أكتوبر 31, 2026
رياض 555

رياض سعد

 أولاً: من يحكم الدولة، ومن يتحكم في شروط الحكم؟

لا تُقاس قدرة القوى الكبرى على التدخل في شؤون الدول بمدى امتلاكها القوة العسكرية وحدها، بل بقدرتها على التأثير في بنية الدولة، وشبكات المصالح الاقتصادية، ومراكز صنع القرار، والنخب السياسية والأمنية، والبيئة الإعلامية والثقافية والدينية والاجتماعية التي تمنح الحاكم شرعيته أو تسحبها منه.. ,  فإسقاط حاكم قد يكون عملية سريعة نسبياً، أما إعادة تشكيل النظام السياسي وضمان خضوعه لمعادلات النفوذ الخارجي، فهي عملية أطول وأكثر تعقيداً، وقد تستمر حتى بعد رحيل القوة المتدخلة عسكرياً.

ومن هذا المنطلق، يمكن الحديث عن اختلافات تاريخية في أساليب النفوذ البريطاني والأمريكي، لا باعتبارهما مدرستين مغلقتين لا تتداخلان، بل بوصفهما تقليدين سياسيين واستخباراتيين تشكّلا في ظروف تاريخية مختلفة، واستخدما أدوات متعددة بحسب المصالح والفرص والتوازنات المحلية والدولية.

فالمدرسة البريطانية، التي تبلورت خلال الحقبة الإمبراطورية، اعتمدت كثيراً على الإدارة غير المباشرة، والتحالف مع النخب المحلية والمرتزقة العملاء ، وتوظيف التوازنات بين القوى الاجتماعية والدينية والسياسية، وإقامة مؤسسات تستطيع إدارة البلاد مع إبقاء النفوذ البريطاني حاضراً في مفاصلها.. ,  أما الولايات المتحدة، فقد جمعت بين هذه الأدوات وبين وسائل أخرى، منها العمليات الاستخباراتية السرية، والضغط الاقتصادي والدبلوماسي، والتأثير الإعلامي، وبناء التحالفات، والتدخل العسكري المباشر، ثم مشروعات إعادة بناء الدولة أو إعادة تشكيلها بعد تغيير النظام.

لكن من الخطأ اختزال التجربة البريطانية في إسقاط رأس النظام، والتجربة الأمريكية في استهداف قواعده الشعبية؛ فالتاريخ يكشف أن الدولتين استخدمتا الأسلوبين معاً، وإن اختلفت الأوزان والظروف والنتائج.

 ثانياً: المدرسة البريطانية وإدارة النفوذ عبر النخب المحلية والعميلة

لم يكن جوهر النفوذ البريطاني في مستعمراته ومناطق نفوذه قائماً دائماً على الاحتلال المباشر، بل كثيراً ما استند إلى بناء علاقات مع الحكام المحليين، وإسناد مواقع النفوذ إلى شخصيات وقوى ترتبط مصالحها باستمرار العلاقة مع بريطانيا.. , وقد سمح هذا الأسلوب بتقليل الكلفة الإدارية والعسكرية، مع الاحتفاظ بقدرة مؤثرة في القرارات الاستراتيجية.

وتقوم الإدارة غير المباشرة، في صورتها العامة، على عدة عناصر مترابطة: التعامل مع النخب القائمة، وتوظيف الخلافات بين القوى المحلية، وإقامة ترتيبات أمنية وسياسية تضمن استمرار المصالح الخارجية، وتقديم الدعم للحليف المحلي ما دام قادراً على حماية تلك المصالح.. , وعندما تتغير موازين القوى، قد يتغير الحليف نفسه، أو يجري التخلي عنه، أو يُعاد ترتيب المشهد السياسي بما يسمح باستمرار النفوذ بأدوات مختلفة.

