LOGO

صباح البغدادي


وجّه علي فالح الزيدي، بصفته القائد العام للقوات المسلحة، بتشكيل لجنة أمنية فنية مشتركة تعنى بإعادة صياغة ورسم ملامح العلاقة بين بغداد وواشنطن لمرحلة ما بعد 30 أيلول. وقد حدّد البيان الرسمي مهامها بدقة: “تحديد تفاصيل العلاقة الجديدة، وعدد المستشارين وطبيعة مهامهم، وآليات استمرار التعاون الاستخباري والتقني، فضلاً عن برامج التدريب والتسليح”. والمحدد الحاكم هو “محدّدات السيادة العراقية ومتطلباتها” و”دعم السلطة الكاملة لقواتنا المسلحة على الأراضي العراقية” .

وبحسب ما تم تسريبه لنا ومن خلال اتصال عاجل تلقينها من احد السادة المسؤولين الأفاضل خلال الساعات الماضية، فإن بعض قيادات الإطار التنسيقي وقيادات الحشد الشعبي تعمل حالياً بكل ما أوتيت من نفوذ لفرض أمر واقع على الحكومة العراقية: إشراكها في اللجنة الأمنية الفنية — لا كطرف تفاوضي جالس على الطاولة، بل كـ”عيون خلف الستار”. الهدف لا يخفى: مراقبة كل التفاهمات الأمنية والعسكرية والسياسية التي ستتبلور بعد 30 أيلول، ونقلها أولاً بأول إلى صناع القرار السياسي في طهران والعسكريين في الحرس الثوري الإيراني. لأنه لا يتعلق بـ”تمثيل سياسي” أو “مشاركة أمنية” — بل يتعلق بـإنشاء قناة تجسس مؤسسية داخل أعلى جهاز سيادي عراقي يتفاوض مع الولايات المتحدة حول بنية العلاقة الأمنية المستقبلية. أي أن اللجنة الأمنية الفنية، التي هي مبدأً أداة سيادية حصرية، ستتحول عملياً إلى غرفة عمليات مزدوجة الولاء: واجهة عراقية أمام واشنطن، وخط نقل مباشر إلى فيلق القدس خلف الكواليس.

ومن خلال لأدلة الميدانية التي تجعل هذا السيناريو بالنسبة لنا غير افتراضي وحسب قراءتنا للوضع الراهن:

  • زيارة إسماعيل قاآني (قائد فيلق القدس) السرية إلى بغداد في 11 آب 2026 — حيث التقى قيادات سياسية وأمنية عراقية وقادة فصائل مسلحة لبحث ملف حصر السلاح.  هذه الزيارة لم تكن “دبلوماسية”؛ كانت توجيهات عملياتية تُنقل من طهران إلى بغداد عبر القنوات الموازية للدولة. 
  • وفي غضون أسبوعين، شهدت بغداد زيارتين لافتتين: الأولى لقائد «فيلق القدس» إسماعيل قاآني، والثانية لرئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، لكن المفاجأة لم تكن في الزيارات وحدها.ممثل خامنئي في قلب الاجتماع
  • وللمرة الأولى، كشف الإطار التنسيقي علناً عن حضور ممثل للمرشد الإيراني في أحد اجتماعاته، وظهر في صورة نشرها التحالف الشيعي.وجاء في بيان للإطار أن «قادة الإطار التنسيقي في بغداد استقبلوا آية الله محسن قمي، الممثل الخاص لقائد الثورة الإسلامية، والوفد رفيع المستوى من مجلس خبراء القيادة»
  • خطة “التطويق” الحكومية (13 آب) لتطويق مواقع الفصائل التي يديرها الحرس الثوري مباشرة — أثارت غضب مسؤولين إيرانيين أبلغوا قيادات الإطار التنسيقي صراحةً أن “توقيت الحملة سيئ للغاية” وأن الوضع الإقليمي “يتطلب من الحلفاء التمسك بسلاحهم”.  هذا ليس “رأياً استشارياً”؛ هذا تدخل مباشر في القرار السيادي العراقي عبر الوسطاء المحليين.
  • الضغوط المتبادلة التي تتعرض لها قيادات الإطار: من جهة، واشنطن تشترط “نزع السلاح الشكلي” كشرط لاستمرار الشراكة؛ ومن جهة أخرى، طهران تشترط “التمسك بالسلاح” كشرط لاستمرار “المحور”.  الإطار التنسيقي معلق بين مطرقة وسندان — وهذا بالضبط ما يجعله أداة ضغط بيد الطرفين، لا فاعلاً سيادياً مستقلاً. 

إذا نجحت هذه المحاولة، فإن “اليوم الوطني” (1 أكتوبر) لن يكون يوماً لسيادة العراق — بل سيكون يوماً تُعلَّق فيه “أذرع الاستخبارات الإيرانية” على جدران اللجنة الأمنية العراقية. كل كلمة تُقال خلف الأبواب المغلقة، كل تفصيل تقني حول عدد المستشارين، كل آلية لتبادل المعلومات الاستخباراتية — ستصل إلى طهران قبل أن تصل إلى واشنطن. وهذا ليس “تسريباً”؛ هذا تجسس مؤسسي بغطاء “المشاركة السياسية”. 
المعضلة الهيكلية التي تواجه الفصائل الولائية العقائدية (كتائب حزب الله، حركة النجباء، كتائب سيد الشهداء) هي أن هذه اللجنة تُصاغ كـجهاز سيادي-دولاني بامتياز، لا كمنصة تفاوضية مع أطراف خارجة عن القانون.  أي أن الفصائل، بصفتها “تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة”، لا مكان لها فيها قانونياً ولا سياسياً.  وهذا بالضبط ما يجعلها تسعى إلى:

