أكتوبر 20, 2026
IMG_4502

نار الإقليم في صندوق نتنياهو الانتخابي

إسرائيل تتأبط شرا ونتنياهو يوظف نار الإقليم انتخابيا

بقلم الباحثة كنانة خلف الكردي
اسرائيل خلف كل نار مشتعلة ونتنياهو يستفيد من دخانها للتمويه
فلا يمكن قراءة المشهد الإقليمي الراهن بوصفه مجموعة أزمات منفصلة عن بعضها فالتصعيد الحوثي وضرب السعودية والتهديدات التي تطال الأراضي قراءة المشهد تحتاج إلى التمييز بين من يصنع الحدث ومن يستثمره ومن يحاول توجيه نتائجه بما يخدم مصالحه فحركة المسيرات في الأجواء العربية واضطراب الملاحة والطاقة والتحذيرات الأمريكية المتلاحقة إلى جانب الاحتجاجات التي تشهدها بعض العواصم الغربية تضع المنطقة أمام مشهد متداخل تتقاطع فيه الحسابات الأمنية مع المصالح السياسية والاستحقاقات الانتخابية
لكن السؤال الاستراتيجي الأهم لا يتعلق فقط بأسباب هذه الأزمات وإنما بكيفية توظيفها ومن يستطيع تحويل تزامنها إلى ورقة ضغط تخدم أهدافه السياسية
وهنا تبرز إسرائيل وبشكل خاص بنيامين نتنياهو الذي يواجه استحقاقات داخلية تتداخل فيها حسابات البقاء السياسي مع ملف الأمن القومي ومستقبل حكومته فكلما ارتفع منسوب التوتر في الإقليم ازدادت إمكانية تقديم المشهد أمام الناخب الإسرائيلي باعتباره معركة أمنية مفتوحة لا تحتمل تغيير القيادة أو المجازفة ببدائل سياسية
هذه هي النقطة التي تستحق التوقف عندها
نتنياهو لا يحتاج بالضرورة إلى صناعة كل أزمة حتى يستفيد منها ولا يمكن الجزم بأن احتجاجات فرنسا أو التصعيد الحوثي أو تحركات المسيرات تجري ضمن خطة إسرائيلية موحدة لكن القدرة على استثمار الأحداث وإعادة تركيبها ضمن رواية سياسية واحدة تمثل بحد ذاتها أداة نفوذ مؤثرة
فالتصعيد الحوثي يمكن تقديمه باعتباره دليلا على اتساع نطاق التهديدات المرتبطة بإيران وحلفائها والتوتر في الخليج والبحر الأحمر يمكن توظيفه لإبراز هشاشة البيئة الأمنية المحيطة أما التحذيرات الأمريكية فتمنح الخطاب الأمني المتشدد مساحة إضافية في حين يمكن استثمار الاضطرابات الغربية إعلاميا للإيحاء بأن العالم يدخل مرحلة من عدم الاستقرار وأن إسرائيل تحتاج إلى مزيد من التماسك الداخلي
بهذه الطريقة تتحول الأزمات المتباعدة جغرافيا والمختلفة في أسبابها إلى مشهد واحد في الوعي السياسي الإسرائيلي
الانتخابات بوصفها معركة على الخوف
في الحسابات الانتخابية لا يكفي أن تقدم القيادة نفسها باعتبارها صاحبة الإنجازات بل تحتاج أحيانا إلى إقناع الناخب بأن البديل الجديد قد يكون أكثر خطورة من استمرارها وهنا يستطيع نتنياهو إعادة صياغة السؤال الداخلي من محاسبة الحكومة على أدائها السياسي والاقتصادي إلى التساؤل عمن يملك القدرة على حماية إسرائيل في بيئة إقليمية مضطربة إنها آلية سياسية معروفة تقوم على تقديم الأمن باعتباره الأولوية التي تتقدم على بقية الملفات وعندما يتصدر الخوف المشهد تتراجع مساحة النقاش حول الإخفاقات الداخلية وتصبح الخبرة العسكرية والقدرة على اتخاذ القرار السريع عناصر أكثر تأثيرا في خيارات الناخبين