ولا يعني ذلك أن كل حاكم أقام علاقة مع بريطانيا كان عميلاً لها بالمعنى الاستخباراتي الدقيق؛ فالعلاقات بين الدول تتفاوت بين التحالف والمساومة والاعتماد المتبادل والتبعية، ولا يصح وضعها جميعاً في خانة واحدة من دون وثائق وأدلة.

التجربة العراقية في العهد البريطاني

يقدم العراق في النصف الأول من القرن العشرين مثالاً مهماً على تداخل بناء الدولة مع المصالح الإمبراطورية.. ,  فقد سعت بريطانيا، بعد دخول قواتها العراق خلال الحرب العالمية الأولى، إلى إقامة نظام سياسي قادر على إدارة البلاد، مع الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية.. ,  ولم يكن هذا المسار خالياً من المقاومة العراقية، أو الصراعات الداخلية، أو التناقض بين تطلعات المجتمع الوطني ومتطلبات النفوذ البريطاني.

وتشير دراسة المؤرخ توبي دودج عن بناء الدولة في العراق إلى المقارنة بين تجربة بريطانيا في محاولة إقامة دولة مستقرة بين عامي 1914 و1932، وبين الصعوبات الأمريكية في تثبيت النظام العراقي بعد تغيير الحكم سنة 2003.. ,  وتبرز الدراسة أن فرض النظام السياسي من الخارج لا يضمن بناء دولة مستقرة، لأن الاستقرار يحتاج إلى مؤسسات ذات قدرة فعلية، وهوية مدنية جامعة، وعلاقة مقبولة بين المجتمع والدولة.

وهنا تتضح نقطة جوهرية: قد تنجح قوة خارجية في إنشاء نظام سياسي أو دعم نخبة حاكمة، لكنها لا تستطيع ضمان استقرار ذلك النظام إذا بقيت شرعيته الاجتماعية ضعيفة، أو إذا تحولت مؤسساته إلى أدوات لخدمة جماعات محدودة بدلاً من خدمة المجتمع بأكمله.

 ثالثاً: المدرسة الأمريكية بين الانقلاب السري والتأثير طويل الأمد

لا تقوم المدرسة الأمريكية على نموذج واحد.. ,  ففي بعض المراحل، فضّلت واشنطن العمليات السرية لتغيير الحكومات التي عدّتها معادية لمصالحها؛ وفي مراحل أخرى، استخدمت العقوبات، والمساعدات المشروطة، والضغوط الدبلوماسية، ودعم المعارضة، والحروب المباشرة.. ,  كما لجأت إلى بناء مؤسسات جديدة بعد إسقاط الأنظمة، وهو ما جعلها تتحمل مسؤولية سياسية وأمنية كبيرة عن نتائج تلك التحولات.

وتكشف الوثائق الأمريكية المنشورة عن دور العمليات السرية في إيران عام 1953 وغواتيمالا عام 1954… ؛  ففي الحالة الإيرانية، تناولت وثائق الخارجية الأمريكية خطة لإسقاط حكومة محمد مصدق واستبدال حكومة موالية للغرب بها، من خلال الضغط السياسي، وتنسيق القوى المناوئة للحكومة، والعمل على تأمين دعم شخصيات ومؤسسات نافذة.. ,  وفي غواتيمالا، وثّقت وزارة الخارجية الأمريكية دور وكالة الاستخبارات المركزية في العملية التي أفضت إلى إسقاط الرئيس ياكوبو أربينز عام 1954.  

وتوضح هذه الأمثلة أن التأثير في القوى المحلية لم يكن اختراعاً أمريكياً حديثاً، كما أن المدرسة البريطانية لم تكن غافلة عن أهمية الرأي العام أو التحالفات الاجتماعية.. ؛  إن الفارق الحقيقي لا يكمن في امتلاك إحداهما أدوات لا تعرفها الأخرى، بل في طبيعة الأهداف، وبنية المؤسسات، والظروف الدولية، وطريقة دمج الأدوات السياسية والاستخباراتية والعسكرية والإعلامية.

