
رياض سعد
حين تتحول الرغبات إلى مركز للحياة
ثمة أشخاص يعيشون حياتهم وكأنهم يدورون في فلك ثلاث رغبات أساسية: المال، والجنس، والانجذاب الجسدي إلى الجمال الجسدي فحسب ، بينما تتحول أحلام اليقظة إلى مساحات افتراضية يعيدون فيها إنتاج هذه الرغبات، ويستحضرون صور المتعة والإشباع، ويعيشون تجارب متخيلة قد تكون أكثر حضوراً في عالمهم الداخلي من الوقائع والأحداث التي يختبرونها في حياتهم اليومية.
وقد تستمر هذه الحالة سنوات طويلة، بل ربما تمتد إلى معظم مراحل العمر، بحيث تبدو الرغبات وكأنها مكونات راسخة في البنية النفسية للشخص، لا مجرد نزوات عابرة أو اهتمامات مؤقتة… ؛ وهنا يبرز سؤال جوهري: هل نحن أمام إنسان يمتلك ميولاً حسية قوية، أم أمام ذات أصبحت أسيرة رغباتها، عاجزة عن تجاوز حدود اللذة الآنية إلى آفاق أوسع من الوعي والمعنى؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي الابتعاد عن الأحكام الأخلاقية الجاهزة، والنظر إلى الظاهرة من خلال علم النفس والاجتماع والفلسفة والوجودية، باعتبارها قضية تتصل بطبيعة الرغبة، وعلاقة الإنسان بجسده، ومفهوم الحرية، وحدود الإشباع، وطبيعة الحياة التي يختار أن يعيشها.
أولاً: سيكولوجيا الرغبة والبحث المستمر عن المكافأة
ينظر علم النفس إلى الرغبة بوصفها قوة دافعة للسلوك، ترتبط بالاحتياجات البيولوجية والانفعالات والتجارب السابقة وآليات التعلم… , ولا تمثل الرغبة الجنسية أو حب المال أو الميل إلى الاستمتاع بالإنفاق في حد ذاتها ظواهر مرضية، فهذه كلها قد تكون تعبيرات طبيعية عن اختلاف الطبائع والأولويات الشخصية.
لكن المسألة تتخذ منحى آخر عندما تصبح هذه الرغبات مهيمنة على التفكير، وتستحوذ على جانب كبير من الاهتمام النفسي، وتؤثر في القرارات والعلاقات والأهداف الحياتية.
1. المال بين الحاجة والمتعة والاستهلاك
قد يحب الإنسان المال لأنه يوفر الأمان والاستقلال ويمنحه القدرة على مواجهة تقلبات الحياة، وقد يحبه آخر باعتباره وسيلة للإنفاق والاستمتاع واكتساب التجارب.
وفي الحالة الثانية، لا تكون قيمة المال مرتبطة بما يراكمه الشخص من ثروة أو مدخرات، بل بما يستطيع تحويله إلى متعة مباشرة… ؛ فكلما امتلك المال، اتسعت أمامه إمكانات الاستهلاك والإنفاق وتحقيق الرغبات.
ومن منظور علم النفس السلوكي، يمكن تفسير ذلك بمبدأ التعزيز الإيجابي؛ إذ يؤدي السلوك الذي يحقق مكافأة ممتعة إلى زيادة احتمال تكراره… , وقد يصبح الإنفاق، لدى بعض الأشخاص، وسيلة لتنظيم المزاج أو التخلص من الملل أو الشعور بالضيق.
وهنا تظهر المفارقة: المال الذي يُفترض أن يكون وسيلة لتحقيق الأهداف قد يتحول إلى أداة لتغذية رغبات لا تنتهي، فيصبح الشخص منشغلاً بالحصول عليه لكي ينفقه، ثم يعود إلى البحث عنه من جديد.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين حب الإنفاق بوصفه أسلوب حياة وبين الإنفاق الاندفاعي الذي يسبب الديون أو الأزمات أو فقدان السيطرة.
2. الجنس بين الغريزة والاندفاع
الجنس أحد المكونات الأساسية للطبيعة البشرية، لكنه لا يقتصر على الوظيفة البيولوجية، بل يرتبط أيضاً بالحميمية والانجذاب والهوية والمتعة والتجارب العاطفية.
