أكتوبر 22, 2026
CjQKMlNuYXBjaGF0LzE0LjI3LjAuNTQgKGlQaG9uZTE4LDI7IGlPUyAyNy4wLjE7IGd6aXAp

CjQKMlNuYXBjaGF0LzE0LjI3LjAuNTQgKGlQaG9uZTE4LDI7IGlPUyAyNy4wLjE7IGd6aXAp

صراع الجبابرة وشيفرة مفاتيح التعيينات
أجنحة المناصب

بقلم الباحثة كنانة خلف الكردي

ليست كل التعيينات الحكومية إصلاحا وليس كل تغيير إداري صراعا على النفوذ لكن تكرار التبديلات في مواقع المسؤولية خلال المرحلة الانتقالية في سورية يفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز أسماء المغادرين والقادمين لتصل إلى جوهر القرار الإداري والسياسي ومنظومة المعايير التي تحكم الوصول إلى مواقع المسؤولية
ماذا تريد الدولة من هذه التعيينات وهل تتحرك لإعادة بناء مؤسساتها على أساس الكفاءة والإنجاز أم لإعادة ضبط توازنات النفوذ داخل مراكز القرار
ليس في مراجعة أداء المسؤولين ما يستدعي الاعتراض فالدولة التي تريد النهوض لا تستطيع مجاملة الفشل ولا منح المناصب حصانة سياسية أو شخصية لكن الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما يصبح التعيين جزءا من مشروع مؤسسي واضح لا مجرد استجابة لحسابات اللحظة أو تبدل موازين القوة
سورية اليوم أمام استحقاقات ثقيلة في الإدارة والاقتصاد والخدمات وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع ولذلك لم يعد مقبولا أن ينظر إلى التعيينات باعتبارها شأنا داخليا محصورا في دوائر القرار فكل منصب عام يرتبط مباشرة بمصالح المواطنين وكل قرار إداري ناجح أو فاشل ينعكس على قدرة الدولة على استعادة فاعليتها
نحتاج إلى مسؤول يعرف كيف يدير المؤسسة لا كيف يدير صورته أمام مركز القرار ونحتاج إلى وزير يقاس نجاحه بما يحققه في وزارته لا بدرجة قربه من أصحاب القرار ونحتاج إلى مدير يواجه الفساد والهدر والاحتكار لا إلى مسؤول ينشغل بحماية موقعه أكثر من انشغاله بحماية المؤسسة
هنا تبدأ شيفرة التعيينات الحقيقية عند النقطة التي تختلط فيها ثلاثة مفاهيم يفترض أن تبقى واضحة وهي الولاء للدولة والانسجام مع سياستها العامة والكفاءة المهنية
الولاء للدولة ضرورة والالتزام بالقانون والسياسة العامة مسؤولية لكن الكفاءة ليست تفصيلا يمكن تجاوزه ولا يجوز أن تتحول الثقة الشخصية إلى بديل دائم عن الاختصاص والخبرة والقدرة على الإنجاز
فالمرحلة الانتقالية تحتاج إلى رجال دولة لا إلى رجال مواقع وإلى مسؤولين قادرين على تنفيذ السياسات ومواجهة الأزمات وتحمل المسؤولية أمام المجتمع ومؤسسات الرقابة لا أمام الجهة التي رشحتهم وحدها
ومن هنا فإن حركة التعيينات تمثل اختبارا جديا لمشروع الإصلاح في سورية فإذا كان تغيير المسؤول يرفع كفاءة المؤسسة ويحسن الخدمات ويوقف الهدر فهو خطوة في الاتجاه الصحيح وإذا كان إعفاء المدير يفتح الطريق أمام المحاسبة ويحد من الاحتكار فهو إجراء مطلوب وإذا كان تعيين شخصية جديدة يستند إلى سجل مهني واضح وقدرة فعلية على الإنجاز فإن الدولة تكون قد أحسنت الاختيار
أما إذا تحول التغيير إلى تدوير للأسماء داخل دوائر النفوذ فإن المشكلة لن تكون في الأشخاص وحدهم بل في الآلية التي تنتجهم وفي المعايير التي تسمح باستمرار الخلل مهما تبدلت الوجوه
وهنا يجب أن يكون النقد إصلاحيا لا هداما فالدولة لا تبنى بحماية الأخطاء تحت عنوان الاستقرار كما لا تبنى بإقصاء كل تجربة سابقة لمجرد الرغبة في إثبات القطيعة مع الماضي بل تبنى بقدرتها على التمييز بين من ينجح ومن يفشل وبين من يستحق الاستمرار ومن يجب أن يخضع للمساءلة
من ينجح يستمر ومن يفشل يحاسب ومن يملك الكفاءة يتقدم ومن يثبت عجزه يغادر هذه ليست شعارات للمزايدة بل قواعد إدارية ينبغي أن تتحول إلى ممارسة ثابتة لا تتغير بتغير الأشخاص والظروف
ولا يمكن فصل التعيينات في المواقع الحساسة عن البيئة الإقليمية والدولية التي تتحرك فيها سورية فالتحولات السياسية والأمنية تفرض اعتبارات متعددة لكن التعامل مع هذه الاعتبارات يجب ألا يتحول إلى مبرر لتغييب المعايير الوطنية أو تقديم التوازنات على حساب بناء المؤسسات
كما أن غياب التفسير الواضح لقرارات التعيين والإعفاء يترك فراغا تملؤه الشائعات والتأويلات والحديث عن مراكز قوى وتدخلات وتفاهمات غير معلنة ولذلك فإن الشفافية لا تعني كشف كل ما يدور في غرف القرار بل تعني توضيح المعايير العامة وإعلان المسؤوليات وربط النتائج بالمحاسبة
المطلوب ليس أن يعرف المواطن كل تفاصيل القرار السياسي بل أن يثق بأن من يتولى موقعا عاما وصل إليه وفق معايير عادلة وأن بقاءه في منصبه مرتبط بأدائه لا بحصانته وأن مؤسسات الدولة أكبر من الأشخاص الذين يديرونها
إن الإصلاح لا يعني تغيير الأشخاص فقط بل تغيير الطريقة التي يجري بها اختيارهم وتقييمهم ومحاسبتهم فإذا بقيت الآلية على حالها فلن يكون تغيير الوجوه كافيا لبناء دولة مختلفة مهما ارتفعت سقوف الوعود
سورية تحتاج إلى تعيينات تصنع مؤسسات قوية لا إلى مؤسسات تتحول إلى ساحات لتوزيع النفوذ وتحتاج إلى ولاء وطني يعلو على الولاءات الشخصية وإلى كفاءة تكون شرطا لتولي المسؤولية ومساءلة تكون أساسا للاستمرار فيها
فالمعركة الحقيقية ليست بين مسؤول وآخر ولا بين اسم يغادر وآخر يصل بل بين منطق الدولة ومنطق النفوذ وبين إصلاح يغير قواعد العمل وتغيير يكتفي بتبديل الوجوه
صراع الجبابرة لا يحسمه عدد المناصب التي يسيطر عليها هذا الطرف أو ذاك بل تحسمه قدرة الدولة على إخضاع الجميع لمعيار واحد هو الكفاءة والنزاهة والإنجاز
وعندما تصبح هذه القاعدة أساس التعيينات تكون الدولة قد بدأت بالفعل باستعادة مفاتيحها أما إذا بقيت المفاتيح في يد التوازنات المغلقة فستظل الأسماء تتغير بينما تبقى الأزمة في مكانها