفيفة، وهي ممارسات تُعدّ انتهاكًا صارخًا لقواعد السلامة الجوية، و لا يمكن إنكار وجودها تاريخيًا في بعض الشركات حول العالم. وتزداد خطورة هذه السلوكيات عندما تتداخل مع علاقات شخصية داخل الطاقم، إذ قد تؤدي إلى التغاضي المتبادل أو التستر أو التهاون في الإبلاغ، مما يخلق فجوة خطيرة في منظومة الأمن الجوي.
إن هذه الظواهر، وإن كانت لا تمثل القاعدة العامة، إلا أنها تكشف عن تحدٍّ بنيوي في بعض بيئات الطيران، يتمثل في أن العلاقات الشخصية قد تتغلب — أحيانًا — على الإجراءات الرسمية، وأن الانضباط السلوكي لا يقل أهمية عن الانضباط التقني. ولذلك، فإن أي مراجعة شاملة لبروتوكولات السلامة يجب أن تتضمن تقييمًا دقيقًا للعوامل النفسية والسلوكية داخل الطاقم، إلى جانب تعزيز آليات الرقابة، والفحص الطبي الدوري الصارم، وتطبيق سياسات عدم التسامح مطلقًا مع أي سلوك يهدد سلامة الرحلة، بغضّ النظر عن مكانة الفرد الوظيفية أو علاقاته داخل الشركة.
من بين الفرضيات المحتملة التي يمكن طرحها على بساط التحليل الاستقصائي، تبرز فرضية ذات طابع استخباراتي–نفسي مفادها احتمال أن تكون أجهزة استخبارات الحرس الثوري الإيراني قد تمكنت من الوصول إلى مساعد الطيار العُماني عبر ثغرات في تركيبته الشخصية، وليس عبر تجنيد تقليدي مباشر بالمعنى الكلاسيكي للعمل الاستخباري. فالمتابعة الدقيقة لما يكتبه الأفراد على صفحاتهم الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي، ولا سيما في سياقات الحروب والأزمات، تُعد اليوم أحد أهم مصادر قراءة المزاج النفسي، ومستوى التعاطف، وحدّة الانفعال السياسي والإنساني لديهم.
في هذا الإطار، يمكن افتراض أن ما عبّر عنه مساعد الطيار — إن صحّت هذه المعطيات — من تعاطف إنساني غير محدود مع ما جرى من أهوال وفضائع في قطاع غزة، وما تزال مستمرة حتى لحظة كتابة هذه السطور، من صور الأطفال القتلى والمشوّهين، والدمار الواسع، قد شكّل أرضية نفسية خصبة يمكن أن تُستغل من قبل أجهزة استخبارات تمتلك خبرة في توظيف المشاعر الإنسانية في سياقات سياسية وأمنية. فالتعاطف الإنساني الصادق، إذا لم يُحط بإطار وعي مهني وقانوني واضح، قد يتحول — في بعض الحالات — إلى نقطة ضعف يمكن النفاذ منها، سواء عبر الخطاب العاطفي، أو عبر العلاقات الشخصية التي قد تمتد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى دوائر ذات صلة بأجهزة استخباراتية.
ومع ذلك، تبقى هذه الفرضية في إطار التحليل النظري، ولا يمكن التعامل معها كحقيقة دون وجود أدلة مادية أو اعترافات أو قرائن قوية تدعمها. ولهذا، فإن العنصر الحاسم في تقييم أي فرضية من هذا النوع هو نتائج التحقيق الرسمي مع كلٍّ من كابتن الطائرة الهندي ومساعده العُماني، على أن يتم هذا التحقيق وفق أعلى درجات الشفافية، والنزاهة، والحياد، بعيدًا عن أي توظيف سياسي أو إعلامي.
إن مثل هذه الأفعال، إذا ثبت وجودها، لا يمكن أن تُترك لتقديرات صحفية أو انطباعات أولية، بل يجب أن يتولاها خبراء في القانون الجنائي، ومحققون محترفون، إلى جانب أخصائيين في الطب النفسي والعقلي، مع إجراء مراجعة مفصلة للسيرة الذاتية لكل من الكابتن والمساعد، منذ لحظة دخولهم عالم الطيران، مرورًا بالشركات التي عملوا فيها سابقًا، وصولًا إلى يوم الحادثة. كما ينبغي أن يشمل التحقيق طاقم الطائرة كاملًا، وزملاءهم في العمل، مع فحص دقيق للملفات والسير الذاتية الموجودة لدى شركة فلاي دبي، بهدف تكوين صورة شاملة عن البيئة المهنية، والعلاقات الداخلية، وأي مؤشرات سلوكية أو نفسية قد تكون ذات صلة بما جرى.
