
المعادلة الصفرية والحشرجة الدبلوماسية الأخيرة لطهران
بقلم الباحثة كنانة خلف الكردي
المعادلة الصفرية في طهران حين تقترب المنطقة من حافة الانفجار
هذه ليست زيارة دبلوماسية عابرة بل تحرك يجمع ثقل السياسة السعودية وعيون الاستخبارات التركية ووزن المؤسسة العسكرية الباكستانية في لحظة قد ترسم ملامح المرحلة الأخطر في الشرق الأوسط
حين تتحرك الرياض وأنقرة وإسلام آباد باتجاه طهران بهذا المستوى من التمثيل فإن السؤال الأكثر إلحاحا ليس ماذا تريد هذه العواصم من إيران فحسب بل ما الذي تحاول منعه قبل أن تنفلت المنطقة من آخر مسارات الاحتواء
إن اجتماع وزير الدفاع السعودي ورئيس الاستخبارات التركية وقائد الجيش الباكستاني يضع التحرك في دائرة الحسابات الاستراتيجية الكبرى حيث تتقاطع المصالح الأمنية والعسكرية والاقتصادية وتصبح حماية الممرات البحرية وشرايين الطاقة ومنع اتساع المواجهة أولوية تتقدم على الحسابات السياسية التقليدية
وفي قلب هذا المشهد تبرز المعادلة الصفرية بوصفها تحذيرا من لحظة قد تتحول فيها أدوات الضغط إلى أسباب لانفجار شامل وحيث يمكن أن تصبح كلفة الاستمرار في التصعيد أكبر من قدرة الأطراف على تحمل نتائجه
المعادلة الصفرية ورسالة تغيير المسار
لا تكمن أهمية هذا التحرك في تفاصيل التفاوض وحدها بل في طبيعة المعادلة المطروحة أمام طهران فاستمرار التصعيد وتوسيع ساحات الاشتباك والتلويح باستهداف خطوط الطاقة والملاحة قد يدفع المنطقة إلى مواجهة واسعة لا تملك أي من دولها ضمانات حقيقية للسيطرة على نتائجها
وتتمثل الرسالة الاستراتيجية في أن أمن المنطقة لا يمكن أن يبقى رهينة معادلات الردع المتبادل أو استخدام النفوذ العابر للحدود بوصفه أداة ضغط دائمة فكلما اتسعت ساحات الاشتباك ازدادت احتمالات الخطأ في الحسابات وتراجعت فرص احتواء المواجهة قبل انتقالها إلى مستويات أشد خطورة
ومن هذا المنطلق تبدو المعادلة الصفرية وصفا للحظة التي قد تتحول فيها مكاسب الضغط قصيرة الأمد إلى خسائر استراتيجية شاملة إذ إن الاستمرار في المسار نفسه قد يرفع كلفة المواجهة على إيران وجوارها في آن واحد بينما يفتح تغيير السلوك الباب أمام ترتيبات أمنية أكثر استقرارا
إن المطلوب في هذا السياق لا يقتصر على تهدئة مؤقتة أو إعادة توزيع للأدوار بل يرتبط بمدى الاستعداد لإعادة النظر في بنية السلوك الإقليمي نفسه والانتقال من منطق إدارة الأزمات عبر ساحات متعددة إلى منطق المصالح المتبادلة واحترام سيادة الدول وعدم تحويل أمن المنطقة إلى ورقة ضغط في صراعات مفتوحة
ثلاث قوى ورسالة متعددة الأبعاد
يحمل التكوين الثلاثي دلالات مهمة في طبيعة المقاربة الإقليمية للأزمة فالسعودية تتحرك من موقع الثقل السياسي والاقتصادي والأمني في الخليج وتركيا تمتلك أدوات استخباراتية وقدرات تأثير إقليمية فيما تضيف باكستان بعدا عسكريا واستراتيجيا يرتبط بموقعها وقدراتها الدفاعية
إن اجتماع هذه الأبعاد في تحرك واحد يعكس تقاطع مصالح تتعلق بمنع اتساع الحرب وحماية الممرات الحيوية والحفاظ على استقرار المنطقة غير أن اختلاف مصالح الدول الثلاث لا يعني بالضرورة وجود موقف موحد في جميع التفاصيل بل يشير إلى مساحة مشتركة يمكن البناء عليها لمنع الانفجار الإقليمي
