
د. فاضل حسن شريف
جاء في صوت الأمة العراقية عن صدام والبعث ثلاثون عامًا من تدمير العراق، حتى اعترف المجرم برزان بحجم الكارثة للكاتب رياض سعد: ليس من السهل أن يُدمَّر بلد بحجم العراق، بما يمتلكه من ثروات بشرية وطبيعية، وإرث حضاري، وموقع جغرافي، وإمكانات اقتصادية، من دون أن تكون هناك سياسات وقرارات وممارسات تراكمت على مدى سنوات طويلة، وأسهمت في استنزاف موارده، وتحطيم مؤسساته، وإضعاف مجتمعه، وتبديد فرص أجياله، والأشد إيلامًا أن يتحول هذا الخراب، بعد كل ما خلّفه من مآسٍ، إلى موضوع للحنين والتجميل والتبرير، حتى يصف بعضهم عهد السفاح صدام وحزب البعث الاجرامي بـ(الزمن الجميل)، متجاهلين أن ما يلمع في ذاكرة البعض قد يكون، بالنسبة إلى ملايين العراقيين، زمنًا مثقلًا بالخوف والحروب والفقدان والحرمان. ولعل من الشهادات التي تستحق التوقف عندها في هذا السياق ما أورده طاهر توفيق العاني في كتابه (انهيار العراق المفاجئ وتداعياته)، بشأن حديث منسوب إلى برزان إبراهيم الحسن شقيق صدام، أحد أبرز الشخصيات المرتبطة بالنظام الصدامي، خلال فترة اعتقالهما في معسكر كروبر. يقول العاني، بحسب ما نقله في كتابه، إن برزان قال له، وكرر ذلك أمام المعتقلين عدة مرات: (لو استلم العراق الموساد الصهيوني ثلاثين عامًا وعمل بحرية تامة لتخريبه، لما جرى مثل هذا السوء الذي حصل زمن حكم الحزب وما أعقبه). ويضيف العاني أن برزان اعترف بأنه كان يدفع باتجاه الإسراع بتنحية أحمد حسن البكر، وأنه عدَّ ذلك خطأً كبيرًا، مشيرًا إلى أنه لو كان يمتلك النضج الذي أصبح عليه لاحقًا، لما وافق على تنحيته. إننا، أمام هذه الرواية، لسنا إزاء عبارة عابرة فحسب، بل أمام شهادة منسوبة إلى شخصية كانت قريبة من دوائر السلطة، وتستحق القراءة والتحليل، لما تنطوي عليه من دلالات تتعلق بتقييم التجربة البعثية، وبمسؤولية أركان النظام عن المسار الذي انتهى إليه العراق.
يعد الباحث والكاتب رياض سعد من الكُتّاب غزيراً ومواظباً جداً في إنتاجه المقالي والدراسات التحليلية. وتتجلى غزاوة إنتاجه في عدة مظاهر أساسية: السلاسل الممتدة: لا يكتفي بكتابة مقالات منفردة، بل ينشر دراساته غالباً في سلاسل مقالية متعددة الأجزاء تتجاوز أحياناً العشرات من المقالات المترابطة (مثل سلسلة “ثروة العراق المهدورة”، وسلسلة “سادية النظام البعثي”). النشر الدائم في المنصات الصحفية: ينشر مقالاته بشكل أسبوعي شبه يومي في العديد من الصحف والشبكات والمواقع الثقافية والسياسية العراقية والعربية (مثل صحيفة صوت العراق، وموقع الحوار المتمدن، وموقع كتابات، وموقع مانكيش نت وغيرها). تنوع القضايا المطروحة: تتطرق كتاباته اليومية إلى المواضيع التاريخية، النقد السياسي، السوسيولوجيا العراقية، الاقتصاد، إضافة إلى الشؤون الثقافية والتربوية والاجتماعية المستجدة في الشارع العراقي.
