نوفمبر 8, 2026
علي مهدي

نذير فاضل

تُعدّ إدارة قضاء الزوراء، بما يمتلكه من امتداد جغرافي واسع وتنوع سكاني واجتماعي، مسؤولية إدارية وخدمية ليست بالهينة، فهي تتطلب من القائمقام جهداً استثنائياً، وقدراً كبيراً من الصبر والحكمة والقدرة على التعامل مع مختلف الأنماط البشرية ومشكلاتها اليومية.

وقد ساقَتني الظروف ذات يوم إلى مراجعة قائمقامية القضاء لإنجاز معاملة تخصني، فدخلت مكتب القائمقام من دون قيود أو تعقيدات، لكنني فوجئت بحجم الازدحام وكثافة المراجعين، ومن بينهم أصحاب المولدات الأهلية ومواطنون يتقدمون بشكاوى ضدهم بسبب عدم الالتزام بالتشغيل أو التعليمات، وما يرافق ذلك من ارتفاع الأصوات وتبادل الاتهامات، وأحياناً الشتائم والمشاحنات.

وسط هذا المشهد الصاخب، كان قائمقام القضاء، السيد علي مهدي الشمري، هادئاً، منبسط الوجه، واسع الصدر، يستمع إلى الجميع، ويحاول حل المشكلات وتهدئة النفوس واحتواء الانفعالات، من دون أن يفقد أعصابه أو يسمح للتوتر المحيط به أن ينعكس على طريقة تعامله مع المواطنين.

والحقيقة أن ضبط النفس في مثل هذه المواقف ليس أمراً سهلاً، بل هو سمة نفسية وأخلاقية تعكس النضج والاتزان والذكاء الاجتماعي؛ فالمسؤول لا يُختبر عندما يتعامل مع أشخاص هادئين، وإنما عندما يجد نفسه وسط الخصومات والاحتجاجات وتضارب المصالح والانفعالات.

واللافت أن عمل السيد علي مهدي الشمري لا يتوقف عند حدود مكتبه واستقبال المراجعين، فبعد متابعة معاملاتهم يغادر إلى الميدان، ليتفقد الشوارع التي تجري فيها أعمال التبليط، ويتابع احتياجات المدارس والدوائر الخدمية والبلدية، ويتدخل لمعالجة المشكلات والنزاعات التي تتطلب حضوره ومتابعته.

وهنا تتجلى أهمية الإدارة الميدانية؛ فالمسؤول الحقيقي لا ينتظر وصول المشكلات إليه، بل يذهب بنفسه للوقوف على تفاصيلها، والاستماع إلى أصحاب الشأن، ومتابعة ما يجري على أرض الواقع.

فالمواطن لا يبحث دائماً عن تحقيق مطالبه فوراً بقدر ما يبحث عن مسؤول يسمعه ويحترمه ويشعره بأن شكواه موضع اهتمام , وربما يغادر المواطن الدائرة من دون أن يحصل على كل ما يريد، لكنه يغادر مرتاحاً إذا وجد حسن الاستقبال والإنصاف والاهتمام.

لقد تركت لدي تلك الزيارة انطباعاً إيجابياً عن أخلاقيات التعامل التي لمستها لدى قائمقام قضاء الزوراء، وعن قدرته على الجمع بين الصبر الإداري والحضور الميداني، في ظل مسؤوليات يومية متشعبة ومتعبة.

إن المناصب الإدارية ليست امتيازات اجتماعية، ولا أبواباً للتعالي على الناس، وإنما مسؤوليات وتكاليف واختبارات أخلاقية, فالمسؤولية الحقيقية لا تظهر في الألقاب والمكاتب الفخمة، بل في طريقة التعامل مع المواطنين، ولا سيما الغاضبين والمتذمرين وأصحاب الحاجات.

فثمة مسؤولون يتركون خلفهم تواقيع وأوامر إدارية، وثمة مسؤولون يتركون أثراً طيباً في نفوس الناس , وبين هذا وذاك يكمن الفارق بين من يشغل منصباً إدارياً، ومن يدرك أن الوظيفة العامة رسالة إنسانية قبل أن تكون موقعاً وظيفياً.