أكتوبر 6, 2026
LOGO

د. فاضل حسن شريف

ورد ذكر توفي الملائكة للإنسان (قبض أرواحهم عند انتهاء آجالهم) في عدة مواضع من القرآن الكريم، وتنوعت هذه الآيات بحسب حال الإنسان وقت الوفاة، بين مؤمنٍ تُقبض روحه بالبشرى والسلام، وكافرٍ أو ظالمٍ لنفسه تُقبض روحه بالتقريع والشدة. فيما يلي أبرز الآيات الكريمة التي تناولت توفي الملائكة للبشر: 1. توفي الملائكة للمؤمنين والصالحين: تتولى الملائكة قبض أرواح المؤمنين برفق، وتبشرهم بالجنة والرحمة والسلام: “الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ ” يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ” (النحل 32). “إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ” (فصلت 30). 2. توفي الملائكة للكافرين والظالمين: تتولى الملائكة قبض أرواح الكفار والظلمة بشدة وتقريع، وتصاحب ذلك العذابات والضرب: “الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ ” فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ ” بَلَىٰ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ” (النحل 28). “وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا ” الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ” (الأنفال 50). “فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ” (محمد 27). “وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ ” الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ” (الأنعام 93). 3. الإسناد إلى ملك الموت وأعوانه من الملائكة: أوضحت الآيات القرآنية أن التوفي يتم عبر نظام دقيق، يسند إلى ملك الموت والمُعَقِّبات أو أرسُل الله من الملائكة: “قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ” (السجدة 11). “حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ” (الأنعام 61). “حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ” (الأعراف 37). 4. التوفي في حالة التكاسل عن الهجرة أو العصيانك “إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ” قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ” قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا” (النساء 97). تُبيّن هذه النصوص التنسيق بين الأمر الإلهي المطلق للتوفي (حيث يُنسب التوفي لله تعالى في قوله: “اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا”)، وبين التنفيذ الميداني الذي ينفذه ملك الموت وأعوانه من الملائكة بحسب عمل كل إنسان.

يتناول الفكر الإسلامي وفق مدرسة أهل البيت عليهم السلام مفهوم (توفي الملائكة للبشر) ببعد عقائدي وتفسيري عميق، يوضح الكيفية التي تُقبض بها الأرواح، والروابط بين الإسناد إلى الله تعالى، وإلى ملك الموت (عزرائيل)، وإلى أعوانه من الملائكة. فيما يلي أبرز المرتكزات والتفاصيل حول هذا الموضوع عند أهل البيت: 1. الجمع بين نسبة (التوفي) إلى الله، وملك الموت، والملائكة: تُطرح عادة شبُهة ظاهرية حول من يقوم بقبض الأرواح: هل هو الله (“اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ”)، أم ملك الموت (“قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ” (السجدة 11))، أم الملائكة (“تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا” (الأنعام 61))؟ وقد جاء البيان عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في جوابه لبعض من سأله عن هذا التعارض الظاهري: (إن الله تبارك وتعالى أعظم وأجلّ من أن يتولى ذلك بنفسه، وفِعْلُ رُسُلِهِ وَمَلَائِكَتِهِ هُوَ فِعْلُهُ، لِأَنَّهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ فَيَتَوَفَّى تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْ يَشَاءُ بِمَا يَشَاءُ، وَيَتَوَفَّى مَلَكُ المَوْتِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ، وَيَتَوَفَّى مَلَائِكَةُ المَوْتِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِه) فالتوفي المباشر تقوم به الملائكة الأعوان بإشراف ملك الموت، وأمر ذلك كلّه وأصله عائد إلى الله عز وجل. 2. أعوان ملك الموت وتقسيم المهارة: تذكر الروايات الواردة عن الإمام جعفر الصادق والإمام محمد الباقر عليهما السلام أن لملك الموت أعواناً من الملائكة مُمَكّنين في الأرض، يُرسَلون لاستلال الأرواح من الأطراف والأجساد حتى تبلغ الحلقوم، ثم يلقفها ملك الموت: ورد عن الإمام الصادق عليه السلام عندما سُئل عن قبض الأرواح في أطراف الأرض في وقت واحد: (إنّ الله تبارك وتعالى جعل لملك الموت أعواناً من الملائكة يقبضون الأرواح، كما يفعل صاحب الشرطة بإرسال أعوانه، ثم يتوفاها ملك الموت منه). توجد ملائكة متخصصة للرحمة تتولى قبض أرواح المؤمنين والصالحين (ملائكة الرحمة)، وملائكة متخصصة للعذاب (ملائكة العذاب) تتولى قبض أرواح الكفار والظالمين.

