أكتوبر 6, 2026
LOGO

د. فاضل حسن شريف

جاء في کتاب باب الحوائج الإمام موسى الكاظم عليه السلام للدكتور حسين الحاج حسن: إطلاق سراح الامام عليه السّلام: قال تعالى: “وَ قالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ” (غافر 60). الامام موسى بن جعفر عليه السّلام مؤمن طاهر و عبد صالح دعا اللّه عزّ و جلّ لينقذه من هذه المحنة الظالمة التي أثقلت صدره فاستجاب سبحانه لدعائه و أفرج عنه الغمّ الذي أصابه في سجن الطاغية هارون. فأطلق سراحه غلس الليل. و يعود السبب في ذلك الى رؤيا رآها في منامه. حدّث عبد اللّه بن مالك الخزاعي‌ قال: أتاني رسول الرشيد في ما جاءني به قط، فانتزعني من موضعي، و منعني من تغيير ثيابي، فراعني ذلك، فلما صرت الى الدار سبقني الخادم، فعرف الرشيد خبري، فأذن لي بالدخول، فوجدته جالسا على فراشه فسلّمت فسكت ساعة، فطار عقلي، و تضاعف جزعي، ثم قال لي: – يا عبد اللّه، أ تدري لما طلبتك في هذا الوقت؟ – لا، و اللّه يا أمير المؤمنين. قال: إني رأيت الساعة في منامي كأن حبشيا قد أتاني، و معه حربة فقال: إن لم تخلّ عن موسى بن جعفر الساعة، وإلا نحرتك بهذه الحربة، اذهب فخلّ عنه. و لم يطمئن عبد اللّه بأمر الرشيد بإطلاق سراح الامام، فقال له: أطلق سراح موسى بن جعفر؟ قال له ذلك ثلاث مرات، فقال الرشيد: (نعم، امض الساعة حتى تطلق موسى بن جعفر، و اعطه ثلاثين ألف درهم، و قل له: إن أحببت المقام قبلنا فلك عندي ما تحب، و إن أحببت المضي الى المدينة فالأمر في ذلك إليك).

وعن كتابه لهارون يقول الدكتور حسين الحاج حسن: أرسل الإمام عليه السّلام و هو في السجن رسالة لهارون الطاغية أعرب فيها عن سخطه البالغ عليه، قال فيها: (إنه لن ينقضي عني يوم من البلاء حتى ينقضي عنك يوم من الرخاء، حتى نفنى جميعا الى يوم ليس له انقضاء و هناك يخسر المبطلون). في هذه الحياة تحمّل الإمام عليه السّلام الآلام المبرحة و الجزع الدائم من السجن لكنه سوف ينتظر اليوم العظيم الذي سيحاكم فيه خصمه الطاغية عند اللّه، يوم يخسر فيه المبطلون و الظالمون. أرسل هارون الى الإمام في سجنه جارية بارعة في الجمال، بيد أحد خواصه لتتولى خدمته، علّ الإمام يفتتن بحسنها في اعتقاد هارون. فلما وصلت إليه قال عليه السّلام لمبعوث هارون: (قل لهارون: بل أنتم بهديتكم تفرحون‌ “وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ” (النمل 35)، لا حاجة لي في هذه و لا في أمثالها) فرجع الخادم و معه الجارية و أبلغ هارون قول الامام فغضب غضبا شديدا و قال للخادم: ارجع إليه و قل له: ليس برضاك حبسناك، و لا برضاك أخدمناك، و اترك الجارية عنده و انصرف). رجع رسول هارون و ترك الجارية الحسناء عند الامام، و أبلغه بمقالته ثم أنفذ هارون خادما الى السجن ليراقب و يتفحص حال الجارية. فلما انتهى إليها رآها ساجدة لا ترفع رأسها و هي تقول: (قدّوس، قدّوس) فمضى الخادم مسرعا و أخبر هارون بحالها فقال: سحرها و اللّه موسى بن جعفر عليّ بها). فجي‌ء بها إليه، وهي ترتعد خوفا فشخصت ببصرها نحو السماء و هي تذكر اللّه و تمجّده، فقال لها هارون: ما شأنك؟ قالت: شأني الشأن البديع، إني كنت عنده واقفة، و هو قائم يصلّي ليله و نهاره، فلما انصرف من صلاته قلت له: هل لك حاجة أعطيكها؟ فقال عليه السّلام: و ما حاجتي إليك؟ قلت: إني أدخلت عليك لحوائجك. قال الامام عليه السّلام: فما بال هؤلاء و أشار بيده الى جهة فالتفت، فإذا روضة مزهرة لا أبلغ آخرها من أولها بنظري، ولا أولها من آخرها، فيها مجالس مفروشة بالوشي و الديباج، و عليها و صائف ووصايف لم أر مثل وجوههم حسنا، و لا مثل لباسهم لباسا، عليها الحرير الأخضر، و الأكاليل و الدرّ و الياقوت و في أيديهم الأباريق‌ و المناديل، و من كل الطعام فخررت ساجدة حتى أقامني هذا الخادم فرأيت نفسي حيث كنت، فقال لها هارون و الحقد يتطاير من عينيه لأن مؤامرته باءت بالفشل فقال: يا خبيثة لعلّك سجدت فنمت فرأيت هذا في منامك. فقالت: لا و اللّه يا سيدي، رأيت هذا قبل سجودي، فسجدت من أجل ذلك. فالتفت هارون الى خادمه، و أمره باعتقال الجارية، ليخفي الحادث تماما، لئلا يسمعه الناس. فأخذها الخادم، و اعتقلها عنده، فأقبلت على العبادة و الصلاة، فإذا سئلت عن ذلك قالت: هكذا رأيت العبد الصالح، و قالت إني لما عاينت من الأمر نادتني الجواري يا فلانة، ابعدي عن العبد الصالح حتى ندخل عليه فنحن له دونك، و بقيت عاكفة على العبادة حتى لحقت بالرفيق الأعلى‌.

