
حسن هادي
ليست العائلات العريقة بما تمتلكه من وجاهة اجتماعية ومكانة عشائرية فحسب، بل بما تقدمه من رجال يترجمون انتماءهم إلى الوطن مواقفَ وتضحيات، ويجعلون من المسؤولية شرفًا، ومن خدمة العراق واجبًا لا يقبل المساومة.
ومن هذا المنطلق، تبرز عائلة بيت سليمان الزهيرية ، بما عُرف عنها من مكانة عشائرية واجتماعية، وبما قدمه أبناؤها من خدمات في المؤسسة العسكرية العراقية، نموذجًا لأسرة ارتبط اسم عدد من أبنائها بالرتب العسكرية الرفيعة والتضحيات الوطنية.
اذ ينتمي الفريق الركن عماد ياسين الزهيري إلى قبيلة عراقية عربية عريقة، وتحديدًا إلى عشيرة أشرفة، وقد نشأ في كنف أسرة ذات سمعة طيبة ومكانة اجتماعية ووجاهة عشائرية… ؛ وهي بيئة ارتبطت، بحسب ما يُروى عن تاريخ العائلة، بقيم الكرم والجود والشجاعة والشهامة، فضلًا عن الاعتزاز بالأرض والانتماء إلى العراق.
وقد شهدت هذه الأسرة نشأة عدد من الرجال الذين خدموا في صفوف الجيش العراقي، وتقلدوا رتبًا عسكرية متقدمة، وأسهموا في أداء الواجبات الملقاة على عاتقهم في مراحل مختلفة من تاريخ البلاد… ؛ وفي مقدمة هؤلاء الفريق الركن عماد ياسين الزهيري، الذي يمثل اسمه امتدادًا لحضور العائلة في المؤسسة العسكرية، بما تحمله الخدمة العسكرية من مسؤولية وطنية وانضباط وتفانٍ في أداء الواجب.
ولم تقتصر إسهامات الأسرة على شخص واحد، بل برز بين أبنائها الشيخ اللواء طه ياسين سيد سلمان الزهيري، والشيخ المرحوم ياسين سيد سلمان جبار الزهيري، والشيخ أركان ياسين سيد سلمان الزهيري، شيخ عشيرة أشرفة/بيت سليمان، فضلًا عن الضابط إياد عماد ياسين الزهيري، وغيرهم ممن ارتبطت أسماؤهم بالعائلة ومكانتها الاجتماعية والعشائرية.
ولعل أكثر صفحات هذا التاريخ إيلامًا واعتزازًا ما يتصل بالشهيد الشيخ اللواء عطا ياسين سيد سلمان الزهيري، الذي قدم حياته في سبيل الوطن… ؛ فالشهادة ليست مجرد اسم يُضاف إلى سجل العائلة، بل تضحية تختصر أسمى معاني الوفاء، وتضع أمام الأجيال مسؤولية صون ذكرى الذين بذلوا أرواحهم دفاعًا عن العراق… ؛ ومهما اختلفت المواقع والرتب والمسؤوليات، تبقى تضحيات الشهداء من أكثر الصفحات رسوخًا في الذاكرة الوطنية، لأنها تذكّر بأن حماية الأوطان قد تتطلب من أبنائها أغلى ما يملكون.
وفي بلد واجه الإرهاب ومرَّ بظروف أمنية وعسكرية قاسية، اكتسبت الخدمة في القوات المسلحة العراقية أهمية استثنائية؛ إذ لم تكن مجرد وظيفة أو مسار مهني، بل مسؤولية ترتبط بأمن المواطنين وسلامة المجتمع واستقرار الدولة… ؛ ومن هنا، فإن الحديث عن أبناء العائلة الذين خدموا في الجيش العراقي وخاضوا المواجهات ضد الإرهاب، دفاعًا عن الوطن، هو حديث عن جانب من التضحيات التي قدمها العراقيون في سبيل حماية بلادهم من أخطار العنف والتطرف.
إن الرتب العسكرية، مهما علت، لا تستمد قيمتها الحقيقية من الألقاب وحدها، بل من المسؤولية التي تقترن بها، ومن المواقف التي تثبت أن صاحبها جدير بما أُوكل إليه من مهام… , كما أن الانتماء العشائري لا تكتمل دلالته بمجرد الانتساب إلى عشيرة عريقة، وإنما يتجسد في صيانة كرامة الناس، وإغاثة المحتاج، واحترام القانون، وتغليب المصلحة الوطنية على المصالح الضيقة.
وعُرفت عائلة سيد سلمان الزهيرية ، وفق الصورة التي يقدمها أبناؤها ومحيطها الاجتماعي، بالكرم والجود والشجاعة والشهامة، وهي قيم تكتسب معناها الأسمى عندما تتحول إلى سلوك عملي يخدم المجتمع، ويعزز التماسك بين أبنائه، ويكرس روح التضامن والتكافل… ؛ فالعائلات ذات المكانة الاجتماعية مطالبة بأن تجعل من وجاهتها وسيلة للإصلاح، ومن نفوذها الاجتماعي بابًا لحل النزاعات، ومن تاريخها حافزًا للأجيال الجديدة على تحمل المسؤولية وخدمة الناس.
إن العراق، وهو يستعيد عافيته بعد عقود من الحروب والأزمات والإرهاب، بحاجة إلى استحضار النماذج التي تجعل من خدمة الوطن قيمة عليا، بعيدًا عن المبالغة في الألقاب أو تحويل الأمجاد العائلية إلى امتيازات تتجاوز حقوق الآخرين.. , فالوطن يتسع لجميع أبنائه، وتتعزز مكانة كل أسرة بما تقدمه من عمل نافع وتضحيات ومواقف مسؤولة، لا بمجرد اسمها أو تاريخها.
وهكذا، فإن سيرة عائلة سيد سلمان الزهيرية ، بما يرتبط بها من حضور عشائري ومشاركة عسكرية وتضحيات منسوبة إلى أبنائها، تفتح الباب أمام الحديث عن علاقة العشيرة بالدولة، وعن دور الأسرة في ترسيخ قيم الانتماء والانضباط وخدمة المجتمع.. , ويبقى الوفاء الحقيقي لهذه السيرة في حفظ ذكرى الشهداء، وتقدير جهود من خدموا العراق، وتشجيع الأجيال المقبلة على مواصلة طريق العمل الوطني المسؤول.
فالرجال يرحلون، والرتب تتغير، والمناصب لا تدوم، لكن ما يبقى في ذاكرة الأوطان هو أثر الرجال في حياة الناس، وما قدموه لبلادهم، وما تركوه من قيم ومواقف تستحق أن تُروى للأجيال.. , ومن هنا، فإن أسمى ما يمكن أن تتوارثه عائلة عريقة ليس المجد بوصفه حكاية عن الماضي فحسب، بل المسؤولية عن المستقبل؛ ليظل اسم العراق أكبر من كل الأسماء، وتظل خدمته الشرف الذي تتلاقى عنده العشائر والمؤسسات والمواطنون.