جاء في صوت الأمة العراقية عن العراقي الأصيل في قبضة الحرب والاستبداد: قراءة في اضطهاد أهل الجنوب والشيعة في عهد النافق صدام ايام الحرب العراقية الايرانية للكاتب رياض سعد: لم تكن ثمانينيات القرن العشرين في العراق مجرد عقدٍ من الزمن مرّ وانقضى، بل كانت مرحلةً تاريخية مثقلة بالجراح والدموع والخسارات الإنسانية الكبرى، فقد عاش العراقيون، ولا سيما أبناء الجنوب والوسط والطبقات الشعبية الواسعة، تحت وطأة نظام سياسي جعل من الحرب أداةً للسيطرة، ومن الولاء الشخصي والحزبي معياراً للنجاة، ومن الاختلاف الطائفي والمناطقي مدخلاً للتمييز والإقصاء. لقد كان الشاب العراقي في تلك الحقبة يعيش بين احتمالين كلاهما مرّ: أن يُرسل إلى جبهات القتال التي لا تنتهي، أو أن يقع تحت سطوة الأجهزة الأمنية إذا عبّر عن رأي مخالف أو وُسم بتهمة سياسية. فالحرب العراقية الإيرانية التي بدأت عام 1980 واستمرت ثماني سنوات لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين، بل تحولت في الداخل العراقي إلى آلة استنزاف بشرية هائلة، أكلت أعمار جيل كامل، وحوّلت ملايين الشباب إلى وقود للمعارك. كان الشاب الذي يبلغ سن الخدمة العسكرية يُدفع إلى الجبهة، حاملاً بندقيته وسط ظروف قاسية، في مواقع تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، بين الحر والبرد والطين والخوف وانتظار الموت. كثيرون ذهبوا وهم يحملون أحلامهم وشهاداتهم ومستقبلهم، ثم انتهوا بين قتيل أو جريح أو أسير أو مفقود، فيما بقيت عوائلهم سنوات طويلة معلقة بين الأمل واليأس بانتظار خبر عن مصير أبنائها. لكن المأساة لم تكن واحدة عند جميع العراقيين؛ فقد ارتبطت في كثير من الأحيان بانتماءات اجتماعية ومناطقية وطائفية، فقد عانى أبناء الجنوب والوسط، الذين يشكلون شريحة واسعة من المجتمع العراقي، من شعور عميق بالتهميش والتمييز في ظل هيمنة قيادات عسكرية وحزبية ارتبطت بصورة كبيرة بالمناطقية والطائفية، ولا سيما مع صعود نفوذ أبناء مدينة تكريت والمقربين من دائرة السلطة. لم يكن الأمر متعلقاً بأصل جغرافي بحد ذاته، فالعراقيون جميعاً أبناء وطن واحد، وإنما بالمشكلة التي نتجت عن تحويل الانتماء المناطقي والعشائري والطائفي إلى أداة نفوذ داخل الدولة، بحيث أصبحت فرص القرب من السلطة والامتيازات العسكرية والأمنية مرتبطة أحياناً بالولاء الشخصي والقرابة السياسية، بينما شعر كثير من أبناء المناطق الأخرى بأنهم يدفعون الثمن الأكبر في الحروب والمواجهات.
