أكتوبر 6, 2026
LOGO

د. فاضل حسن شريف

جاء في موقع صوت الأمة العراقية عن من البوعيثة إلى التجنيس والإيواء السياسي: حين تتحول بغداد إلى ساحة لمشاريع النفوذ للكاتب رياض سعد: أية أولويات وطنية لدى الساسة؟ في الوقت الذي ما زالت فيه ملفات الفساد مفتوحة، وأزمات الكهرباء والطاقة مستمرة، والبطالة تثقل كاهل الشباب، والبنى التحتية تعاني من الإهمال، والعديد من المشاريع الوطنية تنتظر التمويل والتنفيذ، يبدو أن بعض المسؤولين قد وجدوا في ملفات أخرى ما يستحق اهتمامهم وطاقاتهم السياسية. فبدلاً من توجيه الجهود نحو استكمال المشاريع المعطلة، وتحسين الخدمات، وتوفير فرص العمل، وحماية المال العام، تبرز تحركات تثير تساؤلات عن أولويات بعض القوى السياسية، وعن طبيعة المصالح التي تدفعها إلى الانشغال باستقدام جماعات من خارج الحدود، أو تسهيل إقامتها، أو التدخل في ملفات التجنيس والإيواء. وهنا يحق للمواطن أن يتساءل: هل انتهت مشكلات العراق الداخلية حتى أصبح بعض الساسة يتفرغون لإدارة ملفات سكانية وأمنية بالغة الحساسية؟ وهل استُنفدت جميع الأولويات الوطنية، فلم يبقَ سوى إعادة توزيع السكان، أو استقدام جماعات اجنبية وغريبة جديدة، أو توفير الغطاء السياسي لتحركات قد تترتب عليها تداعيات خطيرة؟ إن المسؤولية الوطنية تقتضي أن تكون مصلحة العراق، وأمن مواطنيه، وسيادة مؤسساته، فوق الحسابات الحزبية والطائفية والشخصية، وأن تخضع جميع الملفات، من الإقامة إلى التجنيس، لسلطة القانون وحده. خاتمة: كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله: إن ما أثير بشأن البوعيثة، وما يُتداول عن استقدام جماعات متشددة وإيوائها في مناطق حساسة من العراق، يستدعي تحقيقاً وطنياً شفافاً يكشف حقيقة هذه التحركات، ويحدد المسؤوليات، ويضع حداً لأي استغلال سياسي لملفات الإقامة والجنسية والأمن. فالعراق ليس بلداً بلا ذاكرة، وقد دفع أثماناً باهظة نتيجة التواطؤ السياسي مع الإرهاب، والتساهل مع الجماعات المتطرفة، وتحويل الخلافات الطائفية إلى مشاريع للقتل والتهجير والدمار. ولذلك، فإن حماية العراق لا تكون بالشعارات، ولا بالمزايدات الطائفية، ولا بتبادل الاتهامات، بل بإعلاء سلطة القانون، ومراقبة أداء المسؤولين، وصيانة الحدود، وضبط ملفات التجنيس بل ايقاف عمليات التجنيس ، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في توفير الغطاء السياسي أو اللوجستي للجماعات الإرهابية. وإذا كان بعض الساسة يظنون أن بإمكانهم إعادة إنتاج الأزمات القديمة بأدوات جديدة، فإن عليهم أن يدركوا أن العراقيين ليسوا مستعدين لدفع ثمن مغامرات سياسية أخرى، وأن بغداد ليست أرضاً مستباحة لمشاريع النفوذ، ولا وطناً بديلاً لتصفية صراعات الآخرين. فكلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله، وسيبقى العراق أكبر من مشاريع المتاجرة به، وأبقى من رهانات الذين لا يرون في الوطن سوى ساحة لتوسيع نفوذهم المشبوه ومصالحهم الباطلة .

إن الطرح النقدي للكاتب والباحث رياض سعد لا يتناول الحوادث المعزولة بذاتها، بل ينظر إليها من خلال زاويته التحليلية الشاملة للوضع في بغداد، والتي تتركز على النقاط التالية:انعكاسات الخلل الإداري والأمني: يرى أمثال هذه الأحداث دليلاً على هشاشة التنسيق أحياناً وتداخل الصلاحيات أو سوء إدارة الملفات الخدمية والعقارية والأمنية في أطراف العاصمة، مما يجعل المواطن ورجال الأمن أنفسهم ضحايا لبيئة إدارية مضطربة.فوضى التجاوزات وملفات الأراضي: تتقاطع هذه التطورات مع تحذيرات النخب الفكرية المستمرة من خطورة غياب التخطيط الحضرية السليم، وتحول صراعات الأراضي والاستثمار إلى بؤر توتر أمني واجتماعي تثقل كاهل الدولة والمجتمع على حد سواء. غياب الحلول الجذرية: يؤكد الخطاب النقدي لرياض سعد دائماً أن معالجة الأزمات في أحياء بغداد مثل “الدورة” لا تكون بالمعالجات المؤقتة أو ردود الفعل، بل بإصلاح منظومة الإدارة برمتها ورفع كفاءة مؤسسات الدولة لفرض القانون بحزم وشفافية بعيداً عن التقاطعات والفوضى.