وعن الإمام موسى الكاظم عليه السّلام ينعي نفسه يقول الدكتور الحاج حسن في كتابه: علم الامام المعصوم موسى بن جعفر أن لقاءه بربّه أصبح قريبا، فنعى نفسه لبعض شيعته الخاصة، و عزّاهم بمصيبته بدل أن يعزّوه، فأوصاهم بالتمسك بالعروة الوثقى من آل محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلم و ذلك في جوابه عن المسائل التي بعثها إليه علي بن سويد حينما كان في السجن، فيها بعض المسائل يسأله عنها، فأجابه عليه السّلام بهذا الجواب: بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه العلي العظيم الذي بعظمته و نوره أبصر قلوب المؤمنين، و بعظمته ونوره عاداه الجاهلون، و بعظمته و نوره ابتغى من في السماوات والأرض إليه الوسيلة بالأعمال المختلفة، والأديان المتضادة، فمصيب و مخطئ وضال و مهتدي، وسميع و أصم، وبصير وأعمى فالحمد للّه الذي عرف و وصف دينه بمحمد صلّى اللّه عليه و آله و سلم. أما بعد؛ فإنك امرؤ أنزلك اللّه من آل محمد بمنزلة خاصة، و حفظ مودة ما استرعاك من دينه، و ما ألهمك من رشدك، و بصّرك من أمر دينك بتفضيلك إياهم، و بردّك الأمور إليهم؛ كتبت إلي تسألني عن أمور كنت منها في تقية، و من كتمانها في سعة، فلما انقضى سلطان الجبابرة و جاء سلطان ذي السلطان العظيم بفراق الدنيا المذمومة الى أهلها العتاة على خالقهم، رأيت أن أفسّر لك ما سألتني عنه مخافة أن تدخل الحيرة على ضعاف شيعتنا من قبل حبها لهم، فاتق اللّه عزّ ذكره، و خصّ بذلك الأمر أهله، واحذر أن تكون سبب بلية على الأوصياء أو حارشا عليهم‌ بافشاء ما استودعتك، و إظهار ما استكتمتك و ان تفعل إن شاء اللّه. إن أول ما أنهى إليك اني أنعي إليك نفسي في ليالي هذه، غير جازع ولا نادم و لا شاك فيما هو كائن مما قد قضى اللّه عز و جل و ختم، فاستمسك بعروة الدين، آل محمد والعروة الوثقى الوصي بعد الوصي، و المسالمة لهم، والرضا بما قالوا: و لا تلتمس دين من ليس من شيعتك، ولا تحبن دينهم، فانهم الخائنون الذين خانوا اللّه و رسوله، و خانوا أمانتهم، أو تدري ما خانوا أمانتهم؟ ائتمنوا على كتاب اللّه فحرّفوه و بدّلوه، و دلّوا على ولاة الأمر منهم فانصرفوا عنهم “فأذاقهم اللّه لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون” (النحل 112) و سألت عن رجلين اغتصبا رجلا مالا كان ينفقه على الفقراء و المساكين و أبناء السبيل و في سبيل اللّه فلما اغتصباه ذلك لم يرضيا حيث غصباه حتى حملاه إياه كرها فوق رقبته إلى منازلهما فلما أحرزاه توليا إنفاقه أ يبلغان بذلك كفرا؟ فلعمري لقد نافقا قبل ذلك وردا على اللّه عز و جلّ كلامه، و هزئا برسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هما الكافران عليهما لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين، و اللّه ما دخل قلب أحد منهما شي‌ء من الإيمان منذ خروجهما من حالتيهما، و ما زادا إلا شكا، كانا خداعين مرتابين منافقين حتى توفتهما ملائكة العذاب الى محل الخزي في دار المقام. و سألت عمن حضر ذلك الرجل و هو يغصب ماله و يوضع على رقبته منهم عارف و منكر فأولئك أهل الردة الأولى من هذه الأمة فعليهم لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين. و سألت عن مبلغ علمنا، و هو على ثلاثة وجوه: ماض وغابر و حادث، فأما الماضي فمفسر وأما الغابر فمزبور، و أما الحادث فقذف في القلوب، ونقر في الأسماع، وهو أفضل علمنا، ولا نبي بعد نبينا محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلم. و سألت عن أمهات أولادهم و عن نكاحهم و عن طلاقهم، فأما أمهات أولادهم فهنّ عواهر الى يوم القيامة نكاح بغير ولي، و طلاق في غير عدة. و أما من دخل في دعوتنا فقد هدم إيمانه ضلاله و يقينه شكه، و سألت عن الزكاة فيهم فما كان من الزكاة فأنتم أحق به‌ لأنّا قد أحللنا ذلك لكم من كان منكم وأين كان.

