أكتوبر 24, 2026
LOGO

ضياء المهندس

العراق لا يحتاج إلى البحث عن أموال جديدة بقدر ما يحتاج إلى معرفة أين تذهب أمواله الحالية، ومن يستنزف خزينته، ولماذا يدفع المواطن ثمن العجز بينما تستمر الامتيازات والهدر؟

عندما تواجه الدولة أزمة مالية، يكون الحل الأسهل أمام بعض المسؤولين هو الحديث عن رفع سعر الدولار، وزيادة الضرائب والرسوم، وتقليص الإنفاق الذي يمس حياة المواطن. أما الحل الأصعب، فهو الاقتراب من أبواب الهدر والفساد، ومراجعة الامتيازات، ومحاسبة من يتعامل مع المال العام وكأنه ملك شخصي.

ولذلك، فإن العراق يحتاج إلى إعلان حالة طوارئ مالية و تشكيل مجلس وزراء اقتصادي  مصغر مكون من وزراء المالية و الداخلية والتجارة و محافظ البنك المركزي و مستشار الأمن الوطني   ، لا تعني تعطيل الدولة أو المساس بحقوق المواطنين، بل تعني إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وفرض رقابة صارمة على كل دينار يخرج من الخزينة.

أولاً: 60 يوماً لترشيد الإنفاق لا لتجويع المواطن

تبدأ الخطة بتجميد الإنفاق الحكومي غير الضروري لمدة 60 يوماً، بما يشمل شراء السيارات الفارهة، والأثاث غير الضروري، والسفر والمهمات التي لا تقتضيها مصلحة عامة، والعقود الجديدة غير العاجلة، والمصروفات البروتوكولية المبالغ فيها.

التقدير التقريبي القابل للاختبار لهذا الإجراء هو وفر إجمالي بين 400 و800 مليار دينار خلال 60 يوماً، بحسب حجم الإنفاق القابل للتجميد فعلياً. ويُحسب هذا النطاق من خلال مراجعة أوامر الشراء والعقود والمصروفات التشغيلية المنفذة في الفترة نفسها من السنوات السابقة، لا من خلال رقم معلن ثابت. درجة اليقين منخفضة إلى متوسطة، لأن البيانات التفصيلية الموحدة عن الإنفاق غير الضروري ليست منشورة بالكامل، ولأن تجميد بعض البنود قد يؤدي إلى ترحيلها بدلاً من إلغائها.

وفي المقابل، تُحمى ثلاثة مسارات أساسية للإنفاق:

– الرواتب والتقاعد والاستحقاقات القانونية، مع ضمان وصولها إلى مستحقيها.

– الصحة والأمن والخدمات الأساسية، بما فيها الأدوية والمستلزمات الطبية ومتطلبات حماية المواطنين.

– الكهرباء، ولا سيما الوقود والصيانة والتجهيزات الضرورية لاستمرار الخدمة.

لكن هذه الخطة يجب ألا تتحول إلى ذريعة لإيقاف المشاريع الضرورية أو تأخير مستحقات المقاولين والقطاع الخاص بصورة عشوائية. المطلوب هو تصنيف الإنفاق وفق الأولوية والعائد العام، وليس تجميد كل ما عدا الرواتب والصحة والأمن والكهرباء دون تمييز.

ثانياً: ترشيق الوزارات وإعادة تنظيم الجهاز الحكومي

لا يمكن معالجة العجز المالي من خلال زيادة الأعباء على المواطنين مع استمرار تضخم الجهاز الحكومي. لذلك ينبغي اعتماد خطة واضحة لترشيق الوزارات، ودمج المؤسسات المتشابهة، وإلغاء الحلقات الإدارية الزائدة، وعدم استحداث وزارات جديدة ما لم تثبت الحاجة إليها بدراسة مالية وإدارية معلنة.

في الأجل القصير، قد لا يحقق الدمج الإداري وفراً كبيراً، لأن الرواتب والالتزامات القانونية لا تختفي بمجرد تغيير الهيكل. لكن وقف استحداث المناصب والوزارات، وتقليص الإيجارات والمكاتب والمخصصات التشغيلية، قد يوفر تقريباً بين 60 و220 مليار دينار خلال 60 يوماً. مصدر هذا التقدير هو كلفة التشغيل المباشر للمكاتب والمناصب الجديدة، ويجب تثبيته من كشوفات الموازنة وأوامر الصرف. درجة اليقين منخفضة، لأن الوفر يعتمد على عدد المناصب التي ستُلغى فعلياً وعلى عدم نقل النفقات إلى أبواب أخرى.

