صرخة الحق تُزهَق… في ذكرى اغتيال آية الله دستغيب ورواية الصراع الدموي

رسول حسين أبو السبح

في خضمّ العقد الأول من عمر الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كانت البلاد مسرحاً لمواجهة أيديولوجية شاملة، حيث تداخلت أصوات المبادئ الصارمة مع ضجيج الصراعات المسلحة الداخلية. كان آية الله السيد عبد الحسين دستغيب (1913 – 1981م) يقف شامخاً كأحد الأركان الروحية والعلمية لنهضة الإمام الخميني. لم يكن دستغيب مجرد رجل دين؛ بل كان فقيهًا مُجاهِدًا جمع بين عمق الحوزة العلمية في النجف وقم وقيادة الجماهير العريضة في مدينة شيراز، ليصبح رمزًا لوحدة الصف الديني والسياسي. هذا الدور الرائد لم يجعل منه قائداً وحسب، بل وضعه مباشرة على خط النار في حرب الأيديولوجيات التي عصفت بالكيان الوليد، ليدفع الثمن دماً في مشهد اغتيال درامي ومُرَوِّع، نُفّذ بأيدي تنظيم “مجاهدي خلق” الإرهابي.

المحور الأول: دستغيب، العالم العارف ورجل الإمام الخميني الخاص

أ. النشأة العلمية والعمق المعرفي
ينحدر السيد دستغيب من أسرة علمية عريقة في شيراز. بعد إكماله لتعليم المقدمات، هاجر إلى النجف الأشرف حيث تتلمذ على يد كبار المراجع أمثال السيد أبو الحسن الأصفهاني والسيد آية الله الخوئي، حاصلاً على درجة الاجتهاد. تميز دستغيب بأنه لم يكن فقيهاً تقليدياً؛ فقد كان يمتلك بصيرة نافذة في المسائل الروحية والأخلاقية، وهو ما يتضح في مؤلفاته الغزيرة التي تجاوزت الثلاثين كتاباً، أبرزها الذنوب الكبيرة”، و”القصص العجيبة” في مجلدين، “القلب السليم”، “الدار الآخرة” و”الولاية”، بالإضافة إلى “المظالم” و”العبودية سرّ الخلق” و”صلاة الخاشعين”.

ب. دوره السياسي قبل وبعد الثورة
كان دستغيب من أوائل العلماء الذين أيّدوا حركة الإمام الخميني ضد الشاه (الشاهنشاهية البهلوية). لقد حول منبر التدريس والخطابة إلى قاعدة للتحريض على مقاومة الظلم. وعندما انتصرت الثورة، لم يكتفِ بالدور الروحي، بل تم تعيينه إماماً للجمعة في شيراز وممثلاً للولي الفقيه في محافظة فارس، وهو منصب يتطلب حنكة سياسية وإدارية واسعة. كان الإمام الخميني يكنّ له ثقة خاصة، ويُعتبر ضمن الحلقة الضيقة من مستشاريه ووكلاءه الأبرز في الأقاليم المهمة، مما جعله هدفاً رئيسياً لخصوم الثورة.

المحور الثاني: مجاهدي خلق واستراتيجية الاغتيالات المنهجية

أ. التحول الأيديولوجي والصراع الدموي
بعد سقوط الشاه، تحولت منظمة مجاهدي خلق، من منظمة معارضة للشاه إلى خصم لدود للنظام الإسلامي. شكل مزجهم للأيديولوجيات (قشرة إسلامية مع جوهر ماركسي) أساساً لصراعهم الأيديولوجي مع الفقهاء التقليديين، الذين اعتبروا هذا المزيج “انحرافاً”. بعد فشلهم في الانتخابات وإقصائهم من مراكز القرار، قررت قيادة المنظمة (مسعود رجوي) تبني استراتيجية الإرهاب المسلح ضد قيادات الصف الأول في الدولة.

ب. سلسلة الاغتيالات ووضع دستغيب على القائمة
شملت حملة الاغتيالات قامات سياسية وعلمائية رفيعة، كـ شهداء تموز 1981 الذين قضوا في تفجير مقر الحزب الجمهوري الإسلامي (شمل رئيس السلطة القضائية آية الله بهشتي)، واغتيال رئيس الجمهورية محمد علي رجائي ورئيس الوزراء محمد جواد باهنر. لقد كان اغتيال دستغيب في 11 ديسمبر 1981 (الموافق 20 أذَر 1360هـ.ش) إعلاناً بأن الإرهاب لن يقتصر على العاصمة طهران، بل سيطال القادة الروحيين في المحافظات، لضرب العمق الجماهيري والديني للثورة. كان دستغيب يشكل العقل المُفَكِّر والمُنَظِّر للتيار المؤيد للخميني في جنوب إيران.

