
عندما تكون بيدقاً وتحسب أنك الملك ( شطرنج الحكومة)
في هذا التشبيه المستهلك، يُحب الجميع من صانع القرار الصغير، مروراً بالأنظمة الوظيفية، وصولاً إلى المحلل الجالس خلف الشاشة أن يرى نفسه “الملك” الذي يحرك الأحداث ويرسم الخرائط. لكن الواقع الرقعي يفرض حقيقة أكثر قسوة وهزلية: أغلب الفاعلين ليسوا سوى بيادق تتحرك خطوة واحدة إلى الأمام، مُسَيّرة بحركات غير مرئية، ويتملّكها وهمٌ قاتل بأنها تقود المعركة.
-سيكولوجية البيدق المتوهم
تكمن التراجيكوميديا في المشهد السياسي عندما يُصاب “البيدق” بمتلازمة “عظمة التكتيك”. تجده يخطب بلغة الاستراتيجيات الكبرى، ويتبنى خِطاب الاستعلاء السياسي، ويتوهم أن تحركاته المحدودة تُرعب الخصوم وتُربك الرقعة إن خطورة البيدق لا تكمن في ضعفه العددي أو محدودية حركته، بل في جهله بموقعه. إنه يقاتل بشراسة في المربع الذي وُضع فيه، ويظن أن التضحية به هي “مناورة كبرى” خطط لها بنفسه، بينما هو في الحقيقة مجرد قطعة تُحرق لتسيير قطعة أخرى أكثر أهمية إلى مربع أفضل.
-استراتيجية التضحية والمصالح الفوقية
في قواعد الشطرنج التقليدية، يُضحّى بالبيادق أولاً لتسهيل حركة “القطع الثقيلة” كالفيل والحصان والقلعة. وفي الشطرنج السياسي، تُمارس القوى الكبرى والمحركات الحقيقية للأحداث الفن نفسه؛ حيث تُصدّر الفاعلين الصغار إلى الواجهة لخوض المواجهات المباشرة واستنزاف الخصوم.
بينما يغرق البيدق في تفاصيل معركته المحلية، تبقى القوى الفاعلة يتحكمون بلغة الخطاب والأجندة العامة، ويمتلكون الرؤية الشاملة للرقعة. وبمجرد انتهاء الدور الوظيفي للمربع الذي يقف عليه البيدق، يُترك لمصيره دون أدنى اعتبار للخدمات التي قدمها، لينتهي به الأمر مستهلكاً أو مفرغاً من القيمة الاستراتيجية خارج الرقعة
-وهم الترقية وتغيير أدوار اللعبة
المخدر الأكبر الذي يُبقي البيدق متحمساً لخوض المعارك القاتلة هو قانون الشطرنج الشهير: إذا وصل البيدق إلى الصف الأخير، فإن القواعد تمنحه فرصة التحول إلى وزير.
في السياسة، يُباع هذا الوهم بذكاء شديد؛ يُوهَم الفاعل الصغير أنه إذا صمد واحتمل الضربات وتلقى الصدمات عن الكبار، فسيجلس يوماً ما على طاولة الصياغة النهائية للخرائط. لكن ما ينساه البيدق عادةً هو أن الوصول إلى الصف الأخير يحتاج رقعة فارغة من الأعداء، وأن اللاعبين الكبار لا يسمحون إلا نادراً للبيدق بأن ينافسهم على تاج الملك أو مرونة الوزير.
-حين تُقلب الرقعة وتنتهي الجولة
تصل المهزلة السياسية إلى أوجها عندما يُقرر اللاعبون الأساسيون إنهاء الجولة بـ “صفقة خاطفة” أو “مصافحة تكتيكية”. في تلك اللحظة بالذات، يُكتشف أن كل المعارك الحامية التي خاضها البيدق، وكل الشعارات الرنانة التي رفعها، لم تكن سوى ضوضاء جانبية لتشتيت انتباه الجمهور.
تُمسح البيادق عن الرقعة بلمسة يد واحدة، وتُعاد إلى الصندوق العادي للقطع المنسية، بينما يجلس الملاّك الحقيقيون للعبة لتناول القهوة وبحث تفاصيل الجولة القادمة.
خلاصة القول: أن تكون بيدقاً في لعبة السياسة هو أمر قد تفرضه موازين القوى وحجم الموارد، وهو أمر واقعي ومفهوم في عالم التوازنات. لكن أن تكون بيدقاً وتحسب أنك الملك، فهذا ليس مجرد غباء سياسي، بل هو الذروة الكوميدية في مسرحية السقوط. أول خطوات العقلانية السياسية تبدأ من معرفة حجمك الحقيقي على الرقعة؛ فمن يعرف أنه بيدق، قد ينجو بالانسحاب أو تفادي الخوض في معارك الكبار، أما من يعيش وهم الملكية، فسيكون أول من يُضحى به في أول “كش ملك”.




