
بنيامين نتنياهو وجوناثان بولارد في مطار بن غوريون
إيهاب مقبل
يطرح جوناثان بولارد، العميل السابق في الاستخبارات الأمريكية الذي أُدين بالتجسس لصالح الموساد الإسرائيلي عام 1987، في مقال رأي نشرته صحيفة «إسرائيل ناشيونال نيوز» في 11 أكتوبر تشرين الأول الجاري، تصورًا لتطويق النفوذ الإيراني في العراق عبر توظيف الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية، بالتوازي مع إبقاء الخيارات العسكرية الإسرائيلية مطروحة. وقد قضى بولارد نحو ثلاثين عامًا في السجن قبل الإفراج عنه عام 2015، في قضية ارتبطت بتسريب معلومات سرية أمريكية إلى تل أبيب.
ويكتسب هذا السياق أهمية عند قراءة المقال، الذي لا يقتصر على مناقشة نفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بطهران، بل يقترح أيضًا استخدام العلاقات الاقتصادية للعراق مع الأردن والسعودية ودول الخليج للضغط على بغداد، من خلال ملفات النفط والكهرباء والغاز والتجارة الحدودية. كما يطرح إمكانية اللجوء إلى ضربات عسكرية إسرائيلية، وصولًا إلى استهداف منشآت حيوية إذا لم تحقق الضغوط أهدافها.
وتثير هذه المقاربة تساؤلات بشأن حدود الضغط الخارجي على القرار العراقي، ومخاطر تحويل الموارد الاقتصادية والبنية التحتية المدنية إلى أدوات في الصراع بين تل أبيب وطهران. فبينما تواجه الدولة العراقية تحديات تتعلق بحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية والحفاظ على استقلال قرارها، فإن إخضاع اقتصادها لضغوط إقليمية قد يحمّل المواطنين تبعات مواجهة لا يملكون التحكم بمساراتها.
العراق في الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية
ينطلق المقال من فرضية أن انتهاء المهمة العسكرية الأمريكية في العراق قد يتيح اتساع النفوذ الإيراني عبر الفصائل المسلحة، ويرى أن الموقع الجغرافي للعراق يجعله ساحة ذات أهمية استراتيجية بالنسبة إلى طهران وتل أبيب ودول الخليج.
وينقل بولارد عن مايكل دوران، الخبير الاستراتيجي في شؤون الشرق الأوسط، تقديرًا مفاده أن الضغوط التي تواجه إيران قد تدفعها إلى توسيع تحركاتها انطلاقًا من العراق. كما يحذر الكاتب من أن الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تمتلكها بعض الفصائل المسلحة العراقية قد تشكل تهديدًا لما يسمى «إسرائيل» بسبب قصر المسافة الجغرافية.
غير أن الإشكالية في هذا التصور تتمثل في النظر إلى العراق أساسًا من زاوية التهديدات التي قد تواجه إسرائيل، بدل النظر إليه بوصفه دولة مستقلة لها مصالحها الأمنية والسياسية والاقتصادية الخاصة. فالعراق ليس مجرد مساحة جغرافية متاحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية، كما أن معالجة ملف السلاح خارج مؤسسات الدولة لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لتبرير التدخل في قرارات بغداد أو الضغط على اقتصادها.
ولا يعني الدفاع عن سيادة العراق تجاهل التحديات التي تطرحها بعض الجماعات المسلحة أو التدخلات الخارجية، بل يعني أن معالجة هذه الملفات يجب أن تتم من خلال مؤسسات الدولة العراقية، وبما يحفظ استقلال القرار الوطني ويمنع انزلاق البلاد إلى مواجهة جديدة.
الأردن: النفط والحدود في معادلة الضغط
يمنح المقال الأردن دورًا محوريًا في استراتيجية الضغط المقترحة، مستندًا إلى موقعه الجغرافي وعلاقاته التجارية مع العراق. ويشير إلى مشروع خط أنابيب النفط بين البصرة والعقبة، الذي يمكن أن يتيح للعراق تنويع منافذ تصدير نفطه، ويقترح تجميد المفاوضات بشأنه، إلى جانب تشديد القيود على ممرات النقل البري.
كما يدعو إلى تنسيق أمني بين عمان وتل أبيب لتشديد الرقابة على الحدود الشرقية الأردنية، بهدف الحد من تهريب الأسلحة والأفراد والمعدات التي يُشتبه في ارتباطها بالفصائل المسلحة.
وبذلك، يقترح المقال توظيف الجغرافيا والروابط التجارية وسيلةً للضغط على الحكومة العراقية، بما قد يجعل مشاريع النقل والتعاون الاقتصادي رهينةً للخلافات الأمنية والسياسية.
لكن استخدام هذه الأدوات في إطار حملة ضغط لا يقتصر أثره على الجهات المستهدفة، بل قد ينعكس على التجارة وفرص الاستثمار ومصالح الشركات والمواطنين. كما أن التعاون بين العراق والأردن يمكن أن يشكل عنصرًا داعمًا للاستقرار الإقليمي، إذا قام على المصالح المتبادلة والاتفاقات المشتركة، بدل تحويله إلى أداة في استراتيجية طرف خارجي.
السعودية والخليج: هل تصبح الطاقة ورقة لمعاقبة بغداد؟
يرى بولارد أن السعودية تمتلك وسائل ضغط اقتصادية أوسع، من خلال علاقاتها التجارية ومشروعات الطاقة والاستثمار مع العراق. ويتناول المقال خط الأنابيب العراقي الذي يمر عبر الأراضي السعودية باتجاه البحر الأحمر، المعروف باسم «آي بي إس إيه»، ويطرح تقييد الاستفادة من مسارات تصدير النفط ضمن الخيارات التي يمكن استخدامها للضغط على بغداد.
كما يقترح ربط التعاون المالي والتجارة الحدودية عبر منفذ عرعر ومشروعات الربط الكهربائي والاستثمارات الخليجية باتخاذ الحكومة العراقية إجراءات أكثر حسمًا ضد الفصائل المسلحة.
وتعكس هذه المقاربة تصورًا يجعل المصالح الاقتصادية للعراق مشروطة بقرارات أمنية تتوافق مع أولويات أطراف إقليمية أخرى. وهي مقاربة تنطوي على مخاطر، لأن الاقتصاد العراقي يعتمد بدرجة كبيرة على إيرادات النفط لتمويل النفقات العامة والرواتب والخدمات والمشروعات التنموية.
وقد يؤدي تعطيل طرق التصدير أو تقليص التعاون التجاري والاستثماري إلى زيادة الضغوط المالية على الدولة، من دون ضمان أن يؤدي ذلك إلى تحقيق الأهداف السياسية المعلنة. بل إن تراجع الموارد الاقتصادية قد يضعف قدرة الحكومة على تقديم الخدمات وتعزيز مؤسساتها، ويزيد الأعباء على المواطنين.
كذلك، فإن مصالح السعودية والأردن ودول الخليج ليست بالضرورة مطابقة للتصور الذي يطرحه الكاتب الإسرائيلي. فالعلاقات الاقتصادية الإقليمية تقوم على حسابات متبادلة، وأي سياسة ضغط واسعة قد تلحق أضرارًا بمصالح الأطراف المشاركة فيها أيضًا.
الكهرباء والغاز والمنشآت الحيوية تحت التهديد
يتجاوز المقال حدود الضغط الاقتصادي والدبلوماسي إلى طرح خيارات عسكرية إسرائيلية، تشمل استهداف قادة الفصائل المسلحة ومقار القيادة ومخازن الأسلحة، وصولًا إلى احتمال ضرب منشآت النفط والغاز وتوليد الكهرباء إذا لم تحقق العمليات المحدودة أهدافها.
وهنا تبرز أخطر جوانب التصور، إذ إن استهداف البنية التحتية الحيوية قد يحوّل المواجهة من عملية تستهدف جهات مسلحة إلى أزمة تطال قطاعات واسعة من المجتمع العراقي.
فالكهرباء عنصر أساسي في تشغيل المستشفيات ومحطات المياه والمصانع والمرافق العامة، والغاز يرتبط بإنتاج الطاقة والنشاط الصناعي، فيما تشكل صادرات النفط ركيزة رئيسية لإيرادات الدولة. وأي تعطيل واسع لهذه القطاعات قد ينعكس على الخدمات الأساسية والوظائف ومستويات المعيشة، ويزيد صعوبة معالجة الأزمات الاقتصادية القائمة.
كما أن استهداف المنشآت المدنية يثير مسائل قانونية خطيرة بموجب القانون الدولي الإنساني، بحسب طبيعة المنشأة والظروف المحيطة بالهجوم ومدى ارتباطها بأهداف عسكرية. ولا يمكن اعتبار البنية التحتية المدنية هدفًا مشروعًا لمجرد أن الضغط عليها قد يحرّك حسابات الحكومة السياسية.
ويذكر المقال أن واشنطن منحت الدولة اليهودية، بحسب تقارير، إذنًا بتنفيذ ضربات استباقية وانتقامية داخل الأراضي العراقية.
استراتيجية الضغط ومخاطر توسيع الصراع
تقوم الخلاصة التي يطرحها بولارد على وضع بغداد أمام خيارين: اتخاذ إجراءات حاسمة لنزع سلاح الفصائل المرتبطة بإيران، أو مواجهة ضغوط اقتصادية من دول الجوار بالتوازي مع احتمال استهداف منشآت عراقية من قبل إسرائيل.
لكن هذه المعادلة تتجاهل أن الضغط الخارجي لا يضمن بالضرورة النتائج السياسية المطلوبة. فقد يؤدي إلى زيادة التوتر، وتعقيد العلاقات العراقية مع جيرانه، وفتح المجال أمام ردود متبادلة، فضلًا عن إضعاف الاقتصاد الذي تحتاج إليه الدولة لتعزيز مؤسساتها الأمنية والخدمية.
كما أن حصر السلاح بيد الدولة، وهو ملف يرتبط باستقرار العراق وسيادته، لا يمكن معالجته بصورة مستدامة من خلال التهديد بتعطيل صادرات النفط أو ضرب منشآت الطاقة. فنجاح أي سياسة في هذا المجال يتطلب مؤسسات قادرة، وتوافقًا سياسيًا داخليًا، وإجراءات قانونية وأمنية واضحة، إلى جانب علاقات إقليمية تحترم استقلال القرار العراقي.
سيادة العراق ليست بيد الغطرسة الإسرائيلية
تكشف المقترحات الواردة في مقال جوناثان بولارد عن توجه نحو توظيف الأدوات الاقتصادية والجغرافية والعسكرية لتقليص النفوذ الإيراني في العراق، عبر ممارسة الضغوط على بغداد ودفعها إلى اتخاذ قرارات تتوافق مع الحسابات الأمنية الإسرائيلية. وهو طرح يثير تساؤلات جوهرية بشأن حدود التدخل الخارجي، ومحاولات تحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
إن سيادة العراق ليست ورقة بيد إسرائيل، ولا شأنًا تقرر مصيره العواصم الأخرى وفق مصالحها وحساباتها الاستراتيجية. فمن حق العراق أن يحمي أمنه، ويعزز سلطة مؤسساته الدستورية، وينظم ملف السلاح وفق قوانينه ومصالحه الوطنية، بعيدًا عن الإملاءات والتهديدات الخارجية، أيًا كان مصدرها.
كما أن معالجة التحديات الأمنية لا تمنح تل أبيب أو غيرها مبررًا للضغط على الاقتصاد العراقي، أو التلويح باستهداف منشآته الحيوية، أو السعي إلى توظيف علاقاته مع الأردن والسعودية ودول الخليج أداةً لإخضاع قراره السياسي. فالنفط والكهرباء والغاز والمنافذ الحدودية ليست أوراقًا في لعبة إقليمية، بل ركائز أساسية لاقتصاد العراق وحياة شعبه، وأي مساس بها قد يدفع المواطن العراقي ثمنًا باهظًا لصراعات لا مصلحة له في اتساعها.
ولا يمكن بناء استقرار حقيقي في المنطقة عبر فرض الإرادات أو التهديد بتدمير البنية التحتية أو استخدام المصالح الاقتصادية وسيلةً للعقاب السياسي. فمثل هذه المقاربات لا تعالج جذور الأزمات بقدر ما تهدد بتوسيعها، وتزيد احتمالات المواجهة، وتضع المدنيين والخدمات الأساسية في دائرة الخطر.
وفي المحصلة، يتجاوز السؤال الذي يطرحه مقال بولارد مسألة تقليص النفوذ الإيراني، ليطال جوهر السعي الإسرائيلي إلى فرض الوصاية على القرار العراقي ومصادرة حق العراقيين في تقرير شؤون دولتهم. فالعراق، بما يمتلكه من تاريخ وموقع وثروات، ليس ساحة مفتوحة لتنفيذ التصورات الإسرائيلية أو غيرها، ولا ينبغي أن يكون مستقبل اقتصاده وأمنه رهينةً لصراعات المحاور وحساباتها الإقليمية.
سيادة العراق ليست رهينة الغطرسة الإسرائيلية، وقراره الوطني ليس ملكًا لأي قوة تسعى إلى رسم مستقبل البلاد وفق مصالحها الخاصة.
المصدر
كيف يمكن لإسرائيل وجيرانها العرب خنق وكلاء إيران في العراق؟، إسرائيل ناشيونال نيوز، 11 أكتوبر تشرين الأول 2026.
https://www.israelnationalnews.com/news/434442
انتهى




