نوفمبر 5, 2026
منى الجبوري

منى سالم الجبوري

لم يعد الغلاء في إيران مجرد أزمة اقتصادية تتجلى في ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، بل تحول إلى عنوان لأزمة سياسية واجتماعية أعمق، تكشف اتساع الهوة بين السلطة والمجتمع، وتضع ملايين الإيرانيين أمام معادلة قاسية عنوانها الاختيار بين متطلبات الحياة الأساسية والعجز عن تأمينها. وعندما تصبح الدواجن، التي كانت تمثل الملاذ الأخير للبروتين على موائد الطبقات الفقيرة، سلعة يصعب الحصول عليها، فإن الأمر يتجاوز حدود التضخم المعتاد ليصبح مؤشراً على اختلال بنيوي في منظومة الحكم وإدارة موارد البلاد.

إن الارتفاع الأخير في أسعار الدواجن بنسبة لا تقل عن 25%، وتجاوز سعر الكيلوغرام الواحد حاجز 300 ألف تومان، ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل تآكل القدرة المعيشية للإيرانيين. فالعامل الذي يضطر إلى تخصيص ما بين خمس وسدس راتبه لشراء أربع دجاجات فقط، لا يواجه مشكلة في تنظيم نفقاته الشهرية فحسب، بل يجد نفسه أمام واقع اقتصادي يسلبه تدريجيا أبسط حقوقه في الحياة الكريمة.

والمفارقة أن هذا الانهيار يجري في بلد يمتلك ثروات طبيعية هائلة وإمكانات اقتصادية وبشرية كبيرة، لكن سياسات السلطة حولت هذه الإمكانات إلى موارد تخدم شبكات النفوذ والاحتكار بدلا من أن تكون رافعة للتنمية والرفاه الاجتماعي.

ولعل أكثر ما يكشف طبيعة هذه السياسات هو ازدواجية المعايير في إدارة الموارد المالية والنقدية. فبينما ألغت السلطات الامتيازات المرتبطة بسعر الصرف التفضيلي لاستيراد الأدوية والسلع الأساسية، بما أدى إلى زيادة الأعباء على المنتجين والمستهلكين، فتحت المجال أمام استيراد السيارات الفارهة بمبالغ ضخمة. وهذه المفارقة ليست مجرد خطأ في ترتيب الأولويات، بل تعبير عن اقتصاد سياسي يقوم على حماية امتيازات الأقلية الحاكمة وتحميل الفئات الأضعف كلفة أزماته.

وفي السياق نفسه، تبدو الوعود التي أطلقتها بلدية طهران بشأن تثبيت أسعار اثنتي عشرة سلعة أساسية لمدة ستة أشهر تحت شعار “التضخم الصفر” أقرب إلى حملة دعائية منها إلى سياسة اقتصادية قابلة للتطبيق. فالتضخم لا يمكن إلغاؤه بقرار إداري، ولا يمكن السيطرة على الأسواق من خلال تحديد الأسعار فيما تستمر الأسباب الحقيقية للأزمة، من انهيار العملة وارتفاع تكاليف الإنتاج إلى الاحتكار والفساد وغياب المنافسة.

وتزداد الصورة قتامة مع مظاهر التخبط في قطاعات الإنتاج والتجارة، ومنها اضطرار بعض منتجي الدواجن إلى اللجوء إلى المقايضة للحصول على الذهب أو السيارات بدلا من تسوية معاملاتهم عبر القنوات المصرفية الطبيعية. إن وصول الاقتصاد إلى مثل هذه الآليات يعكس مدى تراجع الثقة بالمنظومة المالية، ويكشف أن الأزمة لم تعد محصورة في المستهلك الذي يعجز عن الشراء، بل امتدت إلى المنتج الذي يعجز عن ممارسة نشاطه ضمن بيئة اقتصادية مستقرة.

غير أن الجانب الأكثر خطورة في هذه التطورات لا يتعلق بالأرقام وحدها، وإنما بما يمكن أن تفرزه من تحولات اجتماعية وسياسية. فالجوع ليس مجرد حالة حرمان مادي؛ إنه تجربة يومية تعيد تشكيل علاقة المواطن بالسلطة، خصوصا عندما يدرك أن معاناته ليست نتيجة ندرة الموارد، بل نتيجة خيارات سياسية واقتصادية منحازة إلى مراكز النفوذ.

