أكتوبر 16, 2026
CjQKMlNuYXBjaGF0LzE0LjI3LjAuNTQgKGlQaG9uZTE4LDI7IGlPUyAyNy4wLjE7IGd6aXAp

CjQKMlNuYXBjaGF0LzE0LjI3LjAuNTQgKGlQaG9uZTE4LDI7IGlPUyAyNy4wLjE7IGd6aXAp

من يحمي الخطأ يهدد استقرار سورية
الباحثة كنانة خلف الكردي.

إصلاح الإدارة ومحاسبة المقصرين… ضرورة لحماية سورية وبناء الثقة بين الدولة والمواطن
وحين تتراكم الأخطاء تبدأ الدولة بالاهتزاز
في أكثر المراحل حساسية من عمر الدولة السورية الجديدة لم تعد الأخطاء الإدارية والسياسية تفاصيل يمكن تأجيلها أو التقليل من شأنها فالدول لا تنهار فجأة وإنما تبدأ بالاهتزاز عندما يتكرر التقصير دون محاسبة ويصبح الفساد محميا والولاء بديلا عن الكفاءة وتتحول شكوى المواطن إلى صوت لا يسمعه أحد
فالمشكلة ليست في أن تخطئ الحكومة أو الإدارة فالخطأ وارد في كل مؤسسات الدولة لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تعرف المؤسسة بخللها ولا تعالجه أو ترى الفساد وتبرر مرتكبه أو تدرك ضعف الأداء وتبقي المسؤول عنه في موقعه لأسباب شخصية أو سياسية
وهنا يتحول الخطأ الإداري إلى أزمة سياسية لأن المواطن لا يفصل بين الموظف والمؤسسة التي يعمل فيها ولا بين القرار الحكومي والجهة التي تعطل تنفيذه وعندما تتعطل معاملاته أو يتعرض للابتزاز فإنه يسأل أين الرقابة وأين المحاسبة وأين الدولة
لقد عانى السوريون طويلا من منظومة كانت تحمي أصحاب النفوذ وتهمش الكفاءات وتتجاهل الشكاوى واليوم لا يجوز للدولة الجديدة أن تعيد إنتاج هذه الممارسات بأشكال مختلفة فشرعية المؤسسات لا تُبنى بالشعارات وحدها بل بقدرتها على تحقيق العدالة وتقديم الخدمات وحماية حقوق المواطنين
ولا قيمة لأي مرسوم حكومي إذا استطاع موظف فاسد تعطيل تنفيذه ولا قيمة للحديث عن دولة المؤسسات إذا احتاج المواطن إلى واسطة للحصول على حقه ولذلك يجب أن يتحول الإصلاح الإداري إلى برنامج عملي بجدول زمني ومسؤوليات واضحة

يبدأ ذلك بإنشاء نافذة موحدة لشكاوى المواطنين تمنح كل شكوى رقما للمتابعة وتلزم الجهات المختصة بالرد خلال خمسة عشر يوما مع إحالة الشكاوى المتعلقة بالفساد إلى الجهات الرقابية المختصة وضمان حق المواطن في معرفة نتيجة شكواه
ويجب إخضاع الوزارات والمؤسسات لتقييم دوري يستند إلى مؤشرات قابلة للقياس تشمل سرعة إنجاز المعاملات وجودة الخدمات ونسبة الشكاوى المعالجة والالتزام بالقوانين على أن ترتبط الترقية وتولي المناصب الإدارية بالكفاءة والإنجاز لا بالعلاقات الشخصية
كما ينبغي إجراء تدقيق رقابي في المواقع الأكثر عرضة للفساد مثل المعابر والجمارك والتراخيص والمشتريات العامة مع تبسيط الإجراءات ونشر الرسوم الرسمية والوثائق المطلوبة ومدد إنجاز المعاملات لمنع الابتزاز والحد من الاجتهادات الشخصية
ومن الضروري أيضا حماية الموظفين الذين يبلغون عن الفساد وتطبيق قواعد تضارب المصالح وتدوير العاملين في المواقع الحساسة وفق ضوابط مهنية واضحة مع نشر تقارير دورية عن نتائج الرقابة والمحاسبة بما يعزز الشفافية ويحفظ الحقوق والخصوصية
ولا بد من مراجعة القرارات الحكومية المتعثرة وتحديد أسباب عدم تنفيذها والمسؤول عن تعطيلها ووضع حلول عملية بدلا من ترك القرارات حبرا على ورق والمواطن رهينة للتجاذبات بين المؤسسات
لكن المحاسبة يجب أن تكون عادلة وليست انتقائية فهناك فرق بين موظف يحتاج إلى التدريب والتأهيل وموظف يرتكب مخالفة إدارية وموظف يتعمد استغلال منصبه أو ارتكاب الفساد ولكل حالة معالجة متناسبة مع طبيعتها وفق القانون كما أن النقد المسؤول ليس مؤامرة بل أداة لتصحيح الأداء وحماية الدولة
لقد ورثت سورية الجديدة تركة ثقيلة من الحرب والانقسام والدمار والانهيار الإداري والاقتصادي ولا يمكن إصلاح كل شيء خلال أشهر لكن يمكن البدء بخطوات واضحة وسريعة تعيد ثقة المواطن وتثبت أن الدولة قادرة على مراجعة نفسها وتصحيح مسارها
المطلوب اليوم ليس تجميل صورة المؤسسات ولا إخفاء أخطائها بل إصلاحها من الداخل وليس إسقاط المسؤولين لمجرد الاختلاف معهم بل محاسبة المقصرين وفق القانون ومكافأة الكفاءات وإغلاق أبواب الفساد
إن حماية الدولة السورية تبدأ من حماية مؤسساتها من المحسوبية والفساد ومنح المواطن حقه في الشكوى والمساءلة ومعرفة النتائج فالسلطة التي تعترف بأخطائها لا تضعف بل تكتسب الثقة والدولة التي تعالج الخلل مبكرا تمنع تحوله إلى أزمة أكبر
الدولة لا تسقط لأن موظفا أخطأ بل تبدأ بالاهتزاز عندما يصبح الخطأ محميا والفساد متعايشا معه والكفاءة مهمشة والشكوى بلا جواب والمحاسبة انتقائية
وفي هذه المرحلة التاريخية تحتاج سورية إلى دولة لا تدعي الكمال بل تمتلك شجاعة الإصلاح لأن مستقبلها لن يتحدد بعدد القرارات التي تصدرها وإنما بقدرتها على تنفيذها وتصحيح أخطائها واستعادة ثقة مواطنيها