وفي هذا السياق، يمكن تحويل جزء من مهام وزارة العلوم والتكنولوجيا إلى قسم متخصص بالذكاء الاصطناعي، يتولى تنسيق مشاريع البحث والتطوير والتحول الرقمي، بدلاً من إنشاء وزارة جديدة وما يرافق ذلك من نفقات ومناصب ومخصصات. كما ينبغي دراسة دمج وزارة البيئة مع وزارة الموارد المائية ضمن هيكل مؤسسي موحد، بما يضمن معالجة قضايا المياه والتلوث والتغير المناخي بصورة متكاملة، مع الحفاظ على الاختصاصات الفنية والرقابية الضرورية.

ويجب كذلك عدم استحداث أربعة مناصب لنواب رئيس مجلس الوزراء، وتقليل عدد المستشارين والمناصب الخاصة، وربط أي منصب استشاري بحاجة فعلية ووصف وظيفي واضح ونتائج قابلة للتقييم. فترشيد الدولة لا يعني إضعافها، بل يعني توجيه مواردها إلى الخدمات والاستثمار بدلاً من تضخم المناصب.

ثالثاً: مراجعة الرواتب والامتيازات وفق القانون والعدالة

تحتاج الدولة إلى تدقيق شامل في رواتب السجناء السياسيين والشهداء والرعاية الاجتماعية، للتأكد من سلامة قواعد البيانات، ومنع الازدواجية والتزوير، وضمان وصول الاستحقاقات إلى مستحقيها الحقيقيين. ويجب أن يتم ذلك عبر لجان مستقلة وتدقيق قانوني يحفظ حقوق المستحقين ولا يحول مكافحة التجاوزات إلى عقوبة جماعية.

قد يحقق تدقيق الازدواجية والوفيات والأسماء غير المستحقة وفراً تقريبياً بين 550 مليار و2 تريليون دينار خلال 60 يوماً، إذا ثبت وجود حالات قابلة للإيقاف الفوري. مصدر الرقم هو إسقاط نسبة افتراضية محدودة، تتراوح تقريباً بين 0.5% و2% من مدفوعات البرامج المشمولة، وليس تقديراً رسمياً لحجم التجاوزات. درجة اليقين منخفضة جداً إلى منخفضة، ولا يجوز اعتماد الوفر في الموازنة قبل اكتمال التدقيق وصدور قرارات قانونية قابلة للطعن.

كما ينبغي إلغاء رواتب رفحاء، وفق مراجعة قانونية وتشريعية واضحة، وإنهاء أي امتياز لا يستند إلى معيار عادل أو يثقل الموازنة دون مبرر. وفي إطار تقاسم المسؤولية، تُخفض رواتب الرئاسات الثلاث بنسبة 50%، ورواتب النواب والدرجات الخاصة بنسبة 25%، مع مراجعة المخصصات والامتيازات المرتبطة بهذه المناصب، بما ينسجم مع ظروف الدولة المالية.

وبحسب عدد شاغلي هذه المناصب ومستوى رواتبهم ومخصصاتهم، قد يتراوح الوفر المباشر من هذه التخفيضات بين 30 و120 مليار دينار خلال 60 يوماً. مصدر التقدير هو كشوفات الرواتب والمخصصات الرسمية وعدد المستفيدين الفعلي، وهو رقم لا يمكن تثبيته بدقة من دون نشر تلك البيانات. درجة اليقين منخفضة، كما أن أي تخفيض يحتاج إلى سند قانوني وقد يواجه آثاراً سياسية أو قضائية.

هذه الإجراءات لا تكفي وحدها لحل الأزمة، لكنها ترسل رسالة ضرورية مفادها أن التقشف لا يبدأ من المواطن محدود الدخل، بل من قمة الهرم السياسي والإداري، وأن من يطلب من الناس تحمل الأعباء يجب أن يتحمل جزءاً أكبر منها.

رابعاً: خلال 72 ساعة… أين تتسرب أموال العراق؟

على وزارة المالية، بالتنسيق مع ديوان الرقابة المالية الاتحادي وهيئة النزاهة، تقديم تقرير أولي خلال 72 ساعة يحدد أكبر عشرة منافذ محتملة للهدر المالي، مع إعلان حجم الإنفاق المرتبط بها، والجهات المسؤولة، والأدلة المتوافرة، والإجراءات المقترحة لمعالجتها.

يمكن أن يشمل الفحص العقود المتضخمة، والمشاريع المتلكئة، والمشتريات غير الضرورية، والرواتب المزدوجة، والتجاوزات على المخصصات، والإعفاءات غير المبررة، والنفقات التشغيلية التي لا تحقق عائداً واضحاً، فضلاً عن كلفة الوزارات والمناصب والمستشارين والامتيازات التي يمكن تقليصها أو دمجها.

