أكتوبر 9, 2026
IMG_3582

الاحتطاب الأكاديمي والأيديولوجيا الجماعاتية

بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي

تضخيم الألقاب والمحاصصة الأيديولوجية الجماعاتية واحتكار المعرفة
ليست خطورة الاحتطاب الأكاديمي في كثرة الشهادات والألقاب، بل في توظيفها لصناعة نفوذ لا يستند بالضرورة إلى الكفاءة أو الإنتاج العلمي. فعندما تتحول المكانة الأكاديمية إلى وسيلة لتكريس المصالح، وتصبح المعرفة غطاءً للولاء، تفقد المؤسسة دورها النقدي، وتتحول من فضاء لإنتاج الأفكار إلى منصة لإعادة إنتاج النفوذ.
تضخيم الألقاب وصناعة المكانة
تظهر هذه الظاهرة حين تُستخدم صفات مثل «الخبير الدولي» أو «المستشار الاستراتيجي» بوصفها دليلاً كافياً على المرجعية العلمية، من دون سجل موثق من الخبرة والإنجازات يبررها. فتكرار اللقب في الإعلام لا يحوّله إلى حقيقة، وكثرة العضويات لا تعوّض غياب الإنتاج. المعيار هو صحة المؤهل، والتناسب بين الصفة المعلنة والكفاءة الفعلية، وإمكان التحقق من كليهما.
المحاصصة الأيديولوجية الجماعاتية
يبلغ الخلل مستوى مؤسسياً حين تُوزَّع المناصب والاستشارات والعضويات وفق القرب الفكري أو التنظيمي، لا وفق الاستحقاق. عندها يتراجع سؤال الكفاءة أمام سؤال الانتماء، وتتحول العلاقات إلى امتيازات غير معلنة. ولا يُعدّ تشابه الخلفيات الفكرية دليلاً كافياً على المحاصصة؛ إنما تكمن المشكلة في غياب المعايير الشفافة، وتضارب المصالح، وتهميش المرشحين المؤهلين من دون مبررات مهنية.
احتكار المنابر الأكاديمية
حين تتكرر فرص النشر والمشاركة في المؤتمرات والندوات ومراكز الدراسات داخل دائرة محدودة من المقرّبين، بينما يُحرم باحثون مستقلون من فرص المنافسة العادلة، تصبح المنابر وسيلة للتحكم بمن يملك حق الحضور والتأثير. والمؤسسة الأكاديمية التي لا تعلن معايير الاختيار، ولا تتيح مراجعة قراراتها، تفتح الباب أمام تحويل العلاقات والولاءات إلى بوابات للانتشار والاعتراف.
تحويل النقد إلى خصومة
عندما يطرح باحث أدلة تناقض أطروحة الجماعة، فيُواجَه بالتشكيك في نواياه أو مهاجمة انتمائه بدلاً من مناقشة حججه ومنهجه، تكون المساءلة العلمية قد استُبدلت بتصنيف الأشخاص. فالنقد ليس عداءً، والاختلاف ليس خيانة، ومراجعة الأفكار ليست استهدافاً لأصحابها. إن عجز الأطروحة عن مواجهة السؤال لا يمنحها حصانة، بل يجعلها أكثر حاجة إلى الاختبار.
تسييس البحث العلمي
تتجلى هذه الممارسة حين تُنتقى النتائج التي تخدم توجه الجماعة، وتُهمَل الدراسات التي تناقض روايتها، أو تُقتطع البيانات من سياقها لتبرير استنتاجات مقررة مسبقاً. فمثلاً، إذا أصدر مركز دراسات تقريراً عن قضية سياسية، واستشهد بالدراسات المؤيدة لموقفه، وتجاهل أدلة موثوقة مخالفة من دون تبرير منهجي، فإن المشكلة لا تكمن في تبنّي فرضية، بل في إخضاع الأدلة للنتيجة المرغوبة، بدلاً من إخضاع النتيجة للأدلة.
وفي سورية، حيث تحتاج الدولة إلى مؤسسات مهنية تستعيد ثقة المجتمع، فإن استبدال المحاصصة القديمة بمحاصصة أيديولوجية جديدة لا يمثل إصلاحاً، بل إعادة إنتاج للخلل بأسماء مختلفة. فالدولة لا تُبنى بإقصاء الكفاءات المستقلة، وإنما بمعايير معلنة للتعيين، وشفافية في التمويل، واستقلالية في البحث، وآليات عادلة للمساءلة والتقييم.
ولا يجوز، في المقابل، اعتبار الانتماء الفكري تهمة، أو اختلاف الباحث مع مؤسسة دليلاً على تعرضه للإقصاء. فالحكم يستند إلى مؤشرات قابلة للتحقق: صحة المؤهلات، وجودة الإنتاج، وعدالة الاختيار، وشفافية المنهج، وطريقة التعامل مع الأدلة المخالفة.
حين يصبح اللقب بديلاً عن الإنجاز، والولاء بديلاً عن الاستحقاق، والمنبر امتيازاً للمقرّبين، والنقد سبباً للإقصاء، تتحول الأكاديمية من فضاء لإنتاج المعرفة إلى أداة لصناعة الشرعية والنفوذ فالسؤال ليس: إلى أي جماعة ينتمي الباحث؟ بل: هل يستحق موقعه وفق معايير عادلة؟ وهل يستطيع الدفاع عن منهجه وقبول نتائج تخالف مصالحه وتوجهاته؟
فالمعرفة التي تخضع للولاء لا تحمي الحقيقة؛ إنها تحمي النفوذ باسم الحقيقة.