
طلال قصاب اغلو
بقلم الكاتب و المحلل السياسي : طلال قصاب اغلو
أولاً الانقسام العقائدي تنقسم إلى ثلاثة انقسامات
أ. الفكر القومي المتزمتة
ب. الفكر القومي اليساري
ج. الفكر القومي اليميني
ثانيا . الانقسام الطائفي تنقسم إلى ثلاثة انقسامات .
أ. الفكر الصوفي السني
ب. الفكر الشيعي
ج. الفكر السلفي
بحث ومقالة تحليلية في الانقسامات التركمانية في العراق
دراسة في البنية العقائدية والطائفية
مقدمة
يشكل التركمان المكون القومي الثالث في العراق بعد العرب والكرد، ويتركزون تاريخيا في حزام يمتد من تلعفر الى كركوك واربيل وصولا الى خانقين ومندلي. رغم هذا العمق التاريخي، عانى المشهد التركماني من أزمة تمثيل مزمنة، سببها الأساسي ليس قلة العدد بل تعدد الولاءات وتشظي القرار.
يمكن فهم الانقسام التركماني الحالي على مستويين مترابطين.
1 .انقسام عقائدي – سياسي على مستوى الفكر القومي
2. انقسام طائفي – ديني على مستوى المذهب
وهذان المستويان تداخلا بعد 2003 بشكل كبير، فأنتجا ما يوصف اليوم بـ (أزمة الهوية والاندماج) التركمانية.
أولاً: الانقسام العقائدي – الانقسام على مستوى الفكر القومي
رغم اتفاق كل التيارات على تركمانية الهوية، إلا أن طريقة فهم هذه الهوية وتوظيفها سياسيا انقسمت الى ثلاثة تيارات كبرى
أ. الفكر القومي المتزمت – التيار القومي الراديكالي
هذا التيار يرى أن القضية التركمانية هي قضية وجود مهدد بالانقراض، وبالتالي لا مجال للمساومة.
يتميز بـ
الخطاب: خطاب دفاعي حاد، يركز على خطر التعريب قبل 2003 والتكريد بعده، ويرى كركوك قضية مصيرية لا تقبل الفيدرالية الكردية .
المرجعية: يستند بشكل مباشر الى تركيا كعمق قومي وحامي للمكون، ويرفض أي تحالف مع القوى عربية كردية أوسنية شيعية على حساب الهوية.
التمثيل السياسي: تمثله تاريخيا أحزاب تأسست في مناطق حظر الطيران بعد 1991 مثل الحزب الوطني التركماني العراقي و حزب تركمن إيلي كحزب تركماني موحد.
نقطة ضعفه: اتهامه من قبل التيارات الأخرى بالتبعية لأنقرة وعرقلة اندماج التركمان في الدولة العراقية.
ب. الفكر القومي اليساري – التيار التقدمي
ظهر هذا التيار متأثرا بالحركات اليسارية والطلابية العراقية في السبعينيات. أبرز مثال له تأسس في عام 1971 وتزامن مع الإضراب الطلابي والشعبي العام للتركمان.
خصائصه:
يرى القضية التركمانية جزءا من قضية ديمقراطية وطنية عراقية عامة، وليست قضية قومية منعزلة.
يدعو الى علمانية الدولة ويرفض توظيف الدين في السياسة التركمانية.
كان قريبا من القوى اليسارية العراقية، وآمن بالتعايش في التركمانية ضمن مشروع عراقي تعددي.
هذا التيار هو الذي انقسم مبكرا بعد انتفاضة 1991 الى فصيل موالٍ للأكراد و فصيل قومي موالٍ لتركيا.
ج. الفكر القومي اليميني – التيار المحافظ
هو التيار الأوسع انتشارا حاليا ويمثله الجبهة التركمانية العراقية كائتلاف أحزاب، و الحركة القومية التركمانية التي تعرف نفسها كحركة قومية يمينية.
