أكتوبر 26, 2026
IMG_5063

المعادلة الصفرية والحشرجة الدبلوماسية الأخيرة لطهران

بقلم الباحثة كنانة خلف الكردي
المعادلة الصفرية في طهران حين تقترب المنطقة من حافة الانفجار
هذه ليست زيارة دبلوماسية عابرة بل تحرك يجمع ثقل السياسة السعودية وعيون الاستخبارات التركية ووزن المؤسسة العسكرية الباكستانية في لحظة قد ترسم ملامح المرحلة الأخطر في الشرق الأوسط
حين تتحرك الرياض وأنقرة وإسلام آباد باتجاه طهران بهذا المستوى من التمثيل فإن السؤال الأكثر إلحاحا ليس ماذا تريد هذه العواصم من إيران فحسب بل ما الذي تحاول منعه قبل أن تنفلت المنطقة من آخر مسارات الاحتواء
إن اجتماع وزير الدفاع السعودي ورئيس الاستخبارات التركية وقائد الجيش الباكستاني يضع التحرك في دائرة الحسابات الاستراتيجية الكبرى حيث تتقاطع المصالح الأمنية والعسكرية والاقتصادية وتصبح حماية الممرات البحرية وشرايين الطاقة ومنع اتساع المواجهة أولوية تتقدم على الحسابات السياسية التقليدية
وفي قلب هذا المشهد تبرز المعادلة الصفرية بوصفها تحذيرا من لحظة قد تتحول فيها أدوات الضغط إلى أسباب لانفجار شامل وحيث يمكن أن تصبح كلفة الاستمرار في التصعيد أكبر من قدرة الأطراف على تحمل نتائجه
المعادلة الصفرية ورسالة تغيير المسار
لا تكمن أهمية هذا التحرك في تفاصيل التفاوض وحدها بل في طبيعة المعادلة المطروحة أمام طهران فاستمرار التصعيد وتوسيع ساحات الاشتباك والتلويح باستهداف خطوط الطاقة والملاحة قد يدفع المنطقة إلى مواجهة واسعة لا تملك أي من دولها ضمانات حقيقية للسيطرة على نتائجها
وتتمثل الرسالة الاستراتيجية في أن أمن المنطقة لا يمكن أن يبقى رهينة معادلات الردع المتبادل أو استخدام النفوذ العابر للحدود بوصفه أداة ضغط دائمة فكلما اتسعت ساحات الاشتباك ازدادت احتمالات الخطأ في الحسابات وتراجعت فرص احتواء المواجهة قبل انتقالها إلى مستويات أشد خطورة
ومن هذا المنطلق تبدو المعادلة الصفرية وصفا للحظة التي قد تتحول فيها مكاسب الضغط قصيرة الأمد إلى خسائر استراتيجية شاملة إذ إن الاستمرار في المسار نفسه قد يرفع كلفة المواجهة على إيران وجوارها في آن واحد بينما يفتح تغيير السلوك الباب أمام ترتيبات أمنية أكثر استقرارا
إن المطلوب في هذا السياق لا يقتصر على تهدئة مؤقتة أو إعادة توزيع للأدوار بل يرتبط بمدى الاستعداد لإعادة النظر في بنية السلوك الإقليمي نفسه والانتقال من منطق إدارة الأزمات عبر ساحات متعددة إلى منطق المصالح المتبادلة واحترام سيادة الدول وعدم تحويل أمن المنطقة إلى ورقة ضغط في صراعات مفتوحة
ثلاث قوى ورسالة متعددة الأبعاد
يحمل التكوين الثلاثي دلالات مهمة في طبيعة المقاربة الإقليمية للأزمة فالسعودية تتحرك من موقع الثقل السياسي والاقتصادي والأمني في الخليج وتركيا تمتلك أدوات استخباراتية وقدرات تأثير إقليمية فيما تضيف باكستان بعدا عسكريا واستراتيجيا يرتبط بموقعها وقدراتها الدفاعية
إن اجتماع هذه الأبعاد في تحرك واحد يعكس تقاطع مصالح تتعلق بمنع اتساع الحرب وحماية الممرات الحيوية والحفاظ على استقرار المنطقة غير أن اختلاف مصالح الدول الثلاث لا يعني بالضرورة وجود موقف موحد في جميع التفاصيل بل يشير إلى مساحة مشتركة يمكن البناء عليها لمنع الانفجار الإقليمي