جاء في کتاب باب الحوائج الإمام موسى الكاظم عليه السلام للدكتور حسين الحاج حسن: إلى المقر الأخير: قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَ إِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ” (آل عمران 185). أحاطت الجماهير الحزينة بالجثمان المقدس و هي تتسابق على حمله للتبرك به. حفر له قبر في مقابر قريش، و انزله سليمان بن أبي جعفر في مقره الأخير هو مذهول مرعوب خائر القوى، و بعد فراغه من مراسيم الدفن، أقبلت إليه الناس تعزيه و تواسيه بالمصاب الأليم. فهنيئا لك أيها القبر باستقبال هذا الضيف الطاهر هذا العالم المعلم، و هذا العبد الصالح الذي آثر طاعة اللّه على كل شي‌ء في هذه الدنيا انصرف المشيعون و هم يعدّدون فضائل الإمام الشريفة و مناقبه السامية و يذكرون ما عاناه الكاظم غيظه من المحن و الخطوب و قيود السجن قالوا كلهم: إن فقد الإمام كان من أعظم النكبات التي مني بها العالم الإسلامي عامة و الشيعة خاصة في ذلك العصر. و لا غرو في ذلك لقد فقد المسلمون علما من أعلام العقيدة الاسلامية و إماما معصوما من الأئمة المعصومين الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا، و غصنا من دوحة النبوة. هكذا عمت قلوب الطامعين بالملك فتحجرت قلوبهم و تصلبت أحاسيسهم فجاروا و ظلموا و بطشوا و ضيعوا موازين الحق و العدل. و الغريب العجيب أنهم نصبوا أنفسهم على الناس بحد السيف و سموا أنفسهم خلفاء اللّه على الأرض. لقد ضاعوا في دنيا الجاه و السلطان و غرقوا في لجج الأنانية و حب التسلط و قد تحمل الإمام الكاظم كل هذا الجور و الظلم و بقي صامدا أمام الظالمين لا يلين و لا يضعف أمام جورهم و ظلمهم.