استناداً إلى المنهجية النقدية والتحليلية للكاتب والباحث رياض سعد في تشخيص الخلل وبناء مقومات الدولة المستقرة، فإن معالجة الملف الأمني ومنع الفوضى في بغداد وأطرافها (مثل المناطق الحيوية والأطراف التي تشهد تقاطعات أمنية أو إدارية) تتطلب استراتيجية واضحة ترتكز على عدة محاور أساسية: 1. توحيد القيادة والقرار الأمني: إنهاء ازدواجية الصلاحيات: تُعد الفوضى ثمرة لتداخل المرجعيات وتضارب الواجبات بين التشكيلات المختلفة. يتطلب الإصلاح الأمني حصر القرار بيد قيادة مركزية واضحة ومسؤولة، لمنع أي ثغرات أو مساحات رمادية تستغلها العصابات أو الجهات الخارجة عن القانون. التنسيق الاستخباري الاستباقي: الانتقال من سياسة “رد الفعل” إلى منظومة استخباراتية دقيقة ومتكاملة ترصد بؤر التوتر ومصادر التهديد في أطراف العاصمة قبل تفاقمها. 2. فرض هيبة الدولة وسيادة القانون بلا استثناء: الحزم مع السلاح المنفلت: يؤكد الخطاب الإصلاحي باستمرار على أن بقاء السلاح خارج إطار الدولة هو السبب الرئيسي لكل هزات الاستقرار. لذا، فإن نزع السلاح غير المرخص وفرض سيطرة مطلقة للقوات الأمنية الرسمية يعد شرطاً لا غنى عنه. الضرب بيد من حديد على شبكات الجريمة: التعامل بحسم مع ملفات التجاوزات الخطيرة، والنزاعات العشائرية المسلحة، أو محاولات فرض الإتاوات والسيطرة غير القانونية في بعض المناطق. 3. إبعاد المؤسسة الأمنية عن المحاصصة الحزبية: المهنية والكفاءة: يحذر الطرح النقدي من خطورة تسييس الأجهزة الأمنية أو إخضاع مفاصلها للمحاصصة الحزبية والفئوية. إن بناء جيش وشرطة وأجهزة أمنية محترفة يعتمد كلياً على معايير الكفاءة والنزاهة والولاء للوطن وحدَه، هو الضمانة الحقيقية لاستقرار بغداد. حماية رجل الأمن والمواطن على حد سواء: توفير البيئة القانونية واللوجستية التي تحمي القوات الأمنية أثناء تأدية واجبها، وفي الوقت نفسه ضمان التزام الأجهزة الأمنية بحماية حقوق المواطنين لتعكس الصورة الحقيقية للدولة كحاضنة وراعية لا كخصم. 4. تأمين الأحزمة والأطراف الحيوية: تحصين أطراف بغداد (التي تمثل غالباً نقاط التماس الرخوة أمنياً) عبر نشر منظومات مراقبة حديثة، وتكثيف الدوريات المشتركة، ومنع أي تحركات مشبوهة أو شبكات التهريب التي تتخذ من تلك الثغرات منطلقاً لزعزعة أمن العاصمة.

الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في كتابه التبيان في تفسير القرآن تحليلاً متكاملاً لقوله تعالى “وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْصَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ” (المنافقون 4) حيث يوضح أن قوله تعالى “وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ” (المنافقون 4) يبين حال المنافقين في ظاهرهم الحسن وصورهم المتبوعة بفصاحة ألسنتهم إذا رأيتهم أعجبتك هيئتهم وقوتهم، مبيناً في قوله تعالى “وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ” (المنافقون 4) حسن منطقهم وبلاغتهم المزيفة التي تجذب السامع لاستماع حديثهم لولا خلوه من حقيقة الإيمان، ثم يفسر قوله تعالى “كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ” (المنافقون 4) تشبيهاً لهم بالأخشاب الملقاة التي لا روح فيها ولا منفعة لقلوبهم الخاوية من اليقين على الرغم من حسن صورهم، ثم يوضح قوله تعالى “يَحْصَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمُ” (المنافقون 4) جبنهم الهلع وفزعهم الشديد من كل صوت أو حدث ظناً منهم أنه موجه ضدهم لورعهم الخفي وتزلزل قلوبهم، ثم يفسر قوله تعالى “الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ” (المنافقون 4) تحذيراً نبوياً قاطعاً من خطرهم الكامن لأنهم الأعداء الحقيقيون في قالب الأصدقاء، ليختتم الآية بقوله تعالى “قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ” (المنافقون 4) دعاءً عليهم بالهلاك ولعناً لاستحقاقهم الصرف عن الحق إلى الضلال والبهتان.