
الاقتصاد الرقمي … وسقوط الذوق العام
الباحثة كنانة خلف الكردي
مزاد مشاهدات بات سوقاً لتسويق التفاهة للبعض
وحين يصبح الترند مرآة المجتمع
والاقتصاد الرقمي سائد في مجتمع فقير لحريةالتعبير
اقتصاد التفاهة هو عنوان مواقع السوشال ميديا حالياً
حين يصبح الابتذال مصدرا للرزق: ماذا تكشف شاشات السوريين؟
لم تعد أكثر المشاهد غرابة في سوريا تحدث في الشوارع بل أصبحت تحدث خلف شاشات الهواتف حيث تحولت بعض منصات التواصل الاجتماعي إلى مسارح مفتوحة تعرض فيها الحاجة الإنسانية على هيئة محتوى وتباع فيها الخصوصية مقابل الهدايا الافتراضية ويصبح الاستفزاز وسيلة للشهرة والغرابة طريقا إلى كسب المال. وما يبدو للوهلة الأولى مجرد تسلية أو تصرفات فردية مثيرة للسخرية يكشف في عمقه عن تحولات اجتماعية واقتصادية ونفسية تستحق قراءة أكثر جدية.
في المشهد السوري الراهن لم تعد منصات مثل تيك توك وبيغو لايف مجرد أدوات للتواصل والترفيه بل باتت لدى بعض المستخدمين مساحة بديلة للبحث عن الدخل في ظل البطالة وتراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة. وهنا تبدأ المشكلة حين يتحول البث المباشر إلى سوق مفتوحة تتحدد فيها قيمة الإنسان بعدد المشاهدات والهدايا والتفاعلات لا بما يقدمه من معرفة أو موهبة أو محتوى. فكلما ازدادت الغرابة ارتفعت فرص الانتشار وكلما تجاوز المحتوى حدود المألوف أصبح أكثر قدرة على جذب الجمهور واستدرار الدعم المالي. وهكذا تنشأ معادلة مقلقة يصبح فيها الابتذال أحيانا أكثر ربحا من الإبداع.
لكن اختزال الظاهرة في الفقر وحده قراءة ناقصة فالضائقة الاقتصادية قد تفسر اندفاع بعض الأشخاص نحو هذه المنصات لكنها لا تفسر وحدها طبيعة السلوكيات التي يجري تقديمها ولا حجم التفاعل معها. هناك أيضا اقتصاد الانتباه الذي تصنعه خوارزميات المنصات حيث لا تكافأ الجودة بالضرورة بل يكافأ المحتوى القادر على إثارة الصدمة والجدل واستفزاز الفضول. وفي هذا السياق لا يعود صانع المحتوى وحده مسؤولا عن المشهد بل يصبح الجمهور شريكا في صناعته كلما منح تلك السلوكيات مزيدا من المشاهدات والتعليقات والمشاركات حتى عندما يكون هدفه السخرية أو الانتقاد.
الأكثر خطورة أن هذه الثقافة لم تعد محصورة في البث المباشر بل امتدت إلى الحياة الاجتماعية اليومية عبر تحديات ومقالب وطلبات تعجيزية ومشاهد مصممة لاستدراج ردود الفعل. بعض العلاقات الإنسانية باتت تتحول إلى مادة للاستعراض وبعض الخلافات العائلية والشخصية أصبحت محتوى عاما وبعض المراهقين يتعلمون أن الطريق الأقصر إلى الاعتراف الاجتماعي هو إثارة الجدل مهما كانت الوسيلة. وهنا لا نتحدث عن تراجع الذوق العام فحسب بل عن إعادة تشكيل مفهوم القيمة والنجاح والقبول الاجتماعي لدى جيل ينشأ وسط منافسة رقمية لا تنتهي.
وفي المجتمع السوري الذي خرج من سنوات طويلة من الحرب والتفكك والضغوط المعيشية تتضاعف دلالات هذه الظاهرة. فالإرهاق الاجتماعي وتراجع الثقة بالمستقبل وضعف المساحات الثقافية والترفيهية والتعليمية كلها عوامل قد تدفع بعض الأفراد إلى البحث عن اعتراف سريع في عالم افتراضي يمنحهم شعورا مؤقتا بالحضور والتأثير. لكن الخطر يبدأ عندما تصبح الشاشة بديلا عن الواقع لا نافذة عليه وعندما تتحول الحاجة إلى مبرر لتسويق الإهانة أو استغلال الآخرين أو تعريض القاصرين لمحتوى لا يتناسب مع أعمارهم.
المطلوب ليس شيطنة منصات التواصل ولا محاكمة الناس على خياراتهم في زمن تضيق فيه فرص العيش بل التمييز بين حرية التعبير واستغلال الحاجة الإنسانية وبين الترفيه المشروع وتحويل الكرامة والخصوصية إلى سلعة. كما أن مواجهة الظاهرة لا تبدأ بحملات المنع والخطاب الأخلاقي وحدهما بل تحتاج إلى وعي رقمي وتربية إعلامية ومسؤولية من المنصات والأسرة والمؤسسات التعليمية والثقافية وفتح مسارات حقيقية أمام الشباب للعمل والإبداع وإنتاج محتوى يحمل قيمة.
إن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس لماذا يطلب بعض السوريين طلبات غريبة أمام الكاميرا فقط بل لماذا أصبح هذا النوع من المحتوى قادرا على جذب هذا الحجم من الاهتمام وما الذي يجعل الإهانة أحيانا أكثر انتشارا من المعرفة والموهبة. فالمجتمع الذي يترك خوارزميات المشاهدات تحدد له ما يستحق الاهتمام يخاطر بأن يفقد تدريجيا قدرته على التمييز بين ما يثير الانتباه وما يستحق التقدير. ليست المشكلة في شاشة تعرض الغرابة بل في واقع يسمح لها بأن تتحول إلى مصدر رزق وشهرة ومعيار زائف للنجاح.






