
تتسع الأزمة المعيشية في إيران بصورة متسارعة، في وقت تشير فيه تقديرات اقتصادية حديثة إلى أن نحو 80 في المئة من العمال والموظفين باتوا إما قريبين من خط الفقر أو تحت ضغوط معيشية شديدة، بينما تجاوزت تكلفة تأمين الاحتياجات الأساسية لأسرة في بعض المناطق مستوى 85 مليون تومان شهريًا.
وقال علي رضا صداقت، الباحث والمحلل الاقتصادي في الشؤون الإيرانية، في تصريح صحفي، إن أخطر ما تكشفه هذه الأرقام هو أن الفقر لم يعد محصورًا في العاطلين عن العمل أو الفئات المهمشة، بل أصبح يصيب بصورة مباشرة أصحاب الوظائف والرواتب الثابتة. وأضاف أن هذه الظاهرة تعني أن العمل نفسه لم يعد يوفر حماية اقتصادية كافية للأسرة.
وأوضح صداقت أن تقديرات منشورة حديثًا تضع تكلفة المعيشة في بعض المدن والمناطق عند أكثر من 85 مليون تومان شهريًا للأسرة، في حين بقي دخل قطاعات واسعة من العمال عند مستويات تقل كثيرًا عن هذا الرقم. وكانت تقارير أخرى قد وضعت سلة المعيشة فوق 50 مليون تومان، وخط الفقر في بعض التقديرات عند نحو 70 مليون تومان، بينما ظل إجمالي دخل العامل في نطاق يقل عن 20 مليون تومان شهريًا.
وأشار إلى أن الفجوة بين الأجر وتكلفة الحياة تعني عمليًا أن الأسرة تعوض النقص عبر الاستدانة، أو تقليص استهلاك البروتين والدواء والتعليم، أو تأجيل العلاج، أو الانتقال إلى مساكن أبعد وأقل جودة.
وأضاف أن تراجع قيمة العملة أدى إلى تعميق الأزمة. فقد تجاوز الدولار في السوق الحرة خلال أكتوبر مستوى 270 ألف تومان قبل أن يتراجع لاحقًا إلى نحو 260 ألفًا، لكنه بقي أعلى بكثير من مستواه في بداية العام، عندما كان يدور قرب 155 ألف تومان. وهذا يعني أن القوة الشرائية للأجور المقومة بالدولار تقلصت بشدة خلال أشهر قليلة.
وقال صداقت إن «المشكلة ليست في رقم الدولار وحده. كل انخفاض في قيمة الريال يرفع كلفة المواد الأولية والسلع المستوردة والنقل والإنتاج، ثم تنتقل هذه الزيادة تدريجيًا إلى أسعار الغذاء والسكن والعلاج والخدمات. أما راتب العامل فيبقى ثابتًا أو يرتفع بنسبة أقل بكثير».
ولفت إلى أن المسؤولين أنفسهم بدأوا يعترفون بحجم الفجوة؛ فقد قال النائب الأول للرئيس محمد رضا عارف إن زيادة الرواتب بنسبة 20 في المئة لا يمكن أن تعالج وضعًا تتجاوز فيه معدلات التضخم 60 أو 70 في المئة، وهو اعتراف مباشر بأن الزيادات الاسمية في الرواتب تفقد قيمتها أمام سرعة ارتفاع الأسعار.
وأوضح أن السكن يمثل إحدى أكثر نقاط الضغط حدة، لأن جزءًا كبيرًا من دخل الأسر محدودة ومتوسطة الدخل يذهب للإيجار، فيما تلتهم أسعار الغذاء والدواء بقية الراتب. وهكذا يصبح دخل الأسرة، حتى مع وجود وظيفة ثابتة، غير قادر على تغطية النفقات الأساسية.
وأكد صداقت أن نسبة الـ80 في المئة ينبغي قراءتها بوصفها تقديرًا يعكس اتساع الضغط المعيشي، لا باعتبارها خط فقر رسميًا موحدًا لكل سكان البلاد، لأن تكاليف المعيشة تختلف بحسب المدينة وحجم الأسرة ومستوى الإيجارات. إلا أن الاتجاه العام، بحسبه، واضح: دائرة الهشاشة الاقتصادية تتسع إلى داخل الطبقة الوسطى وأصحاب الرواتب الثابتة.
وأضاف أن البنك الدولي نفسه توقع ارتفاع نسبة السكان الذين يعيشون تحت أو قرب خطوط الفقر المستخدمة في تقييماته خلال 2026، في ظل انكماش اقتصادي وتضخم مرتفع وضعف سوق العمل، ما يؤكد أن أزمة الدخل ليست ظاهرة عابرة.
وقال صداقت: «حين يصل الموظف والعامل إلى نهاية الشهر وهو غير قادر على تأمين السكن والطعام والدواء، فإننا أمام ظاهرة الفقر أثناء العمل. وهذه من أخطر مراحل الأزمة الاقتصادية، لأنها تعني أن الأجر فقد وظيفته الأساسية كضمان للحد الأدنى من الحياة الكريمة».
وأضاف أن استمرار هذه الفجوة يفاقم التفاوت الاجتماعي ويزيد الاعتماد على الديون والعمل الإضافي والمساعدات العائلية، كما يضغط على الاستهلاك الداخلي ويضعف الطلب في الاقتصاد، بما يخلق حلقة متبادلة بين الفقر والركود.
وختم علي رضا صداقت بالقول: «المشكلة اليوم لم تعد فقط أن الأسعار مرتفعة، بل أن ملايين من يعملون كل يوم لا يستطيعون العيش من أجورهم. عندما يصبح العمل بدوام كامل غير كاف للخروج من دائرة الفقر، فإننا نكون أمام أزمة في بنية توزيع الدخل وفي أولويات الاقتصاد بأكمله».