ومن هنا تبرز دلالة تعبير “جيش الجياع”، ليس بوصفه جيشا عسكريا بالمعنى التقليدي، وإنما باعتباره وصفا لقوة اجتماعية واسعة تتشكل من العمال والعاطلين والمتقاعدين وأصحاب الدخول المحدودة وسكان الأحياء المهمشة، ممن تجمعهم تجربة الحرمان والشعور بانسداد الأفق. وهذه الفئات، وإن اختلفت مطالبها المباشرة، تلتقي عند حقيقة أن استمرار السياسات الحالية يعني مزيدا من التدهور وفقدان القدرة على العيش.

لكن الانتقال من السخط الاقتصادي إلى التغيير السياسي ليس عملية تلقائية. فالتاريخ يبين أن الأزمات المعيشية قد تنتج احتجاجات واسعة، لكنها لا تتحول بالضرورة إلى قوة تغيير مستدامة ما لم تتوافر لها القدرة على التنظيم، واستمرارية العمل، ووضوح الأهداف السياسية، والقدرة على تجاوز الانقسامات الاجتماعية والمناطقية.

وهنا تبرز أهمية المقاومة المنظمة، وفي مقدمتها منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، ووحدات المقاومة المرتبطة بها، باعتبارها طرفا يسعى إلى نقل الاحتجاج من مستوى رد الفعل على الغلاء والحرمان إلى مستوى الاعتراض السياسي المنظم على منظومة الحكم. فالفارق بين احتجاج يطالب بتخفيض أسعار الدواجن أو زيادة الأجور، وحركة سياسية تطالب بتغيير النظام، يكمن في طبيعة التنظيم والرؤية والبرنامج والقدرة على الاستمرار.

ومن هذه الزاوية، فإن التحدي الذي يواجه المقاومة المنظمة يتمثل في تحويل المطالب المعيشية المتفرقة إلى خطاب وطني جامع، يربط بين العدالة الاجتماعية والحرية السياسية، وبين حق المواطن في رغيف الخبز وحقه في المشاركة في تقرير مصير بلاده. فالمعركة ضد الفقر لا تنفصل عن المعركة ضد الاحتكار والفساد والقمع، كما أن المطالبة بتحسين الأجور لا يمكن فصلها عن السؤال المتعلق بمن يمتلك القرار والثروة في إيران.

ولا شك أن اتساع دائرة الاحتقان يضع السلطة أمام استحقاق متزايد الصعوبة؛ فالقمع قد يحد من ظهور الاحتجاجات أو يؤخر انتشارها، لكنه لا يستطيع معالجة أسبابها. كما أن أي تفاهم خارجي أو تخفيف للعقوبات لن يكون كافيا إذا بقيت بنية الاقتصاد قائمة على الامتيازات والاحتكارات وتغليب مصالح المؤسسات النافذة، وفي مقدمتها الكيانات الاقتصادية المرتبطة بالحرس.

إن إيران لا تحتاج إلى تغيير في السياسات الاقتصادية فحسب، بل إلى تغيير في فلسفة الحكم التي جعلت أمن السلطة ومصالح شبكاتها يتقدمان على أمن المجتمع واحتياجاته. وهذا ما يمنح شعار “لا لنظام الشاه ولا لنظام الولي الفقيه” أهميته السياسية، باعتباره رفضا لإعادة إنتاج الاستبداد تحت مسميات مختلفة، ودعوة إلى تأسيس نظام ديمقراطي تعددي يحترم إرادة المواطنين وتنوع المجتمع الإيراني.

وفي هذا الإطار، يطرح برنامج النقاط العشر الذي تقدمه مريم رجوي تصورا سياسيا لدولة تقوم على التعددية والمساواة وسيادة الشعب، وهي مبادئ ينبغي أن تقترن برؤية اقتصادية تضع الثروة الوطنية في خدمة التنمية والعدالة الاجتماعية، لا في خدمة الاحتكار والامتيازات.

إن أخطر ما يواجه النظام الإيراني اليوم ليس ارتفاع سعر الدجاج أو انهيار القوة الشرائية وحدهما، بل احتمال أن يتحول الجوع المشترك إلى وعي سياسي مشترك، وأن تجد الملايين التي فرقتها ظروف الحياة نفسها أمام حقيقة واحدة: أن استعادة لقمة العيش والكرامة والحرية تتطلب تغييرا يتجاوز حدود السياسات المؤقتة. وعندما يلتقي الغضب الاجتماعي بالتنظيم السياسي والرؤية الديمقراطية، يصبح “جيش الجياع” أكثر من تعبير عن البؤس؛ يصبح مؤشرا على إمكانية نشوء قوة مجتمعية قادرة على المطالبة بمستقبل مختلف لإيران.