وقد تكون الرغبة الجنسية لدى بعض الأشخاص مرتفعة، ويحتل التفكير في الجنس حيزاً واسعاً من حياتهم الذهنية… , ولا يعني ذلك بالضرورة وجود اضطراب أو نقص في النضج النفسي.
لكن عندما تصبح الأفكار الجنسية متكررة بصورة يصعب التحكم بها، أو تتحول الممارسة إلى وسيلة شبه وحيدة للتعامل مع القلق أو الفراغ أو الضيق، فقد نكون أمام نمط يحتاج إلى فهم أعمق.
وفي بعض الحالات، يتكون مسار سلوكي دائري: إثارة أو رغبة، ثم تخيل، ثم ممارسة أو بحث عن الإشباع، ثم راحة أو متعة مؤقتة، يتبعها تجدد الرغبة… , وإذا تكرر هذا المسار بصورة تؤثر سلباً في الحياة، فقد يستدعي تقييماً سريرياً لاحتمال وجود سلوك جنسي قهري.
وهنا يكمن الفارق بين امتلاك الرغبة والخضوع القهري لها… ؛ فالمعيار ليس شدة الشهوة وحدها، بل مقدار السيطرة، والضرر، وتأثير السلوك في بقية جوانب الحياة.
3. الانجذاب إلى النساء والصبايا و الشباب والمراهقين: التمييز بين الميول والحدود
تتطلب مسألة الانجذاب إلى النساء الجميلات و الشباب الوسيمين والمراهقين تمييزاً دقيقاً بين فئات عمرية مختلفة، وبين الانجذاب والتخيل والسلوك الفعلي.
فالانجذاب إلى الرجال الشباب البالغين قد يكون جزءاً من التوجه أو التفضيلات الجنسية للفرد، ولا يشكل بحد ذاته اضطراباً نفسياً حسب نتائج بعض الآراء النفسية المعاصرة .
أما الانجذاب الجنسي إلى المراهقين دون سن الرشد، فيثير مسائل سريرية وأخلاقية وقانونية خاصة… ؛ ولا يكفي وجود خيال عابر لتشخيص اضطراب نفسي، لكن الانشغال الجنسي المستمر بالقاصرين، أو وجود رغبة في استغلالهم جنسياً، يستدعي التعامل الجاد وطلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة.
ولا يجوز اختزال هذه المسألة في مفاهيم الطاقة أو الرغبة أو الحرية الفردية؛ لأن حماية القاصرين من الاستغلال والاعتداء تمثل ضرورة أخلاقية وقانونية أساسية.
ثانياً: أحلام اليقظة بوصفها حياة موازية
من أكثر جوانب الظاهرة إثارة للاهتمام أن الرغبات لا تقتصر على السلوك الواقعي، بل تمتد إلى عالم الخيال، حيث يعيش الإنسان تجارب متخيلة تتكرر وتتشكل وفقاً لما يرغب فيه.
إن أحلام اليقظة ظاهرة نفسية طبيعية، وقد تؤدي وظائف إبداعية أو تعويضية أو تنظيمية… ؛ لكن كثافتها ومحتواها وطبيعة تأثيرها هي التي تحدد ما إذا كانت مجرد نشاط ذهني عادي أم نمطاً يثير القلق.
عندما تتمحور أحلام اليقظة باستمرار حول المال والإنفاق والجنس والانجذاب الجسدي، فقد تكون انعكاساً للأولويات النفسية للشخص، أو وسيلة لاستحضار مشاعر المتعة التي يفتقدها أو يتطلع إليها.
وقد يصبح الخيال نفسه مصدراً للمكافأة؛ إذ يستطيع الإنسان أن يعيش في ذهنه تجربة مرغوبة، وأن يستمتع بتوقعها أو تصورها، حتى قبل حدوثها في الواقع.
ومن هنا تنشأ مفارقة وجودية: قد يشعر الإنسان بأنه يعيش تجارب كثيرة، بينما هو في الحقيقة يعيد إنتاج مجموعة محدودة من السيناريوهات المتخيلة.
وإذا استغرقت هذه الأحلام وقتاً طويلاً، وعطلت العمل والعلاقات والنوم أو الأنشطة اليومية، فقد تشبه ما تصفه الأبحاث بمفهوم أحلام اليقظة المفرطة، وهو مفهوم بحثي لا يزال قيد الدراسة، وليس تشخيصاً مستقلاً معتمداً في التصنيفات النفسية الأساسية.
