أكتوبر 31, 2026
محمد-المياحي-1

النظام الايراني أمام أخطر اختبار.. ضغوط الخارج وغضب الداخل يضعان مصيره على المحك
محمد حسين المياحي
يواجه النظام الإيراني مرحلة بالغة الخطورة، تتداخل فيها الضغوط الدولية مع الأزمات الداخلية، في معادلة باتت تهدد قدرته على الحفاظ على توازناته التقليدية. فبين تصاعد المواجهة الخارجية، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، واتساع الهوة بين السلطة والمجتمع، يجد نظام الملالي نفسه أمام تحد مزدوج لا يمكن احتواء أحد جانبيه بمعزل عن الآخر. وما يزيد المأزق تعقيدا استمرار أنشطة المعارضة ووحدات المقاومة، في وقت تبدو فيه السلطة مضطرة إلى استنفار أجهزتها السياسية والأمنية لمواجهة احتمالات مرحلة أكثر اضطرابا.
أولا: ضغوط دولية تستنزف قدرة النظام على المناورة
لم تعد التحديات الخارجية تقتصر على العقوبات الاقتصادية أو الخلافات الدبلوماسية، بل باتت ترتبط بمستقبل البرنامج النووي الإيراني، والعلاقات مع الولايات المتحدة، وتداعيات المواجهة العسكرية، فضلا عن التراجع الذي أصاب قدرة طهران على التحرك الإقليمي بحرية.
وتؤدي العقوبات والقيود المفروضة على التجارة والصادرات النفطية، إلى جانب تداعيات الحرب، دورا في تعميق الاختلالات الاقتصادية وتضييق هامش المناورة أمام القيادة الإيرانية. وفي المقابل، لا يبدو التراجع أمام الضغوط خيارا سهلا للنظام، لما قد يترتب عليه من انعكاسات على صورته الداخلية ومكانته الإقليمية.
وهكذا، يجد نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: فالتصعيد قد يفاقم عزلته وأزماته، بينما قد تفسر التنازلات باعتبارها دليلا على ضعف قدرته على فرض إرادته. وبين هذين الخيارين، تتقلص مساحة المناورة السياسية، وتتزايد كلفة القرارات التي يتخذها.
ثانيا: جبهة داخلية تتسع فيها أسباب الرفض
لكن التحدي الأكثر خطورة يتمثل في الداخل الإيراني، حيث لم تعد الأزمة مجرد استياء من تدهور الأوضاع المعيشية، بل ترتبط أيضاً بأزمة ثقة سياسية واجتماعية أعمق. فالتضخم، وتراجع القدرة الشرائية، وتدهور قيمة العملة، وتفاقم أعباء الحياة اليومية، كلها عوامل تزيد النقمة الشعبية، خصوصا لدى الفئات التي ترى أن السلطة عاجزة عن تقديم حلول جذرية.
وقد أظهرت موجات الاحتجاج المتعاقبة أن المطالب الاقتصادية يمكن أن تتحول سريعا إلى اعتراض سياسي أوسع، وأن الإجراءات الأمنية، مهما بلغت شدتها، لا تعالج بالضرورة الأسباب التي تدفع الناس إلى الشارع.
وتزداد خطورة هذا الواقع بالنسبة إلى النظام حين يقترن بتراجع الثقة بالمؤسسات الرسمية، واتساع الفجوة بين خطاب السلطة وتجربة المواطنين اليومية. فالمشكلة لم تعد في كيفية احتواء احتجاج عابر، بل في كيفية التعامل مع استياء متجدد تتراكم أسبابه من دون أفق واضح للحل.
ثالثا: وحدات المقاومة ومعضلة السيطرة الأمنية
في هذا السياق، تكتسب أنشطة وحدات المقاومة التابعة لمنظمة مجاهدي خلق أهمية في الخطاب المعارض للنظام، الذي يقدمها باعتبارها جزءا من الجهد الرامي إلى إبقاء المعارضة حاضرة في المجال العام، وعدم السماح للقبضة الأمنية بإنهاء مظاهر الرفض السياسي.
وتشير تقارير المعارضة إلى استمرار أنشطة هذه الوحدات، رغم الاعتقالات والإجراءات الأمنية المشددة. وإذا كانت هذه الأنشطة لا تكفي وحدها للحكم على حجم التأييد الشعبي أو التنبؤ بمآلات الصراع، فإن استمرارها، بالتزامن مع الاحتقان الاجتماعي، يضيف تحديا أمنيا وسياسيا إلى التحديات التي تواجهها السلطة.
ومن هنا، يمكن فهم تشديد الرقابة وتكثيف الاعتقالات والتحذيرات الرسمية باعتبارها مؤشرات على القلق من احتمال تفاعل المعارضة المنظمة مع غضب شعبي أوسع. فالنظام لا يواجه أزمة اقتصادية فحسب، بل يخشى أيضا أن تتحول هذه الأزمة إلى عامل محفز لحراك سياسي يصعب احتواؤه.
مرحلة مفصلية ومصير مفتوح على الاحتمالات
إن خطورة المرحلة الراهنة تكمن في تزامن الضغوط الدولية مع هشاشة الأوضاع الداخلية، في وقت يواصل فيه النظام الاعتماد على أدوات الردع الأمني من دون أن يقدم معالجة جذرية لأسباب السخط الشعبي.
ومع ذلك، فإن القول إن سقوط النظام بات حتميا سيكون استنتاجا متسرعا؛ فمآلات الأزمات السياسية تتوقف على عوامل متعددة، من بينها تماسك مؤسسات السلطة، ومواقف القوى الاجتماعية، وقدرة المعارضة على توسيع حضورها، وطبيعة التطورات الدولية.
لكن المؤكد أن هامش الخطأ لدى القيادة الإيرانية يضيق، وأن كلفة الاستمرار في السياسات نفسها تتزايد.
إن نظاما يجد نفسه مضطرا إلى مواجهة الضغوط الخارجية، واحتواء الغضب الداخلي، وتشديد قبضته الأمنية في الوقت ذاته، يقف أمام اختبار تاريخي حقيقي. وقد لا يكون السؤال الأهم اليوم هو كيف سيتمكن من تجاوز الأزمة الراهنة، بل ما إذا كان قادرا على الاستمرار في إدارة الأزمات المتلاحقة بالأساليب ذاتها، من دون أن تتراكم تداعياتها إلى مستوى يهدد بقاءه. فمصير النظام بات بالفعل على المحك السياسي، وإن كانت النتيجة النهائية ستظل رهنا بما ستكشف عنه المرحلة المقبلة من تحولات داخلية ودولية.