3. كيفية احتضار المؤمن وتوفي الملائكة لروحه: تصف روايات أهل البيت لحظة توفي المؤمن برفق وولاء وشوق: حضور النبي والأئمة: ورد في أصول الكافي وروائع التفسير أن النبي والأئمة عليهم السلام يحضرون عند رأس المؤمن عند الموت، فيستأنس برؤيتهم وتطمئن روحه. البشرى بالسلام: تنزل ملائكة الرحمة بريحان من الجنة، وتبشر المحتضر بالمقام الكريم، كما في قوله تعالى: “الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ” (النحل 32). يُروى أن ملك الموت يتعامل مع المؤمن بأدب ورفق شديدين، ولا يقبض روحه حتى يُخيّره ويُرضيه. 4. كيفية توفي الكافر والظالم: في المقابل، تؤكد الروايات أن توفي الملائكة للكفار والعصاة والظلمة يكون بمظاهر الشدة والنزع الأليم: تنزل ملائكة العذاب (الزبانية) بوجوه قاسية ومعهم سياط من نار أو مسوح من نار. يضربون وجوههم وأدبارهم كما ورد في قوله تعالى: “وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ” (الأنفال 50). تُنزع أرواحهم بشدة كما يُنزع السفّود (الشوك) من الصوف المبتل. 5. المعقبات والرقباء: تذكر النصوص التفسيرية عن أهل البيت أن للملائكة وظائف حراسة وتدوين في حياة الإنسان (المعقِّبات والحفظة)، حتى إذا جاء الأجل المُسمّى الذي قضاؤه عند الله، خَلّت هذه الملائكة بين الإنسان وبين الموت، وسلمته لرسل التوفي (ملائكة الموت) لنقل روحه إلى عالم البرزخ.

عن الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) في كتابه (التبيان في تفسير القرآن) ( موضوع توفي الملائكة للبشر بأسلوب منهجي يجمع بين اللغة، والكلام (العقيدة)، والأحاديث المأثورة. فيما يلي أبرز المحاور والتفريعات التي ذكرها الشيخ الطوسي في (التبيان) حول هذه المسألة: 1. مفهوم (التوفي) في اللغة والتفسير: يبيّن الشيخ الطوسي أن أصل كلمة (التوفي) في اللغة ليس هو الموت بحد ذاته، وإنما (استيفاء الشيء وقبضه كاملاً). قبض الروح: معنى “توفّتْهُ الملائكة” أي قبضت روحه واحتوزتها كاملة فلم تدع منها شيئاً في البدن. الفرق بين الموت والتوفي: الموت هو زوال الحياة عن البدن، أما التوفي فهو أخذ الروح واستيفاؤها من البدن إلى عالم آخر. 2. دفع التعارض الظاهري في نسبة التوفي: تصدى الشيخ الطوسي للجواب عن الآيات التي يظهر بينها اختلاف في القائم بالتوفي: آية تتنسِبُه لله: “اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا” (الزمر 42). آية تتنسِبُه لملك الموت: “قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ” (السجدة 11). آيات تتنسِبُه للملائكة: “تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ” (الأنعام 61). وجه الجمع عند الطوسي في (التبيان): أوضح الشيخ الطوسي أن هذا الاختلاف هو اختلاف في مستويات الفعل والإسناد: الله تعالى: هو المُميت الحقيقي، والفاعل الأول الذي يأمر بالتوفي ويقدر الأجل ويخلق الموت. ملك الموت (عزرائيل): هو الرأس والمُوكَّل بالأمر والمُدبّر لقضب الأرواح بأمر الله. الملائكة (الأعوان): هم المباشرون لاستخراج الأرواح ونزعها بأمر ملك الموت وإذنه. فلا تعارض بين الآيات، لأن فعل الأعوان هو فعل الرئيس، وفعل الجميع جارية أسبابه بأمر الله تعالى وقدرته.

3. كيفية توفي المؤمن وتوفي الكافر: استعرض الطوسي أحوال الاحتضار وتوفي الملائكة للناس بحسب أعمالهم: توفي المؤمنين (الطيبين): في تفسير قوله تعالى: “الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ” (النحل 32)، يذكر الطوسي أن الملائكة تقبض أرواحهم وهم طاهرون من الشرك والمعاصي، وتتلقاهم بالبشرى والسلام، وتُنزِل عليهم أسباب الرحمة. تأتي ملك الموت والملائكة معهم صور حسنة، وريح طيبة، ويسلّون أرواحهم برفق وسهولة. توفي الكفار والظلمة: في تفسير قوله تعالى: “وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ” (الأنفال 50)، يشرح الطوسي أن ضرب الوجوه والأدبار هو عذاب مُقَدَّم للكفار عند نزع الروح، لإذلالهم وإشعاره بالخزي قبل عذاب البرزخ والقيامة. تتولى ذلك (ملائكة العذاب) بشرّة وشدة، حيث يَبْسُطون أيديهم بالعذاب والنزع الأليم، كما في قوله تعالى: “وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ” (الأنعام 93). 4. دور الحفظة والمعقباتك يذكر الشيخ الطوسي في تفسير سورة الأنعام والعديد من المواضع أن الإنسان يكون محفوفاً بملائكة حفظة (معقبات) يحفظونه من الهلكات بأمر الله حتى إذا جاء أجله، حينها تُخلّي الحفظة بينه وبين الموت، وتسلمه إلى (رسل التوفي) لتقبض روحه دون زيادة أو تقصير (“وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ” (الأنعام 61)).