جاء في صوت الأمة العراقية عن سقوط الصنم: تفكيك بنية النظام الصدامي بوصفه مشروعاً غريباً وإعادة قراءته في ضوء جدلية ألف مفخخة ولا صدام للكاتب رياض سعد: بعد هزيمة العراق في حرب الخليج الثانية عام 1991، اندلعت الانتفاضة الشعبانية في جنوب العراق وشماله، حيث انتفض الشعب العراقي ضد نظام البعث، وكانت هذه الانتفاضة تعبيراً عن غضب متراكم عبر سنوات من القهر والاستبداد، لكن النظام البعثي، بقيادة صدام، رد بقمع وحشي غير مسبوق، اذ قُتل في هذه الانتفاضة مئات الآلاف من العراقيين، حيث استهدف النظام البعثي المدنيين العزل بعمليات انتقام جماعية واسعة النطاق…. وقد نزح ما يقرب من مليوني لاجئ، وتم تجفيف وتدمير أهوار العراق، وهي واحدة من أقدم الحضارات البيئية في العالم، في عملية إبادة بيئية وبشرية متعمدة. لقد وثّقت التقارير الدولية كيف استخدمت قوات النظام الدبابات والطائرات والصواريخ والمدفعية الثقيلة لقصف المدن والمراقد الدينية، بما في ذلك قصف مرقدي الحسين والعباس في كربلاء. الحصار الاقتصادي: موت بطيء لأطفال العراق. بعد حرب الكويت في آب 1990، فُرض حصار اقتصادي شامل على العراق بموجب قرار مجلس الأمن رقم 661، واستمر هذا الحصار الجائر ثلاثة عشر عاماً (1990-2003)، وكانت حصيلته كارثة إنسانية مروعة. اذ تشير التقارير إلى وفاة 1.6 مليون عراقي بسبب الحصار، من بينهم 667,773 طفلاً دون الخامسة من العمر، بسبب النقص في الأدوية والغذاء، وقد تضاعفت نسبة وفيات الأطفال الرضع من 37 بالألف عام 1989 إلى 120 بالألف عام 1991، كما تشير تقديرات أخرى إلى وفاة أكثر من نصف مليون طفل عراقي في الفترة ما بين 1991 و1995 وحدهما، بمعدل 4000 طفل شهرياً.
كل من يقول زمن صدام والبعث جميل سيكون مسؤول أمام الله تعالى الإمام أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي رحمه الله في كتاب “التبيان في تفسير القرآن” عند تفسير الآية الكريمة “وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا” (الإسراء 36) تفاصيل عميقة ومباحث جليلة تعكس دقة المنهج التفسيري واللغوي والاعتقادي للشيخ حيث يستهل الشيخ تفسيره ببيان السياق القرآني المتصل بالوصايا والأخلاق العظيمة والأحكام العملية التي تضمنتها سورة الإسراء من النهي عن القتل والزنا وقرب مال اليتيم ووفاء الكيل، موضحاً أن قوله تعالى “وَلَا تَقْفُ” (الإسراء 36) مأخوذ من القفو وهو تتبع الأثر، والمعنى لا تتبع ما ليس لك به علم ولا تقل ما لا تعلم ولا تشهد بما لم تحطه خبراً، لأن القافية سميت بذلك لأنها تتبع البيت، ثم ينتقل الشيخ إلى تحليل قوله تعالى “مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ” (الإسراء 36) شارحاً تحريم القول بالظن وتهميش الأبرياء والشهادة بغير حق أو القول بغير يقين في الدين أو الأعراض، مؤكداً أن الإنسان مكلف بأن لا يتبع إلا ما علم صحته بالبرهان أو السماع الصحيح، ثم يقف الشيخ الطوسي عند قوله تعالى “إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ” (الإسراء 36) مبيناً أن هذه الجوارح الثلاثة هي أدوات اكتساب المعرفة والعلوم، وأن تخصيصها بالذكر يعود إلى كونها المنافذ الكبرى التي يصل بها الإنسان إلى الخير أو الشر، ثم يخوض الشيخ في توجيه قوله تعالى “كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا” (الإسراء 36) شارحاً أن اسم الإشارة “أولئك” استُعمل لغير العليم تنبيهاً على تعظيمها وكأنها عُوملت معاملة ذوي العقول لما كُُلّفت به وحُمّلت من المسؤولية، وأن العبد يُسأل يوم القيامة عما سمع وعما أصر وبصر وعما عقد عليه قلبه وفؤاده، هل استعملها في طاعة الله أم في معصيته واتباع الظن الباطل، وبذلك يخلص الشيخ الطوسي إلى أن الآية الكريمة تمثل أصلاً عظيماً في وجوب التحري والتثبت وتحريم القول بغير علم، وتأكيداً على محاسبة الإنسان عن جوارحه وأعماله يوم القيامة.