خصائصه:
محافظ اجتماعيا، قومي سياسيا، وبراغماتي في التحالفات.
يقبل بالعملية السياسية بعد 2003 ويطالب بحقوق دستورية كقومية ثالثة، وقد استفاد من قانون الأحزاب الذي عامل التركمان كقومية ثالثة.
يدعو الى وحدة الصف التركماني عبر قوائم موحدة، كما يظهر في خطاب “جبهة تركمان العراق الموحد” التي تقول انها تمثل التركمان بشكل موحد وشامل.
مشكلته الأساسية: رغم دعوته للوحدة، فهو نفسه يعاني من تشظٍ كبير. المشهد التركماني في أربيل وحدها يتوزع على ما يقارب أربعة عشر حزبا وتجمعا سياسيا رغم صغر الحجم السكاني، وهو ما تحول من علامة ديمقراطية الى أزمة حقيقية أثرت في وحدة القرار.
ثانيا: الانقسام الطائفي – المعضلة الأخطر
هذا الانقسام هو الذي فاقم كل الانقسامات الأخرى بعد 2003.
كما يقول الباحثون زاد الانقسام الطائفي داخل الجماعة التركمانية من فداحة أوضاعهم وكان من بين أسباب ما يعتبره السياسيون التركمان تهميشا سياسيا.
أ. الفكر السني الصوفي – التيار السني القومي
يشكل الأغلبية الديمغرافية للتركمان (كركوك، أربيل، الموصل)
يتمسك بالهوية التركمانية أولا والمذهب السني ثانيا، ويرفض الذوبان في المشروع السني العربي.
يتهم بأنه همش بعد 2003 لأن القيادات السنية انشغلت بهموم حصصها وشراكتها التي ظلت مهزومة على مدى عمر العملية السياسية.
سياسيا يميل الى الجبهة التركمانية والتحالف مع تركيا.
ب. الفكر الشيعي – التيار الشيعي التركماني
يتركز في تلعفر، طوزخورماتو، آمرلي، وبعض أحياء كركوك .
بعد 2003 انقاد قسرا الى الزعامات والأحزاب الشيعية، حيث عليه أن يوالي الأحزاب الشيعية.
يتمثل سياسيا في مجموعتين: الاتحاد الاسلامي لتركمان العراق، والوفاء التركماني، وكلاهما أعلن انضمامه الى التحالف الواسع للمجموعات الشيعية. عسكريا: كثير من تشكيلاته انضمت الى الحشد الشعبي وفصائل تركمانية شيعية أخرى ضمنه.
هذا الانقسام جعل التركماني الشيعي يصوت للقوائم الشيعية الكبرى، والسني يصوت لقوائم أخرى، فتشتت الأصوات وضاع منصب نائب رئيس الجمهورية الذي كان من حصة التركمان في 2010.
ج. الفكر السلفي – التيار السلفي التركماني
تيار حديث نسبيا، نشأ بعد الانفتاح الديني عقب 2003 وتأثر بالمدارس السلفية القادمة من دول الخليج العربي.
يرفض الفكر القومي برمته ويعتبره عصبية جاهلية، ويركز على نقاء العقيدة السنية.
وقليلا ما يشارك في الانتخابات القومية في الغالب. يتمركز في مساجد محددة في كركوك والمناطق السنية وشمال العراق، وله تأثير اجتماعي أكثر من السياسي.
حيث يسحب الشباب التركماني السني من الحاضنة القومية الى حاضنة دينية متجاوزتا للقوميات، مما يضعف التمثيل القومي السني.
الخلاصة والاستنتاج: لماذا تاهت السفينة التركمانية؟
كما وصفت إحدى الدراسات: السفينة التركمانية تاهت بين أمواج السياسة العراقية المتلاطمة، وزادت التفكك بين الأحزاب التركمانية مع مرور الأيام.
