
رياض سعد
ليست أخطر الهزائم التي تتعرض لها الشعوب تلك التي تُلحق بها في ميادين القتال، ولا تلك التي تنتهي بفقدان الأرض أو الثروة أو النفوذ، بل تلك التي تتسلل إلى أعماقها، فتنتزع منها القدرة على الرفض، وتُضعف إرادتها في مواجهة الظلم، وتحوّل الإنسان من مواطن يطالب بحقوقه إلى تابع ينتظر ما تجود به السلطة عليه… ؛ عندئذٍ لا تعود المشكلة محصورة في فساد الحاكم أو استبداد المسؤول، بل تمتد إلى بنية المجتمع نفسه، حيث يصبح الخضوع سلوكاً مألوفاً، والصمت فضيلة زائفة، والاعتراض مغامرة غير محسوبة.
إن ما يمكن تسميته (بالتهجين والتدجين السياسيين ) يمثل إحدى أخطر الظواهر التي تستحق الدراسة في الواقع العراقي؛ فالتهجين، في هذا السياق، هو إعادة تشكيل الوعي والمواقف والقيم بما يخدم مصالح القوى المهيمنة، أما التدجين فهو تحويل المواطن، عبر الخوف والحاجة والإغراء والاعتماد الاقتصادي، إلى فرد يتكيف مع شروط السلطة بدلاً من أن يسعى إلى إخضاعها للقانون والمساءلة.. , وحين تجتمع الآليتان، تصبح الغاية إنتاج مواطن مطيع، لا مواطن حر، وإنسان يتقن التكيف مع الامتهان بدلاً من مقاومته.
ومن هنا يمكن فهم ما يصح وصفه مجازياً بـ«الإخصاء السياسي» ؛ وهو ليس انتقاصاً من الذكورة البيولوجية، ولا حكماً على رجولة الأفراد، وإنما تعبير عن محاولة تجريد الإنسان من شجاعته الأخلاقية، واستقلال قراره، وقدرته على قول «لا» حين تستوجب الكرامة ذلك. فالرجولة، بمعناها الإنساني والأخلاقي، ليست احتكاراً للرجال، بل هي شجاعة الموقف، وتحمل المسؤولية، والدفاع عن الحق، ورفض الخضوع للإذلال، وهي صفات يمكن أن تتجسد في الرجل والمرأة على السواء.
# من إضعاف الأحرار إلى صناعة التابعين
تحتاج بعض السلطات الوطنية إلى مواطنين مستقلين، قادرين على التفكير والنقد والمحاسبة، بينما تجد سلطات منكوسة وعميلة أخرى مصلحتها في إضعاف هذه الاستقلالية، ولا سيما حين تصبح حرية المجتمع تهديداً لشبكات المصالح والامتيازات… ؛ فالمواطن الذي يعرف حقوقه، ويمتلك مورداً اقتصادياً مستقلاً، ويتمتع بوعي سياسي، ولا يخشى خسارة لقمة عيشه إذا اعترض، يصعب إخضاعه بالوسائل التقليدية.. , أما الذي يعيش تحت ضغط الحاجة، ويخشى فقدان وظيفته أو راتبه أو امتيازاته، فقد يجد نفسه مضطراً إلى الصمت، حتى عندما يدرك أن ما يجري يتعارض مع مصالحه ومصالح بلده.
وهنا تتجلى إحدى صور التدجين: أن تتحول الوظيفة العامة من مسؤولية لخدمة المجتمع إلى أداة محتملة لضمان الولاء، وأن يصبح الراتب، الذي يفترض أن يكون حقاً مقابل العمل، وسيلة ضغط حين يُربط الاستقرار المعيشي بالانتماء السياسي أو القرب من أصحاب النفوذ. ولا يعني ذلك أن كل موظف تابع، أو أن كل مستفيد من الرعاية الاجتماعية خاضع؛ فالمشكلة ليست في الراتب ولا في الإعانة، وإنما في توظيف الحاجة الإنسانية لشراء الصمت، أو تحويل الحقوق العامة إلى مِنَح يتفضل بها المسؤول على المواطنين.