إن المشكلة ليست في الخيال ذاته، بل في احتمال أن يتحول إلى بديل دائم عن المشاركة الفعلية في الحياة.
ثالثاً: القراءة الاجتماعية — المجتمع وصناعة الرغبات
لا تتشكل رغبات الإنسان بمعزل عن محيطه الاجتماعي والثقافي… ؛ فالمجتمع لا يحدد فقط ما يعتبره مرغوباً أو مقبولاً، بل يؤثر أيضاً في كيفية التعبير عن الرغبات، وفي الصور التي يربطها الإنسان بالنجاح والمتعة والجمال والمكانة.
1. الاستهلاك بوصفه ثقافة اجتماعية
في المجتمعات الاستهلاكية، لا يعود المال مجرد وسيلة لتلبية الحاجات، بل يصبح رمزاً للمكانة والقدرة والحرية والتميز.
وتؤدي الإعلانات ووسائل التواصل الاجتماعي والثقافة التجارية دوراً في ربط السعادة بامتلاك الأشياء وتجربة الخدمات والأنشطة الممتعة.
وفي هذا السياق، قد يتبنى بعض الأشخاص تصوراً للحياة يقوم على الاستمتاع المستمر، ويعتبرون الإنفاق وسيلة لإثبات الذات أو الشعور بالتحرر من القيود.
لكن هذا النمط لا يفسر كل الحالات؛ فهناك فروق فردية وتاريخية وثقافية واسعة، ولا يمكن رد التعلق بالمال والإنفاق إلى تأثير المجتمع الاستهلاكي وحده.
2. الجنس وصناعة الصورة الجسدية
تؤدي الثقافة الاجتماعية دوراً مهماً في تشكيل معايير الجمال والجاذبية… ؛ فصور النساء والشباب والوسامة واللياقة الجسدية قد تحظى بمكانة بارزة في بعض البيئات والثقافات الإعلامية.
وقد يسهم التعرض المستمر لهذه الصور في زيادة الاهتمام بالمظهر الجسدي، أو في تكوين توقعات معينة بشأن الجاذبية والعلاقات.
لكن لا يمكن تفسير الانجذاب الجنسي إلى فئة عمرية معينة بعامل اجتماعي واحد، كما لا يصح افتراض أن المجتمع هو الذي صنع كل ميول الفرد أو أن هذه الميول ستتغير تلقائياً بتغيير البيئة.
والأهم اجتماعياً وأخلاقياً هو التمييز بين التفضيلات الشخصية التي تحترم استقلال الآخرين وحقوقهم، وبين السلوكيات التي تنتهك الحدود أو تستغل تفاوت العمر والقوة والخبرة.
3. العزلة الاجتماعية والانسحاب إلى العالم الداخلي
قد يؤدي ضعف العلاقات الإنسانية المشبعة، أو غياب الأنشطة ذات المعنى، أو الشعور بالاغتراب إلى زيادة الاعتماد على الخيال بوصفه مساحة خاصة لا تتطلب مواجهة الآخرين أو تحمل مسؤوليات العلاقات الواقعية.
لكن ينبغي الحذر من اعتبار العزلة سبباً مؤكداً لهذه الظاهرة؛ فقد يعيش بعض الأشخاص حياة اجتماعية نشطة، ومع ذلك تظل لديهم رغبات قوية وأحلام يقظة متكررة.
إن القراءة الاجتماعية الأعمق تقتضي دراسة علاقة الشخص بمحيطه، ونوعية علاقاته، وفرصه في التعبير عن ذاته، ومقدار ما توفره له الحياة من انتماء ومشاركة واعتراف.
رابعاً: الرغبة في الفلسفة — من إشباع الحاجة إلى عبودية اللذة
لطالما شغلت الرغبة الفلاسفة؛ لأنها تكشف جانباً أساسياً من طبيعة الإنسان، وتطرح سؤالاً حول العلاقة بين اللذة والسعادة، وبين الحرية والسيطرة، وبين الحاجة والاختيار.
1. أبيقور والتمييز بين اللذات
لم يدعُ أبيقور إلى الانغماس غير المحدود في الملذات، كما يُساء فهم فلسفته أحياناً… ؛ بل ميّز بين الرغبات الطبيعية والضرورية، والرغبات الطبيعية غير الضرورية، والرغبات التي لا تستند إلى حاجة طبيعية واضحة وقد لا تعرف حدوداً.