الانقسام العقائدي (متزمت – يساري – يميني) أدى الى تعدد الأحزاب، والانقسام الطائفي (سني صوفي – شيعي – سلفي) أدى الى تشتت الأصوات بين التحالفات الشيعية والسنية والكردية.
النتيجة:
1.ضياع التمثيل: التركمان كانوا قوة متوازنة قبل 2003 لأن قياداتهم لم تعرف عنها مواقف عنصرية متشنجة أو دينية مذهبية بل كانت دعواتها منسجمة مع التيار الوطني العراقي الليبرالي، لكن بعد 2003 انقسموا قسرا.
2. مشكلة المسار: مشكلة التركمان هي عدم وضوح مسارهم فتارة يعتبرون انفسهم ثالث قومية وتارة يعتبرون انفسهم طائفة دينية ما يؤدي الى ذوبان هويتهم القومية.
التوصية البحث:
لتجاوز هذه الانقسامات، تحتاج الحركة التركمانية الى :
عقد اجتماعي تركماني جديد: يفصل بين الهوية القومية (التي توحد الجميع) والانتماء المذهبي (الذي يحترم كخيار شخصي).
حزب قومي واحد جامع: دمج الـ 14 حزبا في كيانين كبيرين على الأكثر (يمين محافظ ووسط تقدمي) بدل التشظي.
حياد كركوك: إبقاء كركوك مدينة للتعايش وعدم رهنها بمحور طائفي أو قومي واحد .
إنشاء مجلس تركماني موحد بفكر تشريعي هو الحل الجذري الوحيد للخروج من أزمة الـ 14 حزباً والانقسام العقائدي والطائفي الذي تحدثنا عنه.
الفكرة ليست إنشاء حزب جديد، بل إنشاء برلمان مصغر للتركمان فوق الأحزاب، يمثل المرجعية التشريعية والقانونية العليا للقومية التركمانية في العراق.
شرح الفائدة على
5 مستويات:
1.الفائدة التشريعية – القانونية: تحويل التركمان من طائفة الى قومية لها شخصية معنوية.
حالياً التركمان يتعاملون مع الدولة كأفراد متفرقين في أحزاب سنية وشيعية. المجلس الموحد سيعطي:
أ. شخصية قانونية: يصبح للتركمان كيان واحد مسجل رسمياً وفق المادة 125 من الدستور التي تضمن حقوق القوميات، يمكنه رفع دعاوى أمام المحكمة الاتحادية ضد سياسات التعريب والتكريد والتهميش في كركوك.
ب. سلطة تشريع داخلي: المجلس يسن “القانون الأساسي للتركمان” – يحدد من هو التركماني، ما هي حقوق اللغة، كيف يتم اختيار ممثلي كركوك وتلعفر وطوز وبقية ارجاء تركمان ايلي، ويمنع أي حزب من التنازل عن اي قضية تمس التركمان سياسيا او جغرافيا دون موافقة المجلس.
ج. توحيد الخطاب في بغداد وأربيل: بدل أن يذهب 3 نواب تركمان سنة مع السنة، و 2 شيعة مع الإطار، يذهب وفد واحد باسم المجلس يفاوض على حصة التركمان من الموازنة والمناصب ككتلة قومية ثالثة، وهذا ما نص عليه قانون الأحزاب الذي اعتبر التركمان قومية ثالثة.
. 2. الفائدة السياسية: إنهاء الانقسام العقائدي الثلاثي الذي ذكرت
المجلس الذي تقترحه بفكر تشريعي سيستوعب الانقسامات الثلاثة التي حددتها
المتزمت: يجد ضمانة أن الهوية لن تباع، لأن أي اتفاق سياسي يجب أن يمر بتصويت ثلثي المجلس.
وعليه :
اليساري: يجد منصة علمانية ديمقراطية تمثل التنوع، وليست تابعة لتركيا فقط.