وقد يحقق التدقيق السريع للعقود والمشتريات والمشاريع القابلة للإيقاف أو إعادة التفاوض وفراً أو تجنباً لالتزامات يتراوح تقريباً بين 1 و5 تريليونات دينار خلال 60 يوماً. هذا ليس مبلغاً مضموناً أو نقداً متاحاً فوراً؛ بل تقدير لنطاق محتمل يستند إلى حجم العقود الحكومية الكبيرة وإلى فرضية أن نسبة محدودة منها قابلة للمراجعة. مصدر الأرقام المفترض هو سجل العقود، ودفعات المشاريع، وتقارير الرقابة والتدقيق، ولذلك تبقى درجة اليقين منخفضة إلى متوسطة، ولا يصبح الوفر محققاً إلا بعد إلغاء أو تعديل عقود محددة بصورة قانونية.

وتستند الفكرة إلى مبدأ باريتو، الذي يُستخدم في الإدارة لتحديد الأسباب الأكثر تأثيراً في المشكلة. فقد تكون مجموعة محدودة من المنافذ مسؤولة عن جزء كبير من الهدر، ولذلك فإن اكتشافها ومعالجتها قد يحقق نتائج أسرع من توزيع جهود الرقابة على آلاف الملفات الصغيرة.

لكن يجب توضيح حقيقة مهمة: ليس هناك ما يثبت مسبقاً أن أكبر عشرة منافذ تمثل نصف الهدر المالي العراقي، أو أن إغلاقها سيحل نصف الأزمة. هذه فرضية تستحق الاختبار بالأرقام والتدقيق، وليست نتيجة يجوز إعلانها قبل فحص البيانات.

وبجمع التقديرات غير المتداخلة بحذر، قد يتراوح الوفر أو الإنفاق الذي يمكن تجنبه خلال 60 يوماً بين نحو 2 و8 تريليون دينار. هذا نطاق استرشادي واسع، وليس وعداً مالياً؛ فقد تتداخل البنود، وقد يكون جزء من الوفر مؤجلاً أو غير نقدي، وقد تمنع القيود القانونية تحقيق بعضه. لذلك فإن مستوى اليقين الإجمالي منخفض، ولا ينبغي إدخاله في توقعات الإيرادات أو تمويل النفقات الأساسية قبل التحقق المستقل.

المطلوب تقرير أولي خلال ثلاثة أيام، يعقبه تدقيق تفصيلي ونشر نتائج قابلة للتحقق، مع إحالة المخالفات المثبتة إلى الجهات المختصة.

ثالثاً: تدقيق الرواتب والامتيازات… العدالة تبدأ من الأعلى

لا يمكن الحديث عن التقشف والعدالة المالية بينما لا تخضع جميع الاستحقاقات الحكومية للمراجعة نفسها، من أصغر موظف إلى أعلى مسؤول في الدولة.

المطلوب تشكيل فريق تدقيق مشترك من وزارة المالية وديوان الرقابة المالية الاتحادي، يتولى مراجعة:

ـ الرواتب المزدوجة والتعيينات الوهمية والاستحقاقات المصروفة خلافاً للقانون.

ـ المخصصات والمكافآت والامتيازات التي لا تستند إلى أساس قانوني واضح.

نفقات مكاتب المسؤولين الحاليين والسابقين، بما فيها الحمايات والمركبات والسفر والضيافة.

ـالعقود والمنافع التي قد تنطوي على تضارب مصالح أو هدر للمال العام.

ويجب أن تتم هذه المراجعة وفق القانون، مع حماية الحقوق التقاعدية المكتسبة وعدم الخلط بين الامتياز القانوني والهدر أو المخالفة.

فالعدالة لا تعني استهداف مسؤول بعينه، بل إخضاع الجميع لمعيار واحد. وإذا كان الموظف البسيط مطالباً بتقديم الوثائق لإثبات استحقاقاته، فمن باب أولى أن تكون امتيازات كبار المسؤولين واضحة ومدققة وقابلة للمساءلة.

رابعاً: الأرقام تكشف حجم التحدي المالي

الأزمة المالية العراقية ليست مجرد نقص عابر في السيولة؛ إنها مشكلة تتعلق بتركيبة الإنفاق، والاعتماد على النفط، وكفاءة إدارة المال العام.

وتقدم البيانات المنشورة مؤشرات تستحق التوقف عندها:

6 تريليونات دينار

شهرياً للرواتب، وفق تصريح وزارة المالية في كانون الأول 2025.

نحو 72 تريليون دينار

الفارق بين الموازنة المعتمدة والإنفاق الفعلي الإجمالي خلال 2015–2024 وفق بيانات وزارة المالية المنشورة.

26 تريليون دينار

أرباح شركات عامة مستحقة للخزينة عن سنوات سابقة، بحسب ما عُرض في مجلس النواب عن تقرير الرقابة المالية لعام 2025.