ومن هنا، فإن القول إن بريطانيا كانت تؤمن بإسقاط رأس النظام فقط، بينما تؤمن الولايات المتحدة بتفكيك قواعده الشعبية، يصلح بوصفه فرضية أولية للنقاش، لا قاعدة تاريخية مطلقة.. ,  فالتدخل الأمريكي نفسه قد يستهدف القيادة والنخبة العسكرية والاقتصاد والإعلام والجمهور في وقت واحد، بحسب طبيعة الحالة.

 رابعاً: كيف تُصنع النخب المحلية أو تُستمال؟

في التحليل السياسي والاستخباراتي، لا تعني صناعة النخب بالضرورة اختلاق شخصيات من العدم، بل قد تعني صعود شخصيات موجودة أصلاً، ثم توسيع نفوذها من خلال التمويل أو التدريب أو العلاقات الدولية أو المنابر الإعلامية أو فرص الوصول إلى مراكز القرار.. ,  وقد تكون هذه العملية علنية ومشروعة، كبرامج التدريب والتبادل الدبلوماسي، وقد تكون سرية أو غير قانونية عندما تتضمن تمويلاً خفياً أو توجيهاً سياسياً غير معلن أو شراء ولاءات.

ويمكن فهم آليات النفوذ عبر أربعة مستويات مترابطة:

1. المستوى السياسي: بناء علاقات مع قادة الأحزاب والنواب والوزراء  والمسؤولين والمرشحين، وتقديم الدعم الدبلوماسي أو الاقتصادي لهم، والتأثير في فرص وصولهم إلى السلطة.

2. المستوى الاقتصادي: ربط المصالح التجارية والاستثمارات والمساعدات والتسهيلات المالية بشبكات من رجال الأعمال والسياسيين، بما قد يخلق اعتماداً متبادلاً، أو يفتح الباب أمام تضارب المصالح والفساد.

3. المستوى الإعلامي والثقافي: منح بعض الشخصيات مساحة أكبر للظهور، وتضخيم خطابها، والترويج لها باعتبارها ممثلة للتغيير أو الاستقرار أو الإصلاح.. ,  ولا يثبت الظهور الإعلامي وحده وجود توجيه استخباراتي، لكنه قد يصبح جزءاً من منظومة تأثير أوسع عندما تقترن به أدلة على التمويل أو التنسيق أو المصالح المشتركة.

4. المستوى المؤسسي والأمني: التأثير في السياسات المتعلقة بتعيين القيادات، وبناء الأجهزة الأمنية، وتحديد الأولويات الدفاعية، وصياغة التشريعات، وإدارة ملفات مكافحة الإرهاب والحدود والتعاون العسكري.

والقاعدة التي ينبغي الانتباه إليها هي أن النفوذ الخارجي لا يحتاج دائماً إلى أوامر مباشرة… ؛  فقد يتحقق عندما تتطابق مصالح بعض النخب المحلية مع مصالح القوة الخارجية، أو عندما تصبح تلك النخب معتمدة على الدعم الخارجي في بقائها السياسي أو الاقتصادي.. ,  لكن إثبات التبعية يتطلب أدلة محددة، لا مجرد اختلاف المواقف أو التقارب السياسي.

 خامساً: استهداف البيئة الحاضنة أم تغيير قناعاتها؟

تستند الحركات السياسية والاجتماعية إلى قواعد جماهيرية توفر لها الشرعية، والقدرة على التعبئة، والموارد البشرية، والحضور في الانتخابات والاحتجاجات.. ,  ولذلك، فإن إضعاف حركة سياسية لا يقتصر على مواجهة قياداتها؛ فقد يتصل أيضاً بتراجع الثقة الشعبية بها، أو انقسام جمهورها، أو تآكل صورتها الأخلاقية، أو فقدانها القدرة على تقديم الخدمات والاستجابة للمطالب الاجتماعية.