المحور الثالث: مسرح الجريمة: تحليل لـ “اللحظات الأخيرة”

أ. النبوءة والاضطراب الروحي
كما تروي الروايات العائلية والشهود، ظهرت على السيد دستغيب علامات الاضطراب قبيل وقوع الحادثة. استيقاظه مرتاعاً وترديده لـ “لاحول ولا قوة إلا بالله”، وتحذيره من أنه سيتحدث بالرمز والإشارة فقط، يُضفي على الحدث بعداً درامياً غامضاً ونبوءة روحية، كأن “العارف” قد استشعر المصير القادم. هذه التفاصيل تعزز مكانته في المخيلة الشعبية كـ “شهيد مستبصر”.

ب. القنبلة المدمِّرة والمكيدة النسائية
التخطيط للاغتيال كان دقيقاً وبلا رحمة. استخدم التنظيم فتاة شابة (تُقدر بالعقد الثاني من عمرها) كمنفذة للعملية، مستغلين الطبيعة المتعففة والمؤدبة لرجل الدين الذي يصعب عليه رد امرأة. هذا التكتيك يعكس خبثاً أمنياً يهدف إلى تجاوز الحراسة التقليدية.

أما الجانب العلمي، فاستخدام المتفجرات القوية (عدة كيلوغرامات من مادة TNT) يشير إلى أن الهدف لم يكن مجرد القتل، بل تحويل الجسد إلى أشلاء متناثرة، وهو ما يُعرف في التحليل الأمني بـ “الإرهاب النفسي”. التدمير التام للجسد يهدف إلى تعطيل المراسم الجنائزية المهيبة وإيصال رسالة رعب واضحة: “لا كرامة للجسد ولا حصانة للقيادة”.

“لقد دوى انفجار مهيب تقطع على أثره السيد عبد الحسين دستغيب إرباً إرباً. جدران الزقاق وأبواب الدور والأرض وسطوح المنازل غرقت بالدماء، ولم يكن من المقدور تمييز الأجساد عن بعضها.”

المحور الرابع: ما بعد الشهادة الرمزية الخالدة

أ. مأساة الكيس الإضافي
تُعد رواية “الكيس الإضافي” التي تضمنت البحث عن بقايا جسده وإلحاقها به في القبر بعد أسبوع من الشهادة، نقطة الذروة الدرامية المأساوية. رؤية السيدة العلوية في المنام واستغاثة الشهيد بضرورة جمع أشلائه تبعث رسالة قوية حتى في عالم البرزخ، بقي العارف مهموماً بـ اكتمال القربان. هذا المشهد رسخ صورة دستغيب كشهيد فادح التضحية، ورفع من منسوب الغضب الشعبي ضد منفذي العملية.

ب. التداعيات السياسية والاجتماعية
لم ينجح اغتيال دستغيب في إضعاف النظام. بل على العكس، أدى إلى تعبئة جماهيرية مضادة ضد مجاهدي خلق، ومهّد الطريق لحملة أمنية واسعة النطاق أدت إلى إضعاف شوكة التنظيم داخل إيران، مما أجبر قادته على الفرار إلى العراق. تحول ضريحه في شيراز إلى مزار ورمز للثبات في وجه الإرهاب.

إن شهادة آية الله السيد عبد الحسين دستغيب في عام 1981، على يد منظمة مجاهدي خلق، لم تكن مجرد حادثة جنائية، بل كانت ذروة الصراع الأيديولوجي بين الثورة التي آمنت بالسلطة الدينية والمنظمة التي آمنت بالإرهاب سبيلاً للسلطة. ظل دستغيب رمزاً للعالم المُجاهد الذي نزل من منبر التدريس ليقود الجماهير، ورجل الإمام الخميني الذي دفع حياته ثمناً لالتزامه بالثورة حتى آخر رمق، مُخلفاً وراءه إرثاً روحياً ودموياً، أثبت أن العنف لا يمكن أن يزهق صرخة الحق.