4 تريليونات دينار

غرامات مالية بأحكام قضائية لم تُحصّل، وفق العرض النيابي نفسه.

ا

وتكشف بيانات وزارة المالية للفترة 2015–2024 أن الإنفاق الفعلي على الرواتب والأجور بلغ نحو 407.2 تريليون دينار، مقابل 359.1 تريليوناً في الموازنة المعتمدة، فيما بلغ الإنفاق الفعلي على المشاريع الاستثمارية نحو 167.2 تريليون دينار، مقابل 248.8 تريليوناً مخططاً لها. وهذه أرقام تراكمية للفترة المذكورة، وليست إنفاق سنة واحدة.

هذه المقارنة تثير سؤالاً جوهرياً: لماذا تجاوز الإنفاق الفعلي المخصص للرواتب تقديراته، في حين لم تُنفّذ المشاريع الاستثمارية بالمستوى المخطط له؟ لا تثبت هذه الأرقام وحدها وجود فساد، لكنها تستوجب تفسيراً مالياً وإدارياً مفصلاً.

والأكثر أهمية أن مناقشة مجلس النواب لتقرير ديوان الرقابة المالية لعام 2025 كشفت عن نحو 500 ألف عقار عائد للدولة جرى حصر التجاوزات عليه، وعن فروقات ضريبية في ملف الشركات النفطية بلغت قرابة 388.7 مليار دينار. كما أُشير إلى عدم إرسال الحسابات الختامية إلى الديوان منذ عام 2022 حتى موعد عرض التقرير.

هذه ليست دعوة إلى افتراض أن جميع تلك المبالغ قابلة للتحصيل فوراً، بل إلى تحويل الأرقام والملفات إلى إجراءات قانونية وتحصيل فعلي واسترداد للأموال حيثما تثبت حقوق الدولة.

خامساً: من أين نبدأ؟ من استرداد الأموال لا من جيب المواطن

إذا كانت الدولة تبحث عن موارد إضافية، فهناك مسارات ينبغي اختبارها قبل فرض أعباء جديدة على المواطنين:

تحصيل الضرائب والرسوم المستحقة قانوناً، ومكافحة التهرب الجمركي والضريبي.

استرداد أرباح الشركات العامة المستحقة للخزينة، ومتابعة القروض والديون الحكومية.

استكمال حصر أملاك الدولة المتجاوز عليها واستعادتها أو تحصيل بدلات استغلالها وفق القانون.

تدقيق العقود المتلكئة والمتضخمة، ومحاسبة المسؤولين عن الأضرار المثبتة.

مراجعة الحسابات المصرفية الحكومية والأرصدة غير المستخدمة، وتوسيع تطبيق نظام الخزينة الموحد.

وقد أعلنت وزارة المالية العراقية في أيار 2026 إعادة أكثر من 3 تريليونات دينار و333 مليون دولار إلى حساب الخزينة العامة منذ تطبيق حساب الخزينة الموحد. وهذا مثال عملي على أن تحسين إدارة الأموال الموجودة يمكن أن يحرر موارد من دون فرض ضريبة جديدة على المواطن.

ابالتالي أن المطلوب 60 يوماً لاختبار جدية الإصلاح.

إن إعلان حالة طوارئ مالية لمدة 60 يوماً يجب ألا يكون شعاراً إعلامياً جديداً، ولا ذريعة للتقشف على حساب الفقراء، بل برنامجاً محدد الأهداف والمدة والنتائج.

خلال 72 ساعة، يُعلن تقرير أولي عن أكبر منافذ الهدر. وخلال 30 يوماً، تُنشر خطة المعالجة والمسؤوليات والجداول الزمنية. وخلال 60 يوماً، يُعرض تقرير للرأي العام يوضح ما جرى توفيره فعلياً، وما تم تحصيله، وما أُحيل إلى القضاء، وما بقي عالقاً.

تطلبوا من المواطن أن يدفع ثمن أزمة لم يصنعها قبل أن تثبت الدولة أنها أغلقت أبواب الهدر، وراجعت الامتيازات، واستردت ما تستطيع استرداده من أموالها.

فالدولة التي تستطيع أن تطالب الموظف البسيط بالالتزام المالي، يجب أن تكون قادرة على مساءلة أصحاب القرار. والعدالة المالية لا تبدأ بتخفيض قيمة الدينار أو زيادة الرسوم، بل تبدأ من قاعدة واحدة: احموا قوت المواطن، وأوقفوا الهدر، وحاسبوا المقصرين، ثم اطلبوا من الناس تحمّل المسؤولية.

البروفسور د.ضياء  واجد المهندس

رئيس مجلس الخبراء العراقي