إن السلطة التي تريد أن يخلو لها الجو لا تحتاج بالضرورة إلى إسكات الجميع بالقوة؛ فقد يكفيها أن تجعل المعترض خائفاً، والمستقل معزولاً، والناقد متَّهماً، وصاحب الرأي محروماً من الفرص.. , وقد تعمل هذه الآليات من خلال الترهيب المباشر أحياناً، ومن خلال الإغراءات والامتيازات والمحاصصة والزبائنية السياسية أحياناً أخرى.. , والنتيجة المحتملة واحدة: إضعاف المجال العام، وتغييب الوعي الشعبي , وتراجع قدرة المواطنين على التنظيم والمحاسبة، واتساع المسافة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.
# من الخازوق العثماني والبسطال البريطاني، مرورًا بالحكومات الهجينة، ووصولًا إلى البعث المجرم، وانتهاءً بالمحاصصة: تاريخ الخوف وإعادة إنتاج الخضوع.
لا يمكن تفسير هذه الظاهرة باعتبارها وليدة اللحظة، كما لا يصح ردّ الشخصية العراقية كلها إلى صفة واحدة ثابتة.. , فالمجتمعات تتشكل عبر تجارب تاريخية معقدة، تتداخل فيها أنماط الحكم والاقتصاد والحروب والقمع والتعليم والدين والعلاقات العائلية والاجتماعية.. , وقد تركت عهود الاستبداد المتعاقبة آثاراً عميقة في علاقة الفرد بالسلطة، من الحكم العثماني وما ارتبط ببعض مراحله من جباية قسرية وإدارة متسلطة، وتداعيات الاحتلال البريطاني , ومشاكل نشوء الدولة الحديثة , إلى الدولة الأمنية في عهد البعث، وصولاً إلى اختلالات النظام السياسي الذي تأسس بعد عام 2003، وما صاحبه من محاصصة حزبية وطائفية، وتضارب للمصالح، وضعف في المساءلة.
وفي هذا السياق، يمكن استحضار بعض أفكار عالم الاجتماع العراقي علي الوردي عن ازدواج الشخصية الاجتماعية والتناقض بين القيم المعلنة والسلوك الفعلي، لا باعتبارها حكماً أبدياً على العراقيين، بل بوصفها مدخلاً لفهم التوتر بين المثال الأخلاقي والممارسة الاجتماعية.. , فقد يرفع الإنسان شعارات العدالة، لكنه يخضع للقوي حين تتعارض العدالة مع مصلحته؛ وقد يرفض الفساد في خطاباته، ثم يبرره عندما يصدر عن حزبه أو جماعته أو زعيمه.
وهذه الازدواجية ليست حكراً على العراق، لكنها تكتسب خطورتها عندما تتحول إلى نمط مستقر من السلوك السياسي: نرفض الاستبداد إذا مارسه خصمنا، ونلتمس الأعذار له إذا مارسه حليفنا؛ نطالب بالقانون حين يحمي مصالحنا، ونتجاوزه حين يقف في طريقها؛ ونستنكر المحسوبية علناً، ثم نبحث عنها لأنفسنا في الخفاء.
أما ابن خلدون، فيتيح لنا مفهوم العصبية أن نفهم كيف يمكن أن تضعف الروابط الجماعية التي تمكّن الناس من حماية مصالحهم والدفاع عن أنفسهم.. , وليس المقصود أن المجتمع العراقي فقد تضامنه أو أن أفراده عاجزون عن المقاومة، فقد شهد العراق مراراً صوراً من الاحتجاج والتكافل والتضحية، وإنما المقصود أن الانقسامات الحزبية والطائفية والمناطقية قد تعطل القدرة على بناء موقف وطني مشترك، وتدفع جماعات من المواطنين إلى الدفاع عن قوى سياسية تضر بمصالحهم العامة، خوفاً من أن يستفيد خصومهم من تراجعها.
