أكتوبر 17, 2026
53aa6eef-d307-4e00-bfbb-09a1a55fbed4-696x395-2

قال مهدي رضا، الكاتب والمحلل في الشؤون الإيرانية، إن الأرقام التي كُشف عنها اليوم بشأن هجرة آلاف خريجي جامعة طهران للعلوم الطبية، بالتزامن مع انخفاض عدد طلاب العاصمة، تقدم صورة مركبة عن أزمة أعمق من مجرد الهجرة أو نقص المدارس؛ فهي تعكس تآكل القدرة على الاحتفاظ بالكفاءات من جهة، وتراجع قدرة الأسر على تحمّل كلفة العيش في العاصمة من جهة أخرى.
وأضاف رضا، في تصريح صحفي، أن منصور گتميري، رئيس مكتب التواصل مع الخريجين في جامعة طهران للعلوم الطبية، أعلن أن التقديرات الأولية تشير إلى هجرة أكثر من 10 آلاف من خريجي الجامعة خلال سنوات مختلفة، وأن خريجي الطب يشكلون النسبة الأبرز، فيما تعد الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية من الوجهات الرئيسية. كما شدد المسؤول نفسه على أن هذا الرقم تقديري، لأن الجامعة لا تملك إحصاءً رسميًا نهائيًا لجميع من غادروا البلاد.
وأوضح مهدي رضا أن أهمية هذا الرقم لا تكمن فقط في حجمه، بل في طبيعة الفئة التي تغادر. فالأطباء وأطباء الأسنان والصيادلة والممرضون يمثلون جزءًا من رأس المال البشري الذي يحتاج إلى سنوات طويلة وكلفة مرتفعة لتكوينه، وعندما يغادر جزء متزايد منهم، فإن الخسارة لا تكون فردية بل تطال النظام الصحي والخدمات العامة والمجتمع بأكمله.
وأشار إلى أن گتميري تحدث أيضًا عن استمرار الهجرة وتراجع دوافع البقاء لدى بعض الخريجين، موضحًا أن انخفاض وتيرة الهجرة في بعض الفترات لا يعني بالضرورة تحسن جاذبية البقاء داخل البلاد، بل قد يرتبط بصعوبة أكبر في شروط الهجرة والعمل والإقامة في الدول المستقبلة.
وأضاف رضا أن المشهد يزداد دلالة عند ربطه بما أعلنه محافظ طهران محمد صادق معتمديان في اليوم نفسه، إذ قال إن عدد الطلاب في مدينة طهران انخفض بنحو 7 آلاف، بينما ارتفع عددهم في بقية مدن محافظة طهران بنحو 17 ألفًا، وعزا جزءًا من هذا التغير إلى انتقال أسر من العاصمة إلى المدن المحيطة بسبب الضغوط الاقتصادية.
وقال إن «هاتين الظاهرتين تبدوان مختلفتين، لكنهما في الحقيقة تعكسان أزمة واحدة: من يملك الكفاءة يبحث عن مستقبل مهني في الخارج، ومن يعجز عن تحمل كلفة الحياة في العاصمة ينتقل إلى الأطراف».
وأشار إلى أن هذه الحركة الداخلية للسكان تضع بدورها ضغطًا إضافيًا على البنية التحتية التعليمية في المدن المحيطة بطهران، حيث تعترف السلطات أصلًا بوجود نقص في المساحات التعليمية وبالحاجة إلى تسريع بناء المدارس والفصول الجديدة. وقد أعلن محافظ طهران أن المحافظة ما تزال تعاني نقصًا ملحوظًا في البنية التعليمية رغم زيادة وتيرة بناء الفصول.
وأكد مهدي رضا أن المسألة لا يجب اختزالها في مصطلح «هجرة الأدمغة»، لأن المشكلة أصبحت أوسع: الطبيب يهاجر، والأسرة تنتقل، والطالب يغير مدرسته، والمدينة تفقد جزءًا من قدرتها على الاحتفاظ بسكانها المنتجين، فيما تتحمل المناطق المحيطة ضغطًا ديمغرافيًا وتعليميًا متزايدًا.
وأضاف أن «الدولة التي تخسر خبراتها الطبية من جهة، وتدفع أسرًا إلى مغادرة العاصمة بسبب تكاليف المعيشة من جهة أخرى، تواجه أزمة في إدارة رأس المال البشري نفسه».
وأشار إلى أن استمرار هذا الاتجاه قد يترك آثارًا طويلة المدى، لأن نقص الكفاءات الطبية لا يُعالج بسرعة، كما أن التوسع السكاني في المدن المحيطة يحتاج إلى استثمارات في المدارس والنقل والصحة والإسكان والخدمات العامة.
وشدد رضا على أن هذه المؤشرات لا تعني أن كل من يغادر يفعل ذلك لسبب واحد، ولا أن كل أسرة تنتقل بسبب الفقر وحده، لكنها مجتمعة تكشف تراجعًا في جاذبية البقاء والاستقرار، سواء بالنسبة إلى النخب المهنية أو قطاعات من الطبقة الوسطى.
وختم مهدي رضا بالقول: «الأزمة الأخطر ليست فقط أن آلاف الخريجين غادروا، ولا أن بضعة آلاف من الطلاب اختفوا من مدارس العاصمة؛ بل أن إيران تخسر في الوقت نفسه جزءًا من خبرتها المتخصصة وجزءًا من استقرار أسرها. وعندما يبدأ بلد بخسارة رأس ماله البشري من القمة، وبخسارة قدرته على إبقاء العائلات في مركزه الاقتصادي من القاعدة، فإننا نكون أمام أزمة اجتماعية وتنموية تتجاوز بكثير أرقام الهجرة والتعليم».