وقد يحدث هذا التراجع نتيجة حملات إعلامية منظمة، أو أخطاء القيادة نفسها، أو الفساد، أو القمع، أو التنافس بين القوى المحلية، أو تغير الأوضاع الاقتصادية.. ,  وفي كثير من الحالات، تتداخل هذه العوامل بحيث يصعب ردّ التحول الجماهيري إلى سبب واحد.

ومن منظور استراتيجي، فإن التأثير في الجمهور قد يكون أكثر استدامة من الضغط على قائد بعينه؛ فالقائد قد يُستبدل بآخر، بينما يؤدي انهيار الثقة إلى إضعاف قدرة التنظيم على إعادة بناء نفوذه.. ,  غير أن هذا لا يعني أن كل تراجع شعبي مؤامرة خارجية، ولا أن كل نقد إعلامي لحركة سياسية جزء من خطة استخباراتية.. ,  فالمجتمعات ليست كتلاً صامتة يسهل التحكم بها، والجمهور يمتلك دوافعه وتجربته وقدرته على الحكم على أداء القوى التي تؤيده.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في العراق، حيث تتشابك الأحزاب مع مؤسسات الدولة، وتتنافس القوى السياسية على الموارد والمناصب، وتؤثر شبكات الإعلام والمال والعلاقات الخارجية في تشكيل الرأي العام… ؛  وقد وثّق تقرير «فريدوم هاوس» عن حرية الإنترنت في العراق لعام 2024 انتشار التلاعب بالمعلومات عبر جهات سياسية ونفوذ اقتصادي، واستخدام الأخبار المضللة والدعاية للتأثير في النقاش العام، ولا سيما في الفترات الانتخابية. وهذا يثبت وجود بيئة قابلة للتلاعب الإعلامي من أطراف متعددة، لكنه لا يثبت أن جهة طائفية واحدة تسيطر على الإعلام كله، أو أن كل حملة إعلامية تخدم مشروعاً أجنبياً بعينه.

 سادساً: العراق بعد عام 2003 — تغيير النظام لا يساوي بناء الدولة

يمثل العراق بعد عام 2003 حالة مركزية لفهم الفجوة بين القدرة على إسقاط النظام والقدرة على بناء نظام مستقر.. ,  فقد أدى الغزو إلى إنهاء حكم  السفاح صدام ، لكنه فتح أيضاً مرحلة معقدة من إعادة بناء المؤسسات، وتوزيع السلطة، وصياغة العلاقة بين المكونات السياسية والاجتماعية، وإدارة التحديات الأمنية والاقتصادية.

ولم تكن النتائج مجرد تنفيذ لخطة خارجية واحدة متماسكة؛ فقد تنازعت المؤسسات الأمريكية نفسها رؤى مختلفة بشأن العراق، كما امتلكت القوى العراقية المحلية أجنداتها الخاصة، وتدخلت دول إقليمية متعددة لدعم حلفائها.. ,  وبذلك، أصبح النظام السياسي الجديد نتاج تفاعل بين الاحتلال والقرارات الدولية، والصراعات الداخلية، والتنافس والتدخل  الإقليمي، وأخطاء النخب العراقية، وتطلعات المجتمع ومخاوفه.

وتشير الدراسات الأكاديمية المتعلقة بتغيير النظام في العراق إلى أهمية دور المعارضة العراقية في الخارج وشبكاتها السياسية في التأثير في عملية صنع القرار الأمريكي قبل الحرب، كما تبرز التداخل بين النخب الأمريكية والعراقية في رسم بعض ملامح مرحلة ما بعد الغزو.