وهكذا يصبح الخوف الموروث، حين تقترن به المصالح المباشرة، أحد العوامل التي تعيد إنتاج الخضوع؛ لا لأن العراقيين بطبيعتهم خاضعون، بل لأن أنظمة القمع والزبائنية تستطيع أن تجعل كلفة الاعتراض مرتفعة، وكلفة الصمت أقل إيلاماً في المدى القريب.
# حين تتحول العبودية إلى فضيلة
في تحليل العلاقة بين السلطة والفرد، تبرز أفكار الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو عن آليات السلطة التي لا تعتمد على العنف المباشر وحده، بل تعمل أيضاً من خلال تشكيل السلوك، وتحديد المقبول والمرفوض، ودفع الأفراد إلى مراقبة أنفسهم بأنفسهم.. , فالسلطة الأكثر نفاذاً ليست بالضرورة تلك التي تضرب الناس كل يوم، بل تلك التي تنجح في جعلهم يتوقعون العقاب قبل وقوعه، ويحسبون حساب رضاها في قراراتهم، ويضبطون أصواتهم حتى في غياب الرقيب.
وعلى نحو مختلف، يمكن الاستفادة من مفهوم نيتشه عن «أخلاق العبيد» بوصفه أداة نقدية لفحص القيم التي قد تنشأ تحت وطأة العجز والهيمنة، حين يعاد تعريف الضعف باعتباره فضيلة مطلقة، ويُقدَّم الخضوع على أنه حكمة، والجبن على أنه تعقل، والصمت على أنه صبر، والتنازل المستمر عن الحقوق على أنه دليل إيمان أو ولاء أو وطنية.
لكن الصبر ليس خنوعاً، والحكمة ليست جبناً، والتسامح ليس استسلاماً.. , إنما تكمن المشكلة في استغلال هذه القيم النبيلة لتبرير الظلم، وفي مطالبة المظلوم بالصبر إلى ما لا نهاية، بينما لا يُطلب من الظالم أن يتوقف، ولا من المسؤول أن يحاسب نفسه، ولا من المؤسسة أن تخضع للقانون.
ومن أخطر نتائج التدجين أن يتماهى بعض الأفراد مع الجهة التي تهيمن عليهم، فيدافعون عنها حتى عندما تتعارض سياساتها مع مصالحهم، ويبررون إخفاقاتها، ويعتبرون نقدها اعتداءً عليهم شخصياً.. , وقد تنشأ هذه الظاهرة من الخوف، أو من الانتماء الجماعي، أو من الاعتماد الاقتصادي، أو من الدعاية السياسية، أو من الاعتقاد بأن سقوط الزعيم يعني انتصار الجماعة المنافسة.
لذلك لا يكفي أن نسأل: لماذا يدافع المواطن عن مسؤول أخفق أو مؤسسة فاسدة؟ بل ينبغي أن نسأل أيضاً: ما الظروف التي تجعل الاعتراف بالإخفاق مؤلماً إلى هذا الحد؟ ولماذا تتحول المحاسبة، في نظر بعض الأتباع، إلى تهديد لهويتهم وانتمائهم، بدلاً من أن تكون وسيلة لإصلاح الدولة؟
إن تفسير هذه الظاهرة لا يقتضي إهانة المواطن أو اتهامه بالغباء، بل يستوجب فهم الآليات النفسية والاجتماعية التي تجعل الولاء أحياناً أقوى من الوقائع، وتجعل الإنسان يبرر ما كان سيرفضه لو صدر عن خصمه.