وفي هذا الإطار، يمكن فهم التعلق المستمر بالإنفاق والمتعة الجنسية باعتباره مناسبة للتساؤل عن طبيعة الرغبة وحدودها.
فليست كل لذة تؤدي إلى السعادة، وليست كل رغبة ينبغي إشباعها فوراً… , وقد تؤدي بعض اللذات إلى آلام لاحقة، في حين يتطلب تحقيق الطمأنينة أحياناً التخلي عن متعة عابرة.
والسؤال الذي تطرحه هذه الفلسفة هو: هل يحقق الإنسان السعادة بمجرد مضاعفة اللذات، أم من خلال امتلاك القدرة على اختيار اللذات التي لا تفسد توازنه؟
2. أفلاطون وصراع قوى النفس
في تصوره للنفس، استخدم أفلاطون صورة العربة التي يقودها سائق وتمثلها قوتان مختلفتان، في إشارة إلى التوتر بين العقل والرغبات والانفعالات.
ويمكن الاستفادة من هذه الصورة لفهم الحالة التي تستحوذ فيها الرغبات على الاهتمام، بحيث تصبح القرارات اليومية مرتبطة إلى حد كبير بما يوفر المتعة المباشرة.
لكن هذا التصور الفلسفي لا ينبغي تحويله إلى حكم بأن الجسد شر أو أن الرغبة عيب أخلاقي… ؛ فالمسألة هي كيفية تحقيق الانسجام بين مكونات الشخصية، بحيث لا تتحول الرغبات إلى قوة تلغي بقية إمكانات الإنسان.
3. شوبنهاور وإرادة لا تشبع
يرى شوبنهاور أن الإرادة العمياء تمثل قوة أساسية في الوجود، وأن الإنسان يتأرجح بين المعاناة الناجمة عن الرغبة والملل الذي قد يلي إشباعها.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة التكرار المستمر للرغبات بوصفه دائرة لا تنتهي: يسعى الإنسان إلى شيء، ثم يحققه أو يتخيله، ثم تتراجع لذة التحقق، فيعود إلى البحث عن رغبة جديدة.
وتتضح هذه الفكرة في حالة الشخص الذي يجعل المال وسيلة دائمة للإنفاق، والجنس مصدراً متكرراً للمتعة، والخيال مساحة لاستحضار تجارب الإشباع.
غير أن فلسفة شوبنهاور تمثل تفسيراً ميتافيزيقياً وتشاؤمياً للوجود، وليست نظرية نفسية تجريبية تفسر بالضرورة دوافع كل شخص.
خامساً: المنظور الوجودي — هل يعيش الإنسان حياته أم يعيش رغباته؟
تنتقل الوجودية من سؤال ماهية الرغبة إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف يختار الإنسان أن يعيش وجوده؟ وما الذي يمنح حياته معناها؟ وهل يستطيع أن يكون حراً في ظل دوافعه وظروفه؟
1. الحرية والمسؤولية عند سارتر
يربط جان بول سارتر الوجود الإنساني بالحرية والمسؤولية؛ فالإنسان لا يكتفي بأن يكون نتاجاً لظروفه، بل يسهم من خلال اختياراته في تشكيل وجوده.
وفي ضوء هذا التصور، لا تكمن المسألة في امتلاك الرغبات، وإنما في العلاقة التي يقيمها الإنسان معها.
فقد يكون الشخص شديد الميل إلى المتعة، لكنه يدرك طبيعة رغباته ويختار حدوداً واضحة لسلوكه، ويمنح حياته مجالات أخرى من النشاط والمعنى.
وفي المقابل، قد يتحول إلى أسير نمط متكرر، يتعامل معه كما لو كان قدراً لا يمكن مراجعته، متخلياً عن التفكير في البدائل والمسؤوليات.
وهنا يبرز مفهوم سوء النية عند سارتر، الذي يشير إلى أشكال من خداع الذات والتهرب من مواجهة الحرية والمسؤولية… , ويمكن استلهام هذا المفهوم في التأمل في الطريقة التي يبرر بها الإنسان اختياراته، دون افتراض أن كل شخص تحركه رغبات قوية يمارس خداع الذات.
2. كامو وعبثية التكرار
يطرح ألبير كامو سؤال العبث من خلال التوتر بين حاجة الإنسان إلى المعنى وصمت العالم أمام هذه الحاجة.