وتنبع أهمية هذا التكوين من أن المخاطر المحتملة لا تتوقف عند الحدود الإيرانية فتعطل الملاحة أو تهديد منشآت الطاقة أو توسع المواجهة العسكرية يمكن أن ينعكس على اقتصادات المنطقة وعلى حركة التجارة الدولية وعلى أمن الدول التي تسعى إلى تجنب الانجرار إلى حرب مفتوحة
لكن الحضور العسكري والاستخباراتي الرفيع لا يكفي وحده لإثبات وجود إنذار عسكري محدد أو قرار نهائي بشأن إيران فهذه الاستنتاجات تبقى مرتبطة بما يتوافر من معلومات موثوقة عن مضمون المحادثات والرسائل التي يحملها الوفد والنتائج التي قد تترتب على اللقاء
طوق نجاة أم فرصة أخيرة
تدرك العواصم الإقليمية أن انهيار النظام الإيراني بصورة مفاجئة أو تعرضه لضربات خارجية واسعة قد لا يؤدي بالضرورة إلى استقرار المنطقة بل يمكن أن يفتح الباب أمام فراغ أمني واضطرابات داخلية وتفكك في مراكز السيطرة وتداعيات تمتد إلى الحدود والممرات التجارية وأسواق الطاقة
ولهذا فإن احتواء التصعيد لا يعني منح طهران مساحة مفتوحة لمواصلة سياساتها بل قد يمثل محاولة لفتح ممر سياسي يسمح بتغيير المسار من دون دفع المنطقة إلى مواجهة شاملة فالفارق كبير بين الضغط الذي يهدف إلى تعديل السلوك والتصعيد الذي قد يقود إلى نتائج لا تستطيع الأطراف التحكم بها
وتكمن المعضلة أمام القيادة الإيرانية في كيفية الموازنة بين الحفاظ على أدوات الردع وتجنب كلفة المواجهة المباشرة وبين الإبقاء على النفوذ الإقليمي وإعادة بناء الثقة مع دول الجوار فكلما ارتفعت كلفة التصعيد تقلصت مساحة المناورة وأصبح التراجع المحسوب أقل كلفة من الانزلاق إلى مواجهة يصعب وقفها
وفي المقابل تواجه الرياض وأنقرة وإسلام آباد تحديا موازيا يتمثل في تحويل تقاطع المصالح إلى تفاهمات عملية لا تكتفي بتبادل التحذيرات بل تضع أسسا واضحة لخفض التصعيد وضمان أمن الملاحة والطاقة والحد من استخدام الفصائل المسلحة في الصراعات العابرة للحدود
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الاجتماع
إن القيمة الاستراتيجية لأي تحرك إقليمي لا تقاس بمستوى التمثيل وحده بل بقدرته على تحويل الرسائل إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ تبدأ بخفض التصعيد وتحترم سيادة الدول وتفتح الطريق أمام ترتيبات أمنية أكثر استقرارا
أما إذا بقيت الاتصالات في حدود تبادل التحذيرات من دون تغيير ملموس في السلوك فقد تتحول الفرصة الدبلوماسية إلى محطة مؤقتة تسبق جولة أكثر تعقيدا من الصراع
إن طهران أمام اختبار استراتيجي يتعلق بموقعها في النظام الإقليمي المقبل فيما تواجه الدول الثلاث مسؤولية تحويل تقاطع مصالحها إلى مسار يمنع الحرب ويحمي استقرار المنطقة
المعادلة الصفرية ليست أن ينتصر طرف ويخسر الجميع بل أن يصل التصعيد إلى مرحلة يصبح فيها ثمن الاستمرار أكبر من ثمن التراجع
وهنا تحديدا تتحدد أهمية التحرك وما إذا كان سيمثل بداية إعادة ضبط للتوازنات الإقليمية أم مجرد محاولة أخرى لتأجيل مواجهة لم تنضج شروط احتوائها بعد