# دولة الريع: من المواطن صاحب الحق إلى الزبون السياسي
تتضاعف قابلية التدجين حين يعتمد الاقتصاد اعتماداً واسعاً على الإيرادات النفطية، وتتسع مساحة الإنفاق العام، بينما تضعف فرص الإنتاج المستقل والعمل الخاص المنظم، وتتراجع قدرة المؤسسات على توفير الخدمات والمحاسبة.. , فالاقتصاد الريعي لا يؤدي بالضرورة إلى الاستبداد، لكنه قد يهيئ بيئة تتضخم فيها العلاقة المباشرة بين السلطة والمستفيدين من موارد الدولة، ولا سيما عندما تضعف الشفافية وتغيب الرقابة الفاعلة.
في هذه البيئة، قد يتحول المواطن من شريك في إدارة الشأن العام إلى زبون ينتظر التعيين أو المنحة أو العقد أو الاستثناء.. , وتصبح بعض الخدمات والفرص، التي ينبغي أن توزع وفق قواعد عادلة، مرتبطة بالوساطة والانتماء والقدرة على الوصول إلى أصحاب النفوذ.. , وهنا لا تعود المشكلة مجرد سوء إدارة للمال العام، بل تصبح أزمة في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.
فالراتب ليس رشوة، والخدمة العامة ليست مِنّة، والإعانة الاجتماعية ليست ثمناً للولاء؛ إنها حقوق والتزامات تنظمها القوانين.. , لكن الخطر يظهر حين يُقدَّم الحق على أنه هبة شخصية من المسؤول، وحين يشعر المواطن بأنه مدين سياسياً لمن يفترض أنه يؤدي واجبه الوظيفي، وحين تصبح مطالبة الدولة بالإصلاح تهديداً لمصدر الرزق بدلاً من أن تكون جزءاً من المواطنة الطبيعية.
ومن هنا تنشأ مفارقة موجعة: قد يمتلك البلد موارد مالية كبيرة، بينما تعاني بعض مناطقه من نقص المياه والخدمات الصحية، ويواجه شبابه البطالة أو ضعف الفرص، وتتراجع الثقة بمؤسسات الدولة.. , وفي المقابل، قد تتخذ قرارات إنفاق أو منح أو دعم داخلي وخارجي من دون وضوح كافٍ في أولوياتها أو نتائجها أو آليات الرقابة عليها.
ولا يصح الحكم على كل إنفاق خارجي بأنه رشوة سياسية، ولا على كل دعم بأنه تبديد؛ فذلك يحتاج إلى فحص طبيعة الإنفاق، وأهدافه، وأساسه القانوني، ومردوده، ومقارنته بحاجات المواطنين.. , غير أن من حق المجتمع أن يسأل عن معايير توزيع المال العام، وأن يطالب بتفسير الأولويات، وأن يعرف لماذا تتقدم بعض الالتزامات على حاجات أساسية لم تُلبَّ بعد.
إن الكرم الحقيقي يكون من مال صاحبه، أما المال العام فهو أمانة لا يملك المسؤول أن يتصرف بها باعتبارها ملكاً شخصياً، ولا أن يستخدمها لبناء الولاءات أو تسويق النفوذ أو شراء الصمت.. , وكلما غابت الشفافية، ازدادت الحاجة إلى صحافة مستقلة ورقابة مؤسسية ومواطن لا يتنازل عن حقه في السؤال.
# التهجين الاجتماعي وصناعة الولاءات الضيقة
لا يقتصر التدجين على علاقة الفرد بالحكومة، بل قد يمتد إلى تشكيل الوعي الاجتماعي نفسه… ؛ فعندما تُختزل المواطنة في الانتماء الطائفي أو الحزبي أو العشائري، يصبح معيار الحكم على المسؤول هو هويته الجماعية، لا كفاءته ونزاهته ونتائج عمله.. , وقد يبرر الفرد أخطاء ممثل جماعته، لا لأنه مقتنع بها، بل لأنه يخشى أن يؤدي الاعتراف بها إلى تقوية جماعة أخرى.