وفي هذا السياق، قد يكتشف الإنسان أن تكرار المتع لا يجيب بالضرورة عن أسئلته الوجودية، وأن إشباع الرغبات قد يمنحه لحظات من المتعة دون أن يحدد له غاية أوسع للحياة.
لكن كامو لا يقدم دعوة إلى احتقار الحياة الحسية أو الانسحاب من المتعة، بل يركز على مواجهة العبث بوعي ورفض الاستسلام له.
ويمكن أن نقرأ الحالة المدروسة بوصفها مناسبة للتساؤل: هل يجد الإنسان في المال والجنس والخيال ما يكفي لبناء حياة يشعر بقيمتها، أم أنه يكرر تجارب ممتعة من دون أن يتوقف ليتساءل عن الاتجاه الذي يسير نحوه؟
3. الاغتراب عن الذات
يظهر الاغتراب عندما يشعر الإنسان بالانفصال عن إمكاناته أو عن العالم الذي يعيش فيه، وقد يتجلى في فقدان الإحساس بالمعنى أو في العجز عن بناء علاقة متوازنة مع الذات والآخرين.
ومن الممكن أن تتحول الرغبات المتكررة إلى وسيلة لتجنب مواجهة أسئلة صعبة، مثل الوحدة أو الخوف من الشيخوخة أو الإحساس بالفراغ أو عدم الرضا عن المسار الحياتي.
لكن ينبغي ألا نستنتج وجود اغتراب أو أزمة وجودية لمجرد أن المال والجنس يشكلان اهتمامات أساسية لدى شخص ما… ؛ فذلك يتطلب معرفة تجربته الذاتية، ومشاعره، وأهدافه، ومدى رضاه عن حياته.
سادساً: بين اللذة والهوية — ماذا تكشف الرغبات عن صورة الإنسان لنفسه؟
لا تتعلق الرغبات بما يطلبه الإنسان فحسب، بل قد ترتبط أيضاً بالصورة التي يرغب في أن يرى نفسه من خلالها.
فقد يشعر شخص بأن قدرته على الإنفاق دليل على استقلاله، أو أن جاذبيته الجنسية تمنحه شعوراً بالقيمة، أو أن امتلاك تجارب ممتعة يميزه عن الآخرين.
وفي حالات أخرى، لا تكون الرغبات مرتبطة بالمكانة أو تقدير الذات، بل تكون ببساطة ميولاً شخصية مستقرة.
لذلك، من المفيد طرح أسئلة مثل:
هل يشعر الشخص بالرضا عن نفسه عندما يستطيع إشباع رغباته؟
هل يشعر بالضيق أو الفراغ عندما لا يستطيع ذلك؟
هل يمتلك أهدافاً أخرى تمنحه الشعور بالإنجاز؟
هل تتعارض رغباته مع قيمه المعلنة أو مع حقوق الآخرين؟
هل يستطيع أن يعيش فترات طويلة من دون الانشغال المتكرر بها؟
إن الإجابات عن هذه الأسئلة قد تكشف ما إذا كانت الرغبات مجرد جوانب من شخصيته، أم أنها أصبحت وسيلة أساسية لتنظيم مشاعره وصورته عن ذاته.
سابعاً: هل نحن أمام شهوة مفرطة أم نمط حياة أم أزمة نفسية؟
من الخطأ وضع جميع الأشخاص الذين يملكون رغبات قوية في تصنيف نفسي واحد.
فقد يكون أحدهم ذا رغبة جنسية مرتفعة، ويحب الإنفاق، ويستمتع بأحلام اليقظة، من دون أن يعاني اضطراباً أو خللاً في حياته.
وقد يكون شخص آخر يعاني من صعوبة حقيقية في ضبط سلوكه، ويكرر ممارسات تسبب له خسائر مالية أو اجتماعية أو نفسية، رغم محاولاته المتكررة للتوقف.
وقد تظهر لدى بعض الأشخاص أنماط من الاندفاع أو الانشغال القهري أو اضطرابات المزاج، لكن تشخيص أي منها يحتاج إلى تقييم سريري شامل، ولا يمكن استنتاجه من وصف مختصر لثلاث رغبات.