بهذا المعنى، لا تُطرح فرضية الاختراق الاستخباري بوصفها اتهامًا جاهزًا، بل كاحتمال يجب أن يُفحص علميًا وقانونيًا، ضمن منظومة تحقيق متكاملة تجمع بين البعد الجنائي، والبعد النفسي، والبعد المهني، بعيدًا عن التسرّع الإعلامي أو الأحكام المسبقة.
تُظهر التغطية الإعلامية لحادثة فلاي دبي حالة من الارتباك الواضح، إذ ما تزال معظم وسائل الإعلام تنشر روايات متباينة ومتناقضة حول ما جرى داخل قمرة القيادة، بينما تتباين تصريحات المسؤولين العُمانيين والإماراتيين والإسرائيليين والأمريكيين على حدٍّ سواء، دون أن يمتلك أي طرف رواية مكتملة أو نتائج تحقيق نهائية يمكن الاستناد إليها. هذا التضارب في السرديات يعكس غياب المعلومات الدقيقة، ويؤكد أن الحقيقة ما تزال في طور التشكل، وأن أي قراءة نهائية للحادثة قبل اكتمال التحقيق تبقى مجرد تأويلات أو اجتهادات إعلامية.
ومن هنا، يصبح من الضروري التأكيد على أن نتائج التحقيق الرسمي يجب أن تُقدَّم بأعلى درجات الشفافية والنزاهة والحياد، وأن تُدار وفق منهجية مهنية صارمة لا تسمح بتسييس الحادثة أو توظيفها في سياقات أمنية أو إعلامية مسبقة. فالقضية لا ينبغي أن تُختزل في ثنائية “شياطين وملائكة”، ولا أن تُقرأ عبر الانطباعات أو المواقف السياسية، بل يجب أن تُفهم ضمن إطار الحقائق الفنية والسلوكية والقانونية التي يكشفها التحقيق وحده.
إن التعامل مع حادثة بهذا التعقيد يتطلب أن تكون المهنية الحادة هي معيار الحكم، وأن تُترك مساحة كاملة للخبراء في الطيران، والتحقيق الجنائي، والطب النفسي، لتحليل ما جرى بعيدًا عن الضجيج الإعلامي. فالحقيقة لا تُصنع عبر التصريحات المتسرعة، بل عبر تحقيق محايد، دقيق، وشامل، يضع كل التفاصيل في سياقها الصحيح، ويُعيد بناء ما حدث داخل قمرة القيادة لحظة بلحظة، دون أي تأثير سياسي أو إعلامي. وبهذا النهج وحده يمكن الوصول إلى رواية موثوقة، تُنهي حالة التضارب، وتضع الحادثة في إطارها المهني الحقيقي، بعيدًا عن أي توظيف أو استغلال للسرديات قبل اكتمال الحقائق.
وفي ختام هذا التحقيق الصحفي الاستقصائي لا بد لنا ان توقف قليلا من خلال وحيث تُظهر التغطية الإعلامية الأولية لحادثة فلاي دبي مفارقة وسخرية لافتة تستحق التوقف عندها، إذ تحوّلت الحادثة — رغم أن التحقيقات ما تزال جارية وفي مراحلها الأولى — إلى قضية ذات طابع أمني وسياسي في الخطاب الإسرائيلي الإعلامي الحكومي وحتى القنوات التلفزة الإخبارية اليمينية المتطرفة ، حيث جرى تقديمها سريعًا بوصفها “محاولة إرهابية” أو “عملية اختطاف”، دون انتظار نتائج التحقيق الرسمي أو الاستماع إلى رواية مساعد الطيار العُماني الذي يخضع للعلاج الطبي. هذا التحوّل المبكر في السرد الإعلامي يعكس نمطًا معروفًا في بعض البيئات السياسية والإعلامية، حيث يُعاد تأطير الحوادث التي يكون أحد أطرافها عربيًا ضمن إطار أمني أو إرهابي، حتى قبل توفر أي أدلة أو معطيات مهنية.
وتزداد المفارقة المضحكة الهزلية وضوحًا عند مقارنة هذا الخطاب بحوادث مشابهة وقعت في شركات طيران أوروبية أو غربية، حيث يُفسَّر السلوك غير المنضبط للطيار أو المساعد غالبًا ضمن إطار الاضطرابات النفسية أو الضغط المهني أو الإرهاق المزمن، ويُقدَّم المتورط — إذا كان من جنسية أوروبية — بوصفه شخصًا يعاني من “تدهور نفسي” أو “انهيار عاطفي”، لا بوصفه صاحب نية إرهابية. هذا التباين في التأطير الإعلامي يعكس تحيّزًا بنيويًا في طريقة قراءة الحوادث، حيث يُحمَّل المواطن العربي — في كثير من الخطابات اليمينية المتطرفة — مسؤولية نوايا لم تثبت، ويُعامل بوصفه “متهمًا مع سبق الإصرار والترصد”، حتى قبل أن تتضح الحقائق.