وهذه إحدى أخطر نتائج التهجين السياسي: أن يعاد تشكيل الإنسان بحيث يرى نفسه عضواً في جماعة تتقدم على الوطن، وأن يتعامل مع الدولة بوصفها ساحة لتقاسم الغنائم لا مؤسسة لخدمة الجميع.. , عندئذٍ يتراجع مفهوم المصلحة العامة، ويصبح الفساد مقبولاً ما دام المستفيد منه «واحداً منا»، ويُدان السلوك ذاته عندما يصدر عن «الآخر المختلف ».
وتسهم الدعاية الحزبية، وبعض المنابر الدينية والإعلامية، وشبكات المصالح، في تعميق هذا الانقسام عندما تستبدل النقاش العقلاني بالتخويف والتحريض، وتربط الطاعة السياسية بالإيمان أو الشرف أو الانتماء الوطني.. , لكن من الضروري التمييز بين الدين بوصفه منظومة اعتقادية وأخلاقية، وبين توظيفه سياسياً لفرض الولاء لشخص أو حزب؛ فالإيمان لا يلغي حق الإنسان في التفكير، والاحترام الديني لا يمنح أي مسؤول حصانة من المحاسبة.
كذلك لا يمكن اختزال المجتمع العراقي في جمهور مدجّن أو فاقد للإرادة.. , ففيه من يرفض الفساد، ومن يطالب بالخدمات، ومن يوثق الانتهاكات، ومن يواجه المحسوبية، ومن يدفع أثماناً شخصية دفاعاً عن حقوق الآخرين… ؛ غير أن هذه الجهود قد تتعرض للتفتيت حين تتغلب الهويات الجزئية على المصالح المشتركة، أو حين يعجز المستقلون عن تحويل اعتراضاتهم المتفرقة إلى عمل مدني منظم ومستمر.
# لماذا يخشى بعض الساسة الإنسان الحر؟
لأن الإنسان الحر لا يمنح ولاءه على بياض، ولا يرى المنصب تفويضاً مفتوحاً، ولا يعتبر الحزب أو الزعيم مرجعاً أعلى من القانون.. , إنه يميز بين الدولة والحكومة، وبين الوطن والحاكم، وبين الدين وتوظيفه السياسي، وبين حق المسؤول في ممارسة صلاحياته وحق المواطن في مراقبته.
أما المواطن الذي جرى تدجينه، فقد يخلط بين نقد الحكومة والإساءة إلى الوطن، وبين مساءلة الزعيم والطعن في الجماعة، وبين المطالبة بالحقوق والخروج على النظام… ؛ وهكذا يصبح المسؤول والقائد والزعيم والرمز ، في وعيه، أكبر من المنصب، وتتحول المؤسسة العامة إلى امتداد لشخصه، ويغدو الاعتراض على قراراته نوعاً من الخيانة.
ومن هنا يمكن فهم السعي، في بعض البيئات السياسية، إلى إضعاف الشخصيات المستقلة، وتهميش الأصوات النقدية، وإغراق المجال العام في صراعات جانبية، أو تحويل الخلافات السياسية إلى عداوات اجتماعية.. , فالمجتمع المنشغل بتصفية الحسابات بين مكوناته أقل قدرة على مراقبة من يدير موارده، والمواطن الذي يخشى جاره المختلف أكثر من خوفه من الفساد الذي يلتهم مستقبل الجميع يصبح أكثر قابلية للاستغلال.
لكن لا ينبغي افتراض وجود خطة مركزية واحدة تقود كل هذه الممارسات؛ فقد تنتج الظاهرة من تفاعل مصالح حزبية متنافسة، وبنية اقتصادية مشوهة، وضعف مؤسسات الرقابة، وثقافة سياسية تقوم على الزبائنية.. , والمهم هو فحص النتائج والآليات والأدلة، لا الاكتفاء بإسناد كل شيء إلى مؤامرة غامضة.