لكن ذلك لا يعني أن المجتمع الإسرائيلي سيتجه تلقائيا إلى دعم نتنياهو فالحروب والأزمات الأمنية قد تعزز موقع القيادة أحيانا وقد تتحول في أحيان أخرى إلى عبء عليها إذا ارتبطت بخسائر بشرية أو إخفاقات استخباراتية أو تدهور اقتصادي أو عجز عن تحقيق الأهداف المعلنة
لذلك فإن الرهان الانتخابي لا يقوم على وجود الخطر وحده وإنما على قدرة نتنياهو على إقناع الجمهور بأنه قادر على احتوائه وأن خصومه أقل كفاءة في التعامل معه
من الورقة الانتخابية إلى التصعيد الإقليمي
تكمن الخطورة الحقيقية في أن توظيف الخوف داخليا قد يفتح المجال أمام قرارات أكثر هجومية خارجيا فإذا جرى تصوير التهديدات المتعددة باعتبارها أجزاء من معركة واحدة فقد يصبح التصعيد الاستباقي قابلا للتسويق باعتباره ضرورة أمنية وليس خيارا سياسيا قابلا للنقاش وهنا يتجاوز الأمر حدود الانتخابات الإسرائيلية ليصل إلى مستقبل المنطقة بأكملها فإعادة تعريف التهديدات قد تستخدم لتبرير توسيع نطاق العمليات العسكرية أو تغيير قواعد الاشتباك أو تعزيز النفوذ الإسرائيلي تحت عنوان حماية الحدود ومنع الأخطار قبل وصولها
أما الولايات المتحدة فإن تحركاتها وتحذيراتها لا تعني بالضرورة أنها تتحرك وفق حسابات نتنياهو وحده فواشنطن تملك مصالحها وأولوياتها الخاصة لكن تقاطع المصالح في بعض الملفات قد يمنح الحكومة الإسرائيلية هامشا إضافيا للمناورة ويجعل قرارات التصعيد أكثر تعقيدا بالنسبة إلى دول المنطقة
ومن هنا فإن قراءة المشهد تحتاج إلى التمييز بين من يصنع الحدث ومن يستثمره ومن يحاول توجيه نتائجه بما يخدم مصالحه
فإسرائيل لا تحتاج إلى أن تكون خلف كل نار مشتعلة حتى تستفيد من دخانها ونتنياهو لا يحتاج إلى صناعة كل خطر حتى يحوله إلى ورقة ضغط داخلية
يكفي أن ينجح في إقناع الناخب بأن الإقليم المحيط بإسرائيل يتجه نحو مرحلة أكثر خطورة وأن تغيير القيادة في هذا التوقيت قد يحمل مخاطر لا يمكن التنبؤ بنتائجها
لكن السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضرا هو ما إذا كان هذا الخطاب يهدف فعلا إلى احتواء الأخطار أم أنه قد يتحول إلى مبرر لتوسيعها
فحين يصبح الخوف رأسمالا انتخابيا قد تتحول الأزمات الخارجية إلى أدوات لإعادة ترتيب الداخل وحين تتحول هذه الأدوات إلى قرارات عسكرية يصبح الإقليم بأكمله عرضة لدفع ثمن الحسابات السياسية وهنا تكمن دلالة العنوان إسرائيل تتأبط شرا ليس لأن كل أزمة في المنطقة دليل على خطة إسرائيلية واحدة وإنما لأن تزامن الأزمات قد يوفر فرصة لإعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية بما يخدم طموحات تل أبيب
ويبقى التحدي أمام دول المنطقة ألا تسمح بتحويل اضطرابها إلى مبرر لتوسيع المواجهات وأن تميز بين التهديدات الحقيقية ومحاولات توظيفها سياسيا
فالمعركة لا تدور فقط حول من يملك القوة العسكرية بل حول من يملك القدرة على تعريف الخطر وتوجيه الرأي العام وتحديد اللحظة التي يصبح فيها الخوف قرارا سياسيا
وعندما تتحول نار الإقليم إلى ورقة انتخابية فإن أخطر الاحتمالات أن تنتهي الحسابات الداخلية إلى تصعيد يدفع ثمنه الجميع