إن هذه المفارقة لا تتعلق بحادثة فلاي دبي وحدها، بل تمثل نمطًا أوسع في صناعة السرديات الإعلامية عندما يكون أحد أطراف الحدث عربيًا، إذ يُستدعى خطاب الأمن والإرهاب بسرعة، بينما تُستبعد التفسيرات المهنية أو النفسية التي تُستخدم عادة في حوادث مشابهة في السياق الغربي. ومن هنا تأتي أهمية القراءة النقدية خارج السرد الإعلامي، والاعتماد على التحقيقات الرسمية والبيانات المهنية، بدل الانجرار وراء تأطيرات مسبقة قد تُضلل الرأي العام وتشوّه فهم الحادثة قبل اكتمال الحقائق والخلاصة تكون عندما يكون المتورط عربيًا… تُصنع السردية قبل الحقيقة وحادثة شركة ” فلاي دبي ” تكشف نمطًا إعلاميًا متكررًا: ” إذا كان المتورط عربيًا، تُبنى سردية الإرهاب قبل ظهور الحقائق. وإذا كان المتورط أوروبيًا، تُبنى سردية المرض النفسي قبل ظهور الحقائق ” وهذا التحيّز ليس مجرد تفصيل إعلامي، بل هو جزء من صناعة السرديات اليمينية المتطرفة وترسيخها لدى الراي العام وفي العقل الجمعي في الحوادث الجوية أو غيرها من الحوادث ، ولذا يجب علينا أن نفككه نقديًا لضمان أن تبقى التحقيقات المهنية النزيهة والشفافة هي المرجع الوحيد لفهم ما حدث بالضبط من دون زيادة أو نقصان .
يُظهر التحقيق الصحفي الاستقصائي الموسّع الذي أجريناه أن حوادث الطيران — سواء تلك التي وقعت بالفعل أو التي قد تقع مستقبلًا — تكشف عن حاجة ملحّة لإعادة النظر في منظومة الضبط الوظيفي داخل شركات الطيران، الرسمية منها والأهلية على حدٍّ سواء. فالتعامل التقليدي الذي ينتظر وقوع الحادثة ثم يبدأ باتخاذ الإجراءات، لم يعد كافيًا في بيئة تشغيلية معقّدة تتداخل فيها العوامل النفسية والسلوكية والمهنية داخل الطاقم الجوي.
إن ما توصّلنا إليه من خلال تحليل السيناريوهات والفرضيات المختلفة يشير بوضوح إلى أن النهج الوقائي الاستباقي يجب أن يكون الركيزة الأساسية في سياسات السلامة الجوية، بحيث لا تُترك الأمور للصدفة أو للظروف الطارئة. فشركات الطيران مطالبة اليوم بأن تمتلك القدرة على رصد المؤشرات المبكرة لأي سلوك غير مهني، أو توتر داخلي، أو علاقة شخصية قد تؤثر على الانضباط، وأن تعمل على وأد هذه المخاطر في مهدها قبل أن تتطور إلى حادثة تشغيلية أو أمنية.
ويقتضي هذا النهج أن تعتمد الشركات أعلى درجات الضبط الوظيفي لجميع أفراد الطاقم، وأن تُفعّل آليات مراقبة وتقييم مستمرة تشمل:
- الفحص الطبي والنفسي الدوري الصارم
- مراجعة السلوك المهني داخل الطاقم
- تقييم العلاقات الداخلية وتأثيرها على الانضباط
- مراقبة الأداء أثناء الرحلات
- تدريب الطواقم على إدارة الصراع والضغط
- تطبيق سياسات عدم التسامح مع أي سلوك يهدد السلامة العامة لركاب الطائرة
إن الهدف ليس انتظار وقوع الحادثة ثم التعامل مع آثارها، بل منعها قبل أن تبدأ، عبر بناء منظومة استباقية قادرة على اكتشاف الثغرات السلوكية والمهنية مبكرًا، ومعالجتها وفق معايير مهنية دقيقة. فالأمن الجوي الحقيقي لا يتحقق عبر ردود الفعل، بل عبر القدرة على التنبّه للمخاطر قبل أن تتجسد، والتعامل معها بصرامة واحترافية، بما يضمن أن تبقى قمرة القيادة بيئة آمنة ومستقرة، بعيدة عن أي توتر أو خلل قد يهدد سلامة الركاب والطائرة.