# استعادة الإرادة: من التابع إلى المواطن
إن مواجهة التهجين والتدجين لا تكون بالصراخ وحده، ولا باستبدال زعيم بآخر، ولا بصناعة أصنام جديدة تُمنح الحصانة نفسها التي مُنحت لسابقيها.. , تبدأ المواجهة باستعادة المعنى الحقيقي للمواطنة، وترسيخ فكرة أن المسؤول موظف عام، وأن المنصب تكليف مؤقت، وأن المال العام ملك للمجتمع، وأن النقد حق، وأن المحاسبة ضرورة لا إهانة.
وتحتاج هذه المواجهة إلى استقلال اقتصادي نسبي يحد من قدرة شبكات النفوذ على ابتزاز المواطنين، وإلى تعليم ينمي التفكير النقدي، وإعلام مهني لا يتحول إلى بوق للأحزاب، وقضاء مستقل، وقوانين تحمي حرية التعبير والتنظيم السلمي، ومؤسسات رقابية قادرة على الوصول إلى المعلومات ومساءلة أصحاب السلطة… ؛ كما تحتاج إلى أحزاب داخلية ديمقراطية، ونقابات مستقلة، وروابط مهنية ومدنية تجمع الناس حول المصالح المشتركة بدلاً من تقسيمهم على أساس الولاء الشخصي.
ويجب أن يبدأ التغيير من رفض ازدواج المعايير: لا نبرر الفساد إذا صدر عن جماعتنا، ولا نسكت عن الاستبداد لأن المستبد يرفع شعارات نؤمن بها، ولا نمنح أي شخصية سياسية أو دينية أو اجتماعية حقاً دائماً في تمثيلنا.. , فالمعيار هو الفعل والنتيجة والقانون، لا الاسم والشعار والهوية.
والأهم أن استعادة الإرادة لا تعني تمجيد العنف أو الدعوة إلى الفوضى، بل بناء قدرة جماعية على الاعتراض السلمي المنظم، وعلى تحويل الغضب إلى مطالب واضحة، والمطالب إلى برامج، والبرامج إلى رقابة ومساءلة.. , فالشجاعة السياسية ليست أن يصرخ الفرد لحظة الغضب ثم ينسحب، وإنما أن يواصل المطالبة بحقه، وأن يقبل خضوع من يؤيده للقانون كما يقبل خضوع خصمه له.
إن الوطن لا يحتاج إلى رجال يثبتون قوتهم بالصراخ أو الاعتداء أو احتقار المختلفين، بل إلى مواطنين ومواطنات يمتلكون شجاعة الموقف، ونزاهة الضمير، والقدرة على رفض الإهانة من دون أن يتحولوا إلى ظالمين جدد.
فالسلطة التي تريد أن يخلو لها الجو قد تسعى إلى تدجين المجتمع، لكن نجاحها ليس قدراً محتوماً.. , وما دام في الناس من يسأل، وينقد، وينظم، ويوثق، ويطالب بالقانون، فإن المجال العام لا يكون قد مات، وإن بدا محاصراً.
ولا ينهض مجتمع يخلط بين جلاده وأبيه، وبين سارقه ووليه، وبين إذلاله وقدره؛ بل ينهض حين يدرك أن احترام الدولة لا يعني تقديس حكامها، وأن الوفاء للوطن لا يقتضي الصمت عن أخطائه، وأن الكرامة لا تُمنح من مكاتب المسؤولين، وإنما تُصان بقانون عادل ومؤسسات مسؤولة وإرادة شعبية لا تقبل أن تكون تابعة إلى الأبد.
إن أخطر ما قد يحققه التدجين ليس أن يمنع الإنسان من قول «لا»، بل أن يجعله ينسى أنه يستطيع قولها.. , وأول طريق التحرر أن يستعيد هذا الحق، لا ليهدم الدولة، بل ليمنع أحداً من اختزالها في شخصه؛ ولا ليصنع جلاداً جديداً، بل ليؤسس وطناً لا يحتاج فيه المواطن إلى إذن من أحد كي يكون حراً.