والدرس الأهم أن القوة الخارجية قد تزيل نظاماً قائماً، لكنها لا تستطيع أن تضمن وحدها نشوء نظام وطني متماسك.. ,  فحين تضعف مؤسسات الدولة، وتتراجع الثقة بالقانون، وتتحول المناصب العامة إلى حصص حزبية، تصبح البيئة السياسية أكثر عرضة للتأثير الخارجي، لا لأن جميع القوى المحلية عملاء، بل لأن هشاشة المؤسسات تتيح للمال والسلاح والعلاقات الخارجية أن تلعب دوراً يفوق دورها الطبيعي.

 سابعاً: الحشد الشعبي بين الشرعية الأمنية والتنافس السياسي

لا يمكن تحليل موقع الحشد الشعبي في العراق من دون وضع نشأته في سياقها التاريخي والأمني.. ,  فقد برزت قوات الحشد في سياق الحرب ضد تنظيم داعش، واكتسبت قطاعات واسعة منها مكانة لدى مؤيديها بسبب مشاركتها في القتال والتضحيات التي قدمها أفرادها. وفي المقابل، أثار وضع بعض الفصائل المسلحة، وعلاقتها بالدولة، وممارسات بعض الجهات المنضوية تحت المظلة الأوسع، أسئلة سياسية وأمنية تتعلق بسلطة القانون، واحتكار الدولة للسلاح، والمساءلة، والعلاقة بين المؤسسة العسكرية والمنافسة الحزبية.

ومن الخطأ اختزال الحشد في صورة واحدة، سواء بوصفه كتلة متجانسة لا تشوبها أخطاء، أو بوصفه تنظيماً واحداً ذا موقف سياسي وأمني موحد.. ,  فهو مظلة تضم تشكيلات وقيادات واتجاهات متفاوتة، كما أن مواقف العراقيين منه ليست واحدة؛ إذ تتأثر بالتجارب المحلية، والانتماءات السياسية، والاعتبارات الأمنية، وتقييم أداء الفصائل ومؤسسات الدولة.

وقد أظهرت دراسة منشورة عام 2025، اعتمدت تجربة استطلاعية لقياس المواقف من قوات الحشد، تفاوتاً في نظرة العراقيين إليها؛ إذ أشار ملخص الدراسة إلى أن أكثر من 41% من المشاركين رأوا في الحشد مصدراً للاضطراب السياسي، مع اختلاف ملحوظ في المواقف بين المجموعات والمناطق.. ,  وهذه النتيجة لا تعني أن جميع العراقيين يتبنون هذا الرأي، لكنها توضح أن الصورة الشعبية للحشد موضع خلاف وليست إجماعاً وطنياً مطلقاً.

ومن هنا، ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور: احترام تضحيات المقاتلين الذين واجهوا داعش، وتقييم أداء القيادات والتشكيلات على أساس القانون والمساءلة، ومناقشة النفوذ الخارجي الذي قد يؤثر في بعض الفصائل أو الأحزاب.. ,  فلا يجوز استخدام أخطاء جهة ما لمحو تضحيات جميع أفرادها، كما لا يجوز استخدام التضحيات لتبرير الأخطاء أو منع النقد.

أما القول إن الولايات المتحدة نجحت في سحب القاعدة الشعبية للحشد عبر استمالة فئات اجتماعية بعينها، أو عبر صناعة شخصيات إعلامية محددة … ؛ فهو صحيحٌ بنسبة 50%؛ نعم، أسهمت الولايات المتحدة الأمريكية، وفقاً لسياساتها القائمة على التأثير في قناعات الشعوب وتوجيه الرأي العام وإعادة تشكيل تصورات المواطنين، في تشويه صورة الحشد الشعبي العراقي، والنيل من سمعته، والتقليل من تضحياته، وتهوين انتصاراته أو التقليل من أهميتها… ؛  غير أن ذلك لا يعني، في المقابل، أن الأوضاع مثالية في جميع تشكيلات الحشد الشعبي وفصائله؛ إذ لا يمكن إنكار ما شاع وتناقلته الأوساط المختلفة من أخبار سلبية، وما كُشف عنه من ممارسات وتصرفات خاطئة صدرت عن بعض قادة الفصائل ومسؤوليها.. ,  ومن ثمّ، فإن الإنصاف يقتضي التمييز بين محاولات التشويه السياسي والإعلامي الممنهج التي تستهدف الحشد وتضحياته، وبين الأخطاء والتجاوزات الحقيقية التي ينبغي الاعتراف بها ومحاسبة المسؤولين عنها، من دون تعميمها على جميع التشكيلات والفصائل، أو اتخاذها ذريعةً لطمس التضحيات والانتقاص من الإنجازات.