وتنبع أهمية هذا التكوين من أن المخاطر المحتملة لا تتوقف عند الحدود الإيرانية فتعطل الملاحة أو تهديد منشآت الطاقة أو توسع المواجهة العسكرية يمكن أن ينعكس على اقتصادات المنطقة وعلى حركة التجارة الدولية وعلى أمن الدول التي تسعى إلى تجنب الانجرار إلى حرب مفتوحة
لكن الحضور العسكري والاستخباراتي الرفيع لا يكفي وحده لإثبات وجود إنذار عسكري محدد أو قرار نهائي بشأن إيران فهذه الاستنتاجات تبقى مرتبطة بما يتوافر من معلومات موثوقة عن مضمون المحادثات والرسائل التي يحملها الوفد والنتائج التي قد تترتب على اللقاء
طوق نجاة أم فرصة أخيرة
تدرك العواصم الإقليمية أن انهيار النظام الإيراني بصورة مفاجئة أو تعرضه لضربات خارجية واسعة قد لا يؤدي بالضرورة إلى استقرار المنطقة بل يمكن أن يفتح الباب أمام فراغ أمني واضطرابات داخلية وتفكك في مراكز السيطرة وتداعيات تمتد إلى الحدود والممرات التجارية وأسواق الطاقة
ولهذا فإن احتواء التصعيد لا يعني منح طهران مساحة مفتوحة لمواصلة سياساتها بل قد يمثل محاولة لفتح ممر سياسي يسمح بتغيير المسار من دون دفع المنطقة إلى مواجهة شاملة فالفارق كبير بين الضغط الذي يهدف إلى تعديل السلوك والتصعيد الذي قد يقود إلى نتائج لا تستطيع الأطراف التحكم بها
وتكمن المعضلة أمام القيادة الإيرانية في كيفية الموازنة بين الحفاظ على أدوات الردع وتجنب كلفة المواجهة المباشرة وبين الإبقاء على النفوذ الإقليمي وإعادة بناء الثقة مع دول الجوار فكلما ارتفعت كلفة التصعيد تقلصت مساحة المناورة وأصبح التراجع المحسوب أقل كلفة من الانزلاق إلى مواجهة يصعب وقفها
وفي المقابل تواجه الرياض وأنقرة وإسلام آباد تحديا موازيا يتمثل في تحويل تقاطع المصالح إلى تفاهمات عملية لا تكتفي بتبادل التحذيرات بل تضع أسسا واضحة لخفض التصعيد وضمان أمن الملاحة والطاقة والحد من استخدام الفصائل المسلحة في الصراعات العابرة للحدود
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الاجتماع
إن القيمة الاستراتيجية لأي تحرك إقليمي لا تقاس بمستوى التمثيل وحده بل بقدرته على تحويل الرسائل إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ تبدأ بخفض التصعيد وتحترم سيادة الدول وتفتح الطريق أمام ترتيبات أمنية أكثر استقرارا
أما إذا بقيت الاتصالات في حدود تبادل التحذيرات من دون تغيير ملموس في السلوك فقد تتحول الفرصة الدبلوماسية إلى محطة مؤقتة تسبق جولة أكثر تعقيدا من الصراع
إن طهران أمام اختبار استراتيجي يتعلق بموقعها في النظام الإقليمي المقبل فيما تواجه الدول الثلاث مسؤولية تحويل تقاطع مصالحها إلى مسار يمنع الحرب ويحمي استقرار المنطقة
المعادلة الصفرية ليست أن ينتصر طرف ويخسر الجميع بل أن يصل التصعيد إلى مرحلة يصبح فيها ثمن الاستمرار أكبر من ثمن التراجع
وهنا تحديدا تتحدد أهمية التحرك وما إذا كان سيمثل بداية إعادة ضبط للتوازنات الإقليمية أم مجرد محاولة أخرى لتأجيل مواجهة لم تنضج شروط احتوائها بعد






