أكتوبر 15, 2026
LOGO

د. فاضل حسن شريف

جاء في صوت الأمة العراقية عن صدام والبعث ثلاثون عامًا من تدمير العراق، حتى اعترف المجرم برزان بحجم الكارثة للكاتب رياض سعد: حين يعترف أهل النظام بحجم الكارثة: تكتسب الشهادة أهميتها من هوية الشخص الذي نُسب إليه الكلام، لا من مضمون العبارة وحده، فحين يصدر تقييم بالغ القسوة لتجربة حكم استمرت عقودًا عن شخصية ارتبطت بالنظام نفسه، فإن ذلك يطرح سؤالًا جوهريًا: إذا كان بعض من كانوا داخل السلطة قد انتهوا إلى مثل هذا التقييم، فكيف يمكن تبرئة النظام من مسؤولية ما أصاب البلاد، أو تقديم سنوات حكمه باعتبارها نموذجًا للنهضة والاستقرار والسيادة؟ تكشف هذه الشهادة، بما تنطوي عليه من دلالات قاسية، عن حجم الدمار الذي ألحقه البعثيون والصداميون بالعراق، حتى غدا الخراب الذي خلّفوه في الدولة والمجتمع، وما ارتكبوه بحق أبناء الأمة العراقية، في نظر منتقديهم، أشدَّ فتكًا من أضرار أعداء العراق الخارجيين. فهي تضعنا أمام مفارقة تاريخية مؤلمة، مفادها أن من رفعوا شعارات الوطنية والقومية كانوا، بسياساتهم وممارساتهم، من أبرز من أسهموا في استنزاف العراق وتمزيق نسيجه الاجتماعي وتبديد مقدراته، بل وممارسة العداء لكل ما هو عراقي أصيل، حتى بدا وكأنهم ألحقوا بالعراق من الأذى ما عجز عنه أعداؤه، بمن فيهم الصهاينة، أو زادوا عليه في بعض وجوهه. ومن هنا، فإن خطورة هذه الشهادة لا تكمن في مضمونها وحده، بل في دلالتها على التناقض الصارخ بين الشعارات التي رفعها النظام الصدامي والنتائج الكارثية التي أفضت إليها سياساته، وهو ما يجعلها جديرة بالتأمل في ضوء الوقائع التاريخية الموثقة، بعيدًا عن محاولات تلميع ذلك العهد أو تصويره زمنًا جميلًا. فالدول لا تتضرر من سياساتها الخارجية وحدها، بل قد تتعرض لأضرار جسيمة عندما تتحول مؤسساتها إلى أدوات بيد أفراد، وتصبح القرارات المصيرية رهينة طموحات القيادة وحساباتها.

تتسم كتابات ومقالات الباحث والكاتب العراقي رياض سعد بطابعها النقددي والتحليلي المكثف، وتتركز بصورة واسعة على رصد وتفكيك مرحلة حكم حزب البعث ونظام صدام حسين في العراق (والتي يصفها غالباً بـ “حقبة البعث المنكوس” أو “ثلاثون عاماً من تدمير العراق”). تتوزع أبرز محاور ومواضيع كتابات رياض سعد حول هذه الحقبة على عدة جوانب رئيسية: 1. تفكيك طبيعة النظام وساديته السياسيةيكتب رياض سعد باستفاضة عن البنية القمعية والأمنية التي اعتمد عليها النظام السابق، متناولاً مفاهيم “السادية السياسية” والبطش المنهجي الذي مورس ضد أبناء الشعب العراقي بمختلف مكوناتهم.يركز في مقالاته (مثل سلسلة “سادية النظام البعثي التكريتي الصدامي”) على فضح آليات الاستبداد، والاعتقالات، والتهجير، والمقابر الجماعية، وتغييب المعارضين.2. استنزاف الثروات والسياسات الاقتصاديةيخصص دراسات ومقالات عديدة لتسليط الضوء على هدر مقدرات البلاد وخيرات العراق (مثل سلسلته المعنونة “ثروة العراق المهدورة خلال نظام البعث”). يناقش فيها كيفية استخدام الموارد الوطنية والدخل النفطي في الحروب العبثية، وتمويل الصراعات الإقليمية، أو إبرام تحالفات وشبكات نفوذ سياسي على حساب البنية التحتية للاقتصاد العراقي والتنمية المحلية.3. نقد سردية “الزمن الجميل”يوجه الباحث نقداً لاذعاً لمحاولات تجميل تلك الفترة أو وصفها خطأً بـ “الزمن الجميل” من قبل بعض الأصوات المتاثرة بالدعاية الحزبية أو النوستالجيا الزائفة.يجادل رياض سعد في طروحاته بأن معيار تقييم أي مرحلة تاريخية يجب ألا يعتمد على المظاهر الشكلية أو قوة الدولة الظاهرية، بل على مدى تمتع المواطن بحريته وكرامته الإنسانية، وحقه في الاعتراض والتعبير عن رأيه دون خوف أو ملاحقة. 4. المطالبة بالعدالة والمحاسبةيرى الكاتب أن إرساء قواعد الاستقرار الحقيقي في العراق مرتبط ارتباطاً وثيقاً بضرورة كشف الحقائق التاريخية وتوثيق الجرائم، والتمسك بالعدالة القانونية والسياسية لمنع عودة تلك الممارسات أو تكرار مأساة الديكتاتورية تحت أي غطاء كان.