 ثامناً: المال والإعلام والضغط السياسي

تؤدي الأموال دوراً مؤثراً في السياسة الدولية، لكن تأثيرها ليس مرادفاً للشراء المباشر.. ,  فالعلاقات الاقتصادية، والاستثمارات، وصفقات السلاح، والتعاقدات التجارية، والتمويل السياسي، وأنشطة جماعات الضغط، كلها أدوات قد تسهم في توجيه أولويات صانعي القرار.. ,  وتختلف مشروعيتها وفاعليتها باختلاف القوانين والشفافية وطبيعة المصالح التي تخدمها.

وفي الولايات المتحدة، لا يمكن اختزال السياسة الخارجية في رغبة رئيس واحد أو في علاقة مالية واحدة.. ,  فالقرار يتشكل عبر مؤسسات متعددة، منها الرئاسة والكونغرس ووزارات الخارجية والدفاع والخزانة، وأجهزة الاستخبارات، وجماعات الضغط، والناخبون، والمصالح الاقتصادية، والحسابات الانتخابية والاستراتيجية.. ,  وقد يتمتع الرئيس بهامش واسع من التأثير، لكنه لا يتحكم وحده في كل مخرجات السياسة الأمريكية.

لذلك، فإن القول إن دولة بعينها «اشترت» رئيساً أمريكياً، أو إن رئيساً سابقاً لم يقبل أموالها بينما قبلها رئيس آخر، لا ينبغي اعتماده حقيقةً ما لم تسنده أدلة محددة على دفع غير مشروع أو اتفاق سري أو مقابل سياسي مباشر.. ,  أما القول إن المال والعلاقات التجارية قد يؤثران في قرارات السياسة الخارجية، فهو تحليل عام يمكن بحثه بالأدلة والسجلات المالية والتشريعية والتصريحات الرسمية.

والأمر نفسه ينطبق على المؤسسات الإعلامية.. ,  فالقنوات الكبرى لا تعمل بالضرورة وفق توجيه واحد، ولا يجوز افتراض أن جميع وسائل الإعلام الأمريكية تابعة لجهة واحدة أو خاضعة لسيطرة مكوّن عرقي أو ديني أو طائفي محدد.. ,  لكن من المشروع بحث الانحياز ، ومصادر التمويل، وملكية المؤسسات، والعلاقات بين الإعلام والسياسة، ومدى تأثير هذه العوامل في صورة العراق وقواه السياسية لدى الجمهور الأمريكي.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في البيئة الإعلامية هو أن تتحول المعلومة إلى سلاح، وأن يصبح التضليل أكثر انتشاراً من الوقائع، وأن تُختزل الجماعات الاجتماعية في صور نمطية، وأن تُستخدم الأخطاء الحقيقية أو المزعومة لإثارة العداء بين العراقيين.. ,  وفي هذه الحالة، لا يكون الخاسر طرفاً سياسياً واحداً، بل المجتمع كله، لأن فقدان الثقة يضعف قدرة المواطنين على التمييز بين النقد المشروع والحملة الموجهة.