اليميني المحافظ: يجد مظلة تحافظ على الجبهة التركمانية لكن تمنع تفردها بالقرار.
وكذلك يحل الانقسام الطائفي:
السني الصافي والشيعي والسلفي: يجلسون في قاعة واحدة ليس كسنة وشيعة، بل كتركمان.
المجلس يمنع منعاً باتاً التصويت على أساس طائفي، والقرارات تتخذ على أساس قومي فقط. هذا ينهي حالة أن التركماني الشيعي عليه أن ينقاد للزعامات الشيعية والسني للزعامات السنية.
3. الفائدة التنفيذية: من رد الفعل الى الفعل
اليوم الأحزاب التركمانية وحدها 14 حزب وتجمع ، كلها ترجع وتنافس أفعال الآخرين.
المجلس الموحد يحولهم الى سلطة تنفيذية:
حكومة ظل تركمانية: لجان داخل المجلس: لجنة كركوك، لجنة التعليم التركماني، لجنة الأوقاف، لجنة شهداء ومغيبين، لجنة العلاقات مع أنقرة وبغداد وأربيل. صندوق قومي: جباية تبرعات ورواتب النواب التركمان وتوجيهها لدعم المدارس التركمانية بدل أن يذهب كل حزب بميزانيته الخاصة.
قائمة انتخابية واحدة ملزمة:
المجلس هو الذي يقرر القائمة الموحدة في كركوك، ومن يخرج عنها يفضل قومياً. هذا سيمنع تكرار ضياع منصب نائب رئيس الجمهورية لعام 2010 وبقية المناصب بسبب تشتت الأصوات.
4. الفائدة الاستراتيجية: حماية كركوك وتركمان ايلي.
بدون مجلس موحد، كركوك وتركمان ايلي ستضيع بين المادة 140 والتعريب والتكريد.
المجلس يعطيك:
أ. فيتو تركماني: أي تغيير إداري في كركوك وتركمان ايلي لا يمر إلا بموافقة المجلس التركماني، وهذا يطبق في كل دول العالم التي فيها مجالس قومية.
ب. مرجعية دولية: الأمم المتحدة وتركيا والاتحاد الأوروبي لا تتعامل مع 14 حزباً، تتعامل مع مجلس واحد منتخب.
هذا ما جعل القضية الكردية تنجح لأن لديها برلمان كردستان .
5.المقترح العملي لهيكلية المجلس – كيف ينشأ؟
حتى لا يبقى فكرة نظرية، هذا مقترح تشريعي:
الاسم: ( المجلس القومي التركماني الأعلى ) او ( مجلس تركمان العراق )
المقر: كركوك – مع مكاتب في أربيل وتلعفر وموصل وطوز وبغداد وديالى.
التكوين: 51 عضواً
25 الى عضو ينتخبون مباشرة من الشعب التركماني في عموم العراق من 15 عضو يمثلون الأحزاب (كل حزب يحصل على مقعد حسب حجمه) 11 عضو يمثلون منظمات المجتمع المدني )اتحاد طلبة، نساء، رجال أعمال، عشائر)
شروط العضوية: أن يكون تركمانياً او مؤمنا بالقضية التركمانية ، لا ينتمي لميليشيا طائفية، يتحدث التركمانية ..
الصلاحيات:
. 1.هو المرجعية العليا الوحيدة المخولة بالحديث باسم التركمان
2. يصادق على أي تحالف سياسي لحزب تركماني.
3. يملك حق سحب الثقة من أي نائب تركماني يخرج عن الخط القومي.
بدون مجلس موحد بفكر تشريعي، سيبقى التركماني السني يذهب مع العرب السنة، والشيعي مع الإطار، واليساري مع الكرد، وستبقى السفينة تائهة.
بهذا المجلس، تتحول من 14 دكاناً سياسياً الى دولة مصغرة داخل الدولة لها قانونها وبرلمانها وصوتها الواحد..