كل من يقول زمن صدام والبعث جميل سيكون مسؤول أمام الله تعالى الإمام أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي رحمه الله في كتاب “التبيان في تفسير القرآن” عند تفسير الآية الكريمة “وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ” (الصافات 24) تفاصيل عميقة ومباحث جليلة تعكس دقة المنهج التفسيري واللغوي والاعتقادي للشيخ حيث يستهل الشيخ تفسيره ببيان السياق القرآني المتصل بأهوال يوم القيامة وحشر الظالمين وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله، موضحاً أن قوله تعالى “وَقِفُوهُمْ” (الصافات 24) أمر لملائكة العذاب بحبسهم ومنعهم عن المضي نحو النار فوراً لتبدأ محاكمتهم ومساءلتهم، مبيناً أن الوقف هنا هو الحبس والانتظار في موقف الحساب والجزاء، ثم ينتقل الشيخ إلى تحليل قوله تعالى “إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ” (الصافات 24) شارحاً العلة والمبرر لهذا الوقوف، وهي أنهم محاسبون ومطالبون بالإجابة عما قدموه من كفر ومعاصٍ وافتراء على الله، ثم يقف الشيخ الطوسي عند التوجيه الاعتقادي مبيناً أن السؤال يوم القيامة يشمل الأقوال والأفعال والعقائد، وأن الله تعالى يقيم عليهم الحجة بملائكته وأنبيائه وجوارحهم لتنكشف حقائق أعمالهم للخلائق أجمعين، وبذلك يخلص الشيخ الطوسي إلى أن الآية الكريمة تمثل تأكيداً قاطعاً على عدل الله المطلق وحتمية المساءلة والمحاسبة لكل مكلف عن أعماله واعتقاداته يوم لا ينفع مال ولا بنون.

جاء في صوت الأمة العراقية عن صناعة الصنم: كيف وظّف نظام صدام الإعلام العربي لتلميع صورته؟ للكاتب رياض سعد: والتاريخ خير شاهد على هذه السياسة الممنهجة، ففي ثمانينيات القرن الماضي، أسس النظام جائزة “القدس” للإعلام، والتي كانت تصرف بمبالغ ضخمة لمن يكتب أو يبث بما يرضي الأجندة البعثية، كما كانت صحف عربية كبرى تتلقى إعلانات مدفوعة بأضعاف الأسعار السوقية، دون أن تنشر تلك الإعلانات فعلياً، بل كانت ثمناً لافتتاحيات تمجد “صدام المنتصر”. ومع انهيار النظام البعثي الصدامي، اختفى كثير من أولئك المروّجين، أو غيّروا مواقفهم بشكل لافت، في مشهد يعكس هشاشة الخطاب الذي كانوا يدافعون عنه، وهكذا، تبددت ملايين الدولارات التي أُنفقت على صناعة صورة زائفة، دون أن تترك أثرًا حقيقيًا سوى تعميق معاناة الشعب العراقي. إن هذه الظاهرة تطرح أسئلة جوهرية حول أخلاقيات العمل الإعلامي، وحدود العلاقة بين السلطة والصحافة، وتؤكد أن الإعلام، حين يفقد استقلاله، يتحول إلى أداة تزييف لا تقل خطرًا عن أدوات القمع الأخرى. *فأر في جحر: النهاية التي فضحت البدايات: عندما تم القاء القبض على المجرم صدام في حفرة قذرة ؛ كجرذ بائس وسخ ؛ ظهرت صورة صدام الحقيقية للعلن ؛ فهذه الصورة البائسة تناقلتها وسائل الاعلام ؛ اذ لم تكن الصورة مجرد نهاية مذلة لطاغية، بل كانت مرآة عاكسة لحقيقة كل ذلك “التمجيد” الذي سبقها، و الأصوات المأجورة التي كانت تملأ الدنيا ضجيجاً بـ”اضرب اضرب تل أبيت”، سكتت فجأة، أو الأسوأ من ذلك، انقلبت لتكتب مقالات عن “الطاغية” ذاته الذي كانت تتكسب من مديحه قبل أيام. وهذه النهاية تؤكد حقيقة مرة: الرأي العام الذي يُصنع بالمال والرشوة هو مجرد فقاعة، فبمجرد أن اختفى مصدر التمويل، اختفى الولاء، أولئك “المتملقون الأنذال” لم يكونوا يؤمنون بقضية، بل كانوا موظفين غير معلنين في وزارة إعلام تحكمها ثروة شعب جائع، وهذا يطرح سؤالاً أخلاقياً ومهنياً كبيراً: أين نقابات الصحفيين من هذه المهزلة؟ وأين مصداقية الإعلام الذي لا يزال البعض يتغنى بـ”زمن الفرسان” فيه، متجاهلاً أن أؤلئك الفرسان كانوايركبون على ظهور الفقراء؟