 تاسعاً: لماذا تفشل بعض خطط تغيير الأنظمة؟

قد تنجح العمليات الخارجية في إسقاط حكومة، أو إضعاف حزب، أو فرض عقوبات، أو تغيير موازين القوى مؤقتاً، لكنها تفشل في تحقيق الاستقرار طويل الأمد لأسباب عدة، أهمها:

– ضعف الشرعية المحلية: عندما يُنظر إلى النظام الجديد على أنه مفروض من الخارج أو عاجز عن تمثيل المجتمع.

– تفكيك المؤسسات من دون بديل كفوء: إذ يؤدي انهيار أجهزة الدولة إلى فراغ أمني وإداري لا تستطيع القوى الجديدة ملأه بسرعة.

– الاعتماد على نخب محدودة: حين تُمنح السلطة لمجموعات لا تمتلك قاعدة اجتماعية كافية أو قدرة على إدارة مؤسسات الدولة.

– التنافس بين القوى الخارجية: لأن الدول المتدخلة لا تتطابق مصالحها بالضرورة، وقد تتعارض خططها على الأرض.

– تجاهل الهوية الوطنية والمصالح الاجتماعية: فالمواطن لا يعيش على الشعارات السياسية وحدها، بل يحتاج إلى الأمن والخدمات والعمل والعدالة.

– المبالغة في تقدير أثر الدعاية: لأن الجمهور قد يتأثر بالإعلام، لكنه يستطيع أيضاً مقاومة الرسائل الموجهة عندما تتعارض مع تجربته اليومية.

ويؤكد تاريخ العراق الحديث أن إسقاط النظام ليس نهاية الصراع، بل قد يكون بداية مرحلة أشد تعقيداً، تتنافس خلالها القوى المحلية والإقليمية والدولية على صياغة قواعد النظام الجديد.

 عاشراً: ما الذي ينبغي أن يتعلمه العراق؟

إن مواجهة النفوذ الخارجي لا تتحقق بالشعارات وحدها، ولا بتخوين كل مخالف، ولا بافتراض أن كل نقد إعلامي مؤامرة… ؛  إنها تبدأ ببناء دولة قادرة على حماية قرارها الوطني، وتطبيق القانون على الجميع، ومكافحة الفساد، وتنظيم التمويل السياسي، وتعزيز استقلال القضاء، وضمان شفافية التعاقدات العامة، وإقامة إعلام مهني يستطيع المواطن الوثوق به.

كما تتطلب حماية العلاقة بين القوى السياسية وجمهورها من الاستغلال المتبادل؛ فالجمهور ليس مجرد أداة انتخابية أو حشد جماهيري، والقائد ليس مصدراً وحيداً لقوة التنظيم… ؛  إن القوة المستدامة تنشأ من الثقة، والكفاءة، والالتزام بالقانون، والقدرة على تقديم خدمات ملموسة، والاستعداد لمحاسبة المقصرين.

ولا بد من إخضاع جميع القوى المسلحة، من دون استثناء، لإطار دستوري وقانوني واضح، بما يضمن حماية المقاتلين والمواطنين معاً، ويمنع تحويل السلاح إلى وسيلة لفرض الإرادة السياسية. كما ينبغي أن تكون العلاقات الخارجية قائمة على المصالح العراقية المعلنة، لا على الولاءات الشخصية أو الحزبية أو الطائفية.

إن العراق الذي يواجه التدخلات الخارجية لا يحتاج إلى استبدال تبعية بأخرى، ولا إلى الانغلاق عن العالم، بل إلى بناء مؤسسات تجعل التعاون الدولي خياراً سيادياً لا ضرورة مفروضة بسبب الضعف الداخلي.

 خاتمة: الحرب على الوعي لا تقل أهمية عن الصراع على السلطة

قد تتغير الحكومات، وقد يُقتل القادة أو يُعتقلون أو يُستبعدون، وقد تتبدل التحالفات، لكن المعركة على تصورات الناس ومواقفهم وثقتهم بمؤسساتهم تبقى من أكثر ساحات الصراع تعقيداً… ؛  فالإعلام قد يضخم الإنجازات ويخفي الإخفاقات، وقد يشيطن الخصوم أو يلمّع الحلفاء، وقد يحوّل قضية وطنية إلى نزاع طائفي، أو يحول الخلاف السياسي إلى عداوة اجتماعية.