  1. فرض “شرط التمثيل” كسابقة: إن نجحت الفصائل في إدخال ممثليها (ولو بصفة “استشارية” أو “أمنية”)، فإنها تخلق سابقة دستورية تجعلها طرفاً في صياغة العلاقة مع الولايات المتحدة، أي أنها تتحول من “مشكلة أمنية” إلى “شريك تفاوضي”. وهذا يتناقض جذرياً مع المنطق الذي بنى عليه الزيدي قراره: “لا مبرر لبقاء المقاومة بعد سبتمبر”. 
  2. استغلال “الطابع الفني” للجنة: اللجنة مُوصَفة بأنها “فنية” لا “سياسية”. وهذا يفتح ثغرة: يمكن للفصائل أن تطالب بـ”تمثيل تقني” بحجة أن لديها “خبرة ميدانية” في مكافحة داعش، فتدخل اللجنة عبر باب “الخبراء” لا عبر باب “السيادة”. وإذا دخلت مرة واحدة، فإن خروجها يصبح سياسياً لا تقنياً.
  3. ربط “شروطها” بمخرجات اللجنة: الفصائل التي لم تُسلِّم سلاحها بعد (كتائب حزب الله على رأسها) قد تشترط أن تكون آلية التسليم وحجم الترتيبات الأمنية بعد الانسحاب خاضعة لموافقتها. أي أن “السلاح” يصبح ورقة تفاوض داخل اللجنة لا خارجها: “نُسلِّم السلاح الثقيل مقابل ضمانات أمنية مكتوبة في مخرجات اللجنة”.

ما يجب على الحكومة فعله — الآن وقبل 30 أيلول: 

  1. إغلاق الباب تماماً: اللجنة الأمنية الفنية دولة-دولة (بغداد-واشنطن). لا “مقاعد استشارية”، لا “خبراء فنيين” من خارج الجهاز الأمني الرسمي، لا “متابعة إعلامية”.
  2. فصل “الحشد” عن “الفصائل” قبل تشكيل اللجنة: إذا لم يُنجز فالح الفياض (رئيس هيئة الحشد) عملية “فك الارتباط التام” قبل 30 أيلول، فلا يجوز أن يدخل أي ممثل عن الحشد اللجنة — لأنه سيصبح الواجهة التي يدخل منها الفصيل. 
  3. كشف “القناة الموازية”: زيارة قاآني السرية وتوجيهاته للفصائل يجب أن تُرفع إلى مستوى ملف استخباراتي رسمي — ليس كـ”أزمة دبلوماسية”، بل كـدليل على محاولة اختراق سيادي يُعرض على سنتكوم (القيادة المركزية الأمريكية) كجزء من مخرجات اللجنة نفسها.
  4. حماية الزيدي من “الابتزاز الداخلي”: إذا استمر الضغط من الإطار التنسيقي، فإن على الزيدي كشف الضغط علناً — ليس كـ”صراع سياسي”، بل كـإنذار وطني: “هناك أطراف داخل السلطة تريد أن تكون عيوناً لطهران داخل جهاز سيادي يتفاوض مع واشنطن. هذا ليس خياراً سياسياً؛ هذا خيانة للأمانة السيادية.”

الخلاصة:

المسألة ليست “هل تُشرك الفصائل في اللجنة؟” — المسألة هي هل يقبل رئيس الوزراء أن تتحول أعلى أداة سيادية في العراق إلى قناة نقل استخباراتي لطهران؟ إذا قُبل هذا — حتى بصفة “غير مباشرة” أو “خلف الستار” — فإن كل ما بُني من “سيادة” و”يوم وطني” و”شراكة ثنائية” سيكون واجهة مسرحية خلفها يد إيرانية تمسك الخيوط.  والتحذير واضح: من يتساهل هنا لا يتساهل في “مقعد”؛ بل يتنازل عن جوهر الدولة.

  1. اللجنة الأمنية الفنية التي وجّه الزيدي بتشكيلها هي، في جوهرها، أداة سيادية لاستعادة “الحصرية” في العلاقة مع واشنطن بعد خروج التحالف. 
  2.  أي تسريب في هيكلها نحو الفصائل الولائية يعني عملياً تحويل “الشراكة الثنائية” إلى “ثلاثية” أو “رباعية” غير معلنة، مما يُفقد القرار معناه السيادي. الرهان الحقيقي ليس على “هل تدخل الفصائل اللجنة؟” بل على هل تستطيع بغداد الفصل بين “الحشد الشعبي” كمؤسسة (مقبولة) والفصائل كأطر مسلحة (غير مقبولة)؟ — وهذا الفصل هو بالضبط ما تحاول اللجنة التي أعلنها فالح الفياض (رئيس هيئة الحشد) تحقيقه عبر “فك الارتباط التام”. 
  3.  إذا نجح هذا الفصل قبل 30 أيلول، فإن الفصائل تفقد ذريعة “التمثيل” داخل لجنة العلاقة مع التحالف. وإذا فشل، فإن “اللجنة الأمنية الفنية” ستتحول إلى ساحة صراع صامت بين الدولة والفