
أرض الرحالية وشعبها في العصر الحديث
تُعد ناحية الرحالية كياناً إدارياً حديثاً استُحدث بمرسوم جمهوري عام 1974، إلا أن الرقعة الجغرافية التي تضمها حدودها كانت واحةً مأهولةً ومحطةً للقوافل منذ قرون طويلة؛ وهي رقعة ساهمت في تشكيل هوية جنوب شرق الأنبار، وكما هو الحال في العراق كله، فقد كان التنوع – سواء في التضاريس أو الموارد أو – وقبل كل شيء – في التركيبة السكانية – السمةَ الأبرز لهذه الأرض وسكانها الذين يشكلون الرحالية المعاصرة.
إرث الماضي
تتمتع الرحالية بإرث تاريخي يمكن الاستناد إليه في صياغة هويتها المحلية. وثمة ثلاثة عناصر من هذا الماضي لعبت الدور الأهم في تشكيل الذاكرة الجمعية لأهلها.
أولاً: نشأة الاسم والواحة: الرحالية واحة خضراء استولدها الرجال من بطن الصحراء بعد مخاض عسير. وسُميت بهذا الاسم لأنها كانت تتردد إليها مجاميع من أصحاب الماشية الرحّالة يأتون إليها تارة ويرحلون عنها تارة أخرى حتى عُرفوا بالرّحاحلة ثمّ حُرّفت إلى الرّحالية، وفي رواية أُخرى سُميت لأنها كانت تأوي الناس الرُّحَل الذين يمرون بالصحراء.
أول من استوطنها هم السادة الحَسنية الهواشم بزعامة الأخوين: علي بيگ وسليمان بيگ اللذينِ جاءا مهاجرين من الحجاز بسبب المعارك الطاحنة بين العلويين والعباسيين، فهما أول من سكن الرحالية.
ذُكرت الرحالية مبكراً في كتب التاريخ، فجاء ذكرها في حوادث سنة 1152هـ – 1739م عندما توجه جيش بقيادة سليمان باشا نحو هيت وجيش آخر باتجاه الرحالية، كما ذكرها العالم اللغوي أنستاس ماري الكرملي في مجلة لغة العرب أن النواحي التي كانت ترتبط بلواء الرمادي ناحيتان واسعتان هما الرحالية وهيت.
ثانياً: الأرض – الواحة الخضراء في وسط الصحراء
تقع الرحالية في الجنوب الشرقي من محافظة الأنبار، غربي بحيرة الرزازة، في قلب الصحراء إلى الجنوب الشرقي من المحافظة. ومساحتها 2635 كم2، وترتفع 30م عن سطح البحر، وتاريخ تأسيسها الإداري العثماني يعود إلى 1876م.
يحيط بها النخيل من جهاتها الشمالية والجنوبية والشرقية، أما الغربية فهي مفتوحة ممتدة إلى عمق الصحراء حتى الحدود السعودية، وكأنها تفتح ذراعيها لاستقبال القوافل العربية. ولذلك لُقبت بـ “الواحة الخضراء في وسط الصحراء”.
بموجب السند العثماني (لواء بغداد – قضاء الدليم – ناحية الرحالية) ضمن المقاطعة 47، يحدها من الشمال وادي ثميل، ومن الجنوب أبواب شثاثة شرق قصر البردويل، ومن الشرق بحيرة الرزازة، ومن الغرب تلال أبو نهيدين.
أرضها جزء من الهضبة الغربية، سطحها متباين بين التموج والاستواء، وتربتها جبسية مختلطة تحوي ملح الطعام الصخري النقي، وتحوي وديانها الحصى والرمل مثل وادي الغدف الذي يبلغ مجموع جريانه السنوي 386 مليون متر مكعب. وقد تأكد وجود النفط الخام المنساب على سطح الأرض في إحدى مقاطعاتها.
سر الحياة فيها كان عيون الماء. تقع الواحة على خط العيون الممتد من هيت إلى السماوة. ومن أشهرها عين الزرقاء التي تسقي أكثر من ثلاثة أرباع نخيل الرحالية، ويبلغ تصريفها 5600 غالون / دقيقة، وعين البخيتي نسبة إلى بُخيت أحد أجداد السادة البيگات، وعين جفة وعين البخيتي، بالإضافة إلى عيون السودة والفياضية وأبيرة والعوينة والعالية وغيرها. وتمتاز مياهها بصلاحيتها للعلاج وخاصة الأمراض الجلدية لاحتوائها على كبريتيد الهيدروجين.
اقتصادياً، تمتاز الرحالية بكثرة النخيل وتنوع التمور؛ لأنها تقع داخل واحة يغطي النخيل معظم مساحتها المزروعة والبالغة 64352 دونم. يبلغ إنتاجها السنوي 12-14 ألف طن من أجود الأنواع مثل الزهدي والخستاوي والبربن وعوينة أيوب وأم بلاليز وغيرها. ويعتمد أهلها على الزراعة والصيد وتربية المواشي كمصدر دخل أساسي، بالإضافة إلى مقالع الرمل حيث تضم نحو 20-25 معملاً لإنتاج الرمل.
ثالثاً: الشعب – المصاهرة والترابط
يبلغ تعداد سكانها 3139 نسمة في عام 2008 بكثافة 1.8 نسمة / كم2، ويرتفع اليوم إلى أكثر من 16 ألف نسمة بحسب التقديرات المحلية.
تسكنها عشائر عربية عدة، منها البيگات حفدة علي بيك، وآل شاهر حفدة سليمان بيك، والحروب (لديهم نسب حسيني)، وآل شديد والبو جادر والحِجاج، والبو شبل، وبيت دوخي وبيت دويحس.
وأهم ما يميز عشائر الرحالية أنهم تصاهروا فيما بينهم، فلا تكاد تجد عائلة إلا لها قرابة نسب وخؤولة مع جميع العشائر فيها. ومن لم يكن ابن عم لك، فهو ابن خال، ولا تكاد تجد ذلك إلا في الرحالية. اجتماعياً، يشاركون بعضهم الأفراح والأحزان، إذا مات شخص يجتمع سكان المنطقة ويعطلون أعمالهم.
الرحالية في القرن الحادي والعشرين: مصدر قوة وتحدٍ
وكما هو الحال في العراق كله، مثّل تنوع الرحالية مصدر قوة وتحدياً في آن واحد. فاستثمار مواردها الغنية – بدءاً من وديان الأنهار الخصبة ووصولاً إلى عيونها والنفط الكامن – واستيعاب خليط الشعوب القاطنة في هذه الواحة، كان الشغل الشاغل لقادتها.
اليوم، تعاني الواحة التي كانت خضراء يقصدها الرحالة من الإهمال وشح المياه. فقد جفت هذه العيون وصار الناس يعتمدون على حفر الآبار الارتوازية، وتراجعت زراعة النخيل بسبب غياب الطائرات المخصصة لرش المبيدات وجفاف العين الزرقاء التي كانت تروي نصف بساتينها، والحياة الزراعية اليوم منعدمة والمياه شحيحة والكهرباء ضعيفة لا تعمل إلا بالرافعات.
ومع ذلك، تبقى الرحالية شاهداً حياً على مقولة أن العراق أرض التنوع؛ واحة ولدت من الصحراء، احتضنت الرحالة، ثم استقر فيها الناس ليصنعوا نموذجاً فريداً للتعايش القائم على النسب والمصاهرة، في قلب واحدة من أقسى بيئات العراق وأكثرها كرماً في آن واحد.