ومن هنا تبرز أهمية المقولة الشائعة: «الحرب نصفها إعلام؛ ومن يخسر معركة الوعي قد يخسر جانباً كبيراً من معركته السياسية»… ؛  وهي عبارة تلخص أهمية الإعلام، وإن لم تكن قاعدة علمية حرفية أو قانوناً ثابتاً في جميع الحروب.

لكن الإعلام لا يستطيع وحده صناعة النصر أو الهزيمة؛ فالمصداقية، والأداء الفعلي، والتماسك المؤسسي، والقدرة على تصحيح الأخطاء، عوامل لا تقل أهمية عنه.. ,  وقد يفقد طرف ما تأييد الناس بسبب خصومه، لكنه قد يفقده أيضاً بسبب ممارساته هو، وهنا يكمن الفارق بين تحليل استراتيجي جاد وبين تفسير كل إخفاق بوصفه مؤامرة خارجية.

والخلاصة أن الفارق الأعمق بين إسقاط الحاكم وتغيير النظام يكمن في أن الأول يستهدف رأس السلطة، بينما يستهدف الثاني إعادة ترتيب المؤسسات والتحالفات والموارد ومصادر الشرعية… ؛  أما نجاح أي مشروع سياسي في العراق، داخلياً كان أم خارجياً، فيظل مرهوناً بقدرته على التعامل مع مجتمع حيّ ومتعدد المصالح، لا بمجرد امتلاك المال أو السلاح أو المنابر الإعلامية.

فالدولة التي تستمد قوتها من مواطنيها، وتخضع فيها السلطة للقانون، وتُحاسب فيها القيادات على أفعالها، تكون أقل قابلية للاختراق والابتزاز؛ أما الدولة التي تضعف فيها المؤسسات وتُشترى فيها الولاءات، فإنها تمنح القوى الخارجية فرصاً لا تحتاج معها دائماً إلى إسقاط الحاكم، لأن التأثير في قراراته قد يصبح كافياً لتحقيق كثير من أهدافها.

وعليه، فإن النظرية البريطانية، التي تقوم على تغيير النظام السياسي في هذا البلد أو ذاك من خلال الإطاحة برأس النظام، سواء عبر الانقلابات العسكرية أم الاغتيالات السياسية، وفقاً لنهجٍ اتّبعته بريطانيا في العراق على مدى ثلاثة وثمانين عاماً؛ والنظرية الأمريكية، التي تقوم على تغيير قناعات القواعد الشعبية، والتأثير في مراكز القرار الوطنية، واختراق القوى الاجتماعية وتوجيهها، تمهيداً لإسقاط النظام السياسي أو إعادة تشكيله؛ لا تكفي أيٌّ منهما، بمفردها، لتدمير البلاد وتغيير نظامها السياسي، ما لم تكن البيئة الداخلية مهيّأة لذلك، أو كانت مفاصل الدولة والمجتمع مخترقة وقابلة للاختراق والتوظيف.

فالمجتمع الواعي، والدولة المتماسكة، والمؤسسات الوطنية القوية، تشكّل جميعها حصانةً في مواجهة قوى الاستعمار والهيمنة والاستكبار؛ إذ كلما ازدادت مناعة الجبهة الداخلية، وارتفع مستوى الوعي الشعبي، وتوافرت اليقظة لدى أصحاب القرار، تراجعت قدرة القوى الخارجية على اختراق البلاد والتحكم بمصيرها… ؛  فالأمر أشبه بربّ الدار الذي كلما ازداد حذراً ويقظةً، قلّت احتمالات تعرّض بيته للسرقة؛ والعكس صحيح.