التاسع عشر من مايو.. حين فقد الوطن رجلًا بحجم وطن

التاسع عشر من مايو.. حين فقد الوطن رجلًا بحجم وطن

أحلام الصوفي

ليست كل الخسارات تُقاس بالأرقام، فهناك رجالٌ إذا رحلوا شعرت الأوطان أن جزءًا من هيبتها قد انكسر، وأن شيئًا من نورها قد انطفأ.

وفي التاسع عشر من مايو تعود الذكرى الثقيلة التي ما زالت محفورةً في ذاكرة اليمنيين، ذكرى رحيل الهامة الوطنية الدكتور صالح قاسم الجنيد، الرجل الذي عاش شامخًا ورحل شامخًا، تاركًا خلفه تاريخًا من المواقف النبيلة والعطاء الصادق والانتماء الذي لا يعرف المساومة.

تسعة عشر عامًا مرّت منذ أن غاب الجسد، لكن الرجال الكبار لا يموتون، لأن حضورهم لا يرتبط بأعمارهم، بل بما يتركونه في وجدان الناس من أثرٍ وكرامة.

فالدكتور صالح الجنيد لم يكن مجرد مسؤولٍ مرّ في مؤسسات الدولة ثم غادر، بل كان رجل دولةٍ حقيقيًا، يحمل همّ الوطن في قلبه، ويؤمن بأن المسؤولية ليست بابًا للثراء ولا سلّمًا للمصالح، بل عهدٌ ثقيل لا يحمله إلا أصحاب الضمائر الحية.

لقد كان واحدًا من تلك القامات الوطنية النادرة التي يصعب تكرارها؛ رجلًا نقيّ السيرة، ثابت المبدأ، لا يتلون مع المصالح، ولا يغيّر مواقفه بحسب اتجاه الرياح.

عاش وفيًّا لليمن، منحازًا للفقراء والبسطاء، قريبًا من الناس، بعيدًا عن ضجيج الاستعراض والزيف الذي امتلأت به الساحة في زمنٍ اختلطت فيه الوجوه وضاعت فيه كثير من القيم.

كان الدكتور صالح الجنيد يؤمن أن الوطن أكبر من الجميع، وأن الرجال الحقيقيين هم من يبنون الأوطان بالصبر والنزاهة والعمل الصادق، لا بالشعارات الفارغة والخطب الرنانة.

ولهذا بقي اسمه حاضرًا في ذاكرة الناس رغم مرور السنوات، لأن الشعوب تنسى كثيرًا من المسؤولين، لكنها لا تنسى الرجال الذين عاشوا بكرامة وخدموا أوطانهم بشرف.

لم يكن من أولئك الذين يلهثون خلف النفوذ، ولا ممن يتاجرون بمعاناة الناس لتحقيق مكاسب شخصية، بل كان رجلًا يحمل أخلاق الدولة وهيبة المسؤول الشريف.

وحين كانت المواقف تحتاج إلى رجال، كان حاضرًا بثباته ونزاهته ووضوحه، لا يخشى قول الحق، ولا ينحني أمام المغريات أو الضغوط.

لقد مثّل الدكتور صالح الجنيد صورة اليمني الأصيل؛ الإنسان الذي يرى في خدمة الناس واجبًا مقدسًا، وفي الحفاظ على كرامة الوطن مسؤولية لا تقبل التهاون.

ولهذا لم يكن محبوبًا فقط بسبب المناصب التي تقلدها، بل بسبب أخلاقه وصدقه وتواضعه وقربه من الناس، وهي صفاتٌ نادرة لا يمنحها المنصب، بل يولد بها الرجال العظماء.

وحين نتأمل واقع الوطن اليوم، ندرك حجم الخسارة التي تركها رحيل أمثال الدكتور صالح الجنيد، لأن الأوطان حين تفقد رجالها المخلصين تصبح أكثر عرضةً للخذلان والانكسار.

فاليمن لم يكن بحاجة إلى أصحاب المصالح الضيقة بقدر حاجته إلى رجالٍ يحملون صدق الانتماء ونقاء الضمير كما كان يفعل هو.

لقد رحل الجسد، لكن المواقف بقيت حيّة، وبقيت سيرته تتردد في المجالس كأنها رسالة وفاء للأجيال القادمة، تقول إن الرجال الحقيقيين لا تُقاس قيمتهم بما يملكون، بل بما يتركونه خلفهم من سمعةٍ طيبة وأثرٍ نقي واحترامٍ في قلوب الناس.

إن ذكرى الدكتور صالح الجنيد ليست مناسبةً للبكاء فقط، بل هي وقفة لاستحضار معنى الوطنية الحقيقية، ومعنى أن يكون الإنسان وفيًّا لوطنه حتى آخر العمر.

ففي زمنٍ كثرت فيه الأقنعة، يبقى الرجال الصادقون عملةً نادرة، وتبقى سيرتهم شاهدًا على أن اليمن أنجب رجالًا حملوا همّه بإخلاص ولم يبيعوه في أسواق المصالح.

سلامٌ على روح الدكتور صالح قاسم الجنيد، يوم عاش مخلصًا لوطنه، ويوم رحل تاركًا هذا الحضور الكبير في ذاكرة الناس، ويوم يقف التاريخ شاهدًا بأنه كان واحدًا من الرجال الذين مرّوا في حياة الوطن بصدقٍ وشرفٍ ونقاء.

رحم الله الدكتور صالح قاسم الجنيد رحمةً واسعة، وجعل ذكراه خالدةً في قلوب الأوفياء، فما زالت الأوطان العظيمة تُعرف برجالها، وما زال اسمك يا أبا الرجال حاضرًا في ذاكرة اليمن، لا تغيّبه السنون ولا تطفئه الأيام.