وإذا كانت هذه الأنماط مستمرة طوال العمر، فإن فهم تاريخها يصبح ضرورياً: متى بدأت؟ وكيف تغيرت؟ وما الظروف التي تزيدها أو تخففها؟ وهل ظلت مستقرة، أم مرت بفترات من التصاعد الحاد؟
أما إذا ارتبطت الرغبات الجنسية بأشخاص دون سن الرشد، فلا بد من الفصل بين وجود أفكار أو ميول وبين التصرف بناء عليها… ؛ ويجب أن تبقى حماية القاصرين من أي استغلال أو أذى أولوية مطلقة، مع اللجوء إلى المختصين عند وجود خطر فقدان السيطرة.
ثامناً: استعادة التوازن — من الاستجابة التلقائية إلى الوعي بالاختيار
لا يكون الحل في قمع الرغبات أو إدانة الذات، كما لا يكون في الاستسلام المطلق لها… , بل يبدأ بفهمها، وتحديد موقعها في الحياة، والتعرف إلى آثارها الفعلية.
ومن الممكن أن تساعد بعض الممارسات في بناء علاقة أكثر توازناً معها:
أولاً: المراقبة الذاتية.. , تدوين الأوقات التي تشتد فيها الرغبات، والمشاعر والأحداث التي تسبقها، والنتائج التي تليها، بهدف اكتشاف الأنماط المتكررة.
ثانياً: تنويع مصادر المتعة والمعنى.. , بناء اهتمامات فكرية وإبداعية واجتماعية وجسدية لا تقوم على الإشباع المادي أو الجنسي وحده.
ثالثاً: تنظيم السلوك المالي.. , وضع حدود للإنفاق، وتحديد الأولويات، وتأجيل بعض المشتريات، إذا كان الإنفاق يسبب مشكلات أو يتعارض مع الأهداف طويلة الأمد.
رابعاً: فهم العلاقة بالخيال.. , ملاحظة ما إذا كانت أحلام اليقظة تمنح راحة عابرة أم أنها تستنزف الوقت وتعطل الحياة الواقعية، والعمل على استعادة التوازن عند الحاجة.
خامساً: الاستعانة بالمختص النفسي.., عندما تتحول الرغبات إلى مصدر للمعاناة أو العجز عن السيطرة أو الضرر، يصبح التقييم المتخصص خطوة مفيدة، لا حكماً أخلاقياً على الشخصية.
إن النضج لا يعني أن يتخلص الإنسان من الرغبات، وإنما أن يصبح قادراً على فهمها وإدارتها، وأن يختار أفعاله في ضوء قيمه ومسؤولياته.
خاتمة: حين تصبح اللذة بديلاً عن الحياة
ربما تكمن المفارقة الكبرى في هذه الظاهرة في أن الإنسان قد ينفق سنوات طويلة من عمره في السعي وراء المتعة، لكنه لا يتوقف كثيراً ليتساءل عما إذا كانت هذه المتعة تمنحه حياة ذات معنى.
فالمال قد يشتري التجارب، لكنه لا يضمن الرضا… ؛ والجنس قد يمنح اللذة، لكنه لا يختصر كل أشكال الحميمية والوجود الإنساني… ؛ والخيال قد يفتح عوالم واسعة، لكنه لا يستطيع أن يحل بصورة دائمة محل التجربة الواقعية والمشاركة الفعلية في الحياة.
وإذا أصبحت هذه الرغبات الثلاث محوراً شبه دائم للتفكير، فإن السؤال لا يعود مقتصراً على مقدار ما يشتهيه الإنسان، بل يمتد إلى طبيعة الحياة التي يبنيها حول ما يشتهيه.
هل نحن أحرار لأننا نحقق رغباتنا، أم لأننا نملك القدرة على مراجعتها واختيار ما نريد أن نكونه؟
وهل تكمن السعادة في استمرار الإشباع، أم في القدرة على بناء حياة تتجاوز لحظات المتعة العابرة؟
إن الإنسان لا يُختزل في شهواته، كما لا يُختزل في أفكاره أو معتقداته.. ؛ إنه كائن متعدد الأبعاد، تتقاطع في داخله الغريزة والعقل والعاطفة والذاكرة والخيال، وتظل حياته مفتوحة على إمكانات كثيرة، ما دام قادراً على التأمل والاختيار وتحمل المسؤولية.
ولعل الحرية الأعمق لا تتمثل في إشباع كل ما نرغب فيه، بل في ألا نسمح لرغبة واحدة، مهما بلغت قوتها، بأن تصادر بقية إمكانات وجودنا.