تنويه منهجي:
يعتمد هذا التحقيق الصحفي الاستقصائي في بعض من جوانبه على مجموعة من الشهادات الواقعية التي وردت من أفراد عملوا في بيئات تشغيلية مختلفة ضمن شركات طيران حكومية وأهلية. وقد جرى توظيف مثل هذه الشهادات وضمن السياق بوصفها مادة وصفية تساعد في فهم الديناميكيات الاجتماعية والسلوكية داخل الطواقم الجوية وإن الهدف من إدراج هذه الشهادات هو إضاءة الجوانب الإنسانية والمهنية التي قد لا تظهر في السرد الإعلامي التقليدي، وإبراز التحديات النفسية والاجتماعية التي تواجه العاملين في قطاع الطيران، مع الالتزام الكامل بالمعايير الأكاديمية في التحليل، واحترام خصوصية الأفراد، وعدم نسب أي واقعة إلى شركة أو جنسية بعينها. وتأتي هذه المعالجة من قبلنا في إطار بحثي يهدف إلى فهم أعمق للبيئة التشغيلية للطواقم الجوية، وبما ينسجم مع أخلاقيات البحث العلمي ومعايير الكتابة المهنية في الدراسات الأكاديمية الأمنية والصحافة الاستقصائية … لذا اقتضى التنويه من قبلنا .
(1) ما الذي جرى في الرحلة من دبي إلى تل أبيب؟ حسب وسائل الاعلام : في يوم الأربعاء 30 أيلول 2026، أقلعت رحلة “فلاي دبي” رقم FZ1073 بطائرة “بوينغ 737 ماكس 8” من مطار دبي الدولي عند الساعة 07:05 بتوقيت دبي، متجهة إلى مطار بن غوريون في تل أبيب، وعلى متنها أكثر من 170 راكبًا، معظمهم من الإسرائيليين، إضافة إلى طاقم الطائرة وبعد حوالي ساعتين ونصف من الإقلاع، بدأت الطائرة تبث رمز الطوارئ 7700 (حالة طوارئ عامة)، ثم تحوّل الرمز إلى 7500 (تدخل غير مشروع/اشتباه في خطف)، قبل أن تعود إلى رمز الطوارئ العام، في مشهد يعكس حالة فوضى حقيقية في قمرة القيادة ؟ وما يزال الامر مبهم وتضارب في التصريحات الاعلامية لحين اكتمال التحقيق النهائي من قبل السلطات السعودية والإماراتية ؟
تنويه منهجي:
يعتمد هذا التحقيق الصحفي الاستقصائي في بعض من جوانبه على مجموعة من الشهادات الواقعية التي وردت من أفراد عملوا في بيئات تشغيلية مختلفة ضمن شركات طيران حكومية وأهلية. وقد جرى توظيف مثل هذه الشهادات وضمن السياق بوصفها مادة وصفية تساعد في فهم الديناميكيات الاجتماعية والسلوكية داخل الطواقم الجوية وإن الهدف من إدراج هذه الشهادات هو إضاءة الجوانب الإنسانية والمهنية التي قد لا تظهر في السرد الإعلامي التقليدي، وإبراز التحديات النفسية والاجتماعية التي تواجه العاملين في قطاع الطيران، مع الالتزام الكامل بالمعايير الأكاديمية في التحليل، واحترام خصوصية الأفراد، وعدم نسب أي واقعة إلى شركة أو جنسية بعينها. وتأتي هذه المعالجة من قبلنا في إطار بحثي يهدف إلى فهم أعمق للبيئة التشغيلية للطواقم الجوية، وبما ينسجم مع أخلاقيات البحث العلمي ومعايير الكتابة المهنية في الدراسات الأكاديمية الأمنية والصحافة الاستقصائية … لذا اقتضى التنويه من قبلنا .
(1) ما الذي جرى في الرحلة من دبي إلى تل أبيب؟ حسب وسائل الاعلام : في يوم الأربعاء 30 أيلول 2026، أقلعت رحلة “فلاي دبي” رقم FZ1073 بطائرة “بوينغ 737 ماكس 8” من مطار دبي الدولي عند الساعة 07:05 بتوقيت دبي، متجهة إلى مطار بن غوريون في تل أبيب، وعلى متنها أكثر من 170 راكبًا، معظمهم من الإسرائيليين، إضافة إلى طاقم الطائرة وبعد حوالي ساعتين ونصف من الإقلاع، بدأت الطائرة تبث رمز الطوارئ 7700 (حالة طوارئ عامة)، ثم تحوّل الرمز إلى 7500 (تدخل غير مشروع/اشتباه في خطف)، قبل أن تعود إلى رمز الطوارئ العام، في مشهد يعكس حالة فوضى حقيقية في قمرة القيادة ؟ وما يزال الامر مبهم وتضارب في التصريحات الاعلامية لحين اكتمال التحقيق النهائي من قبل السلطات السعودية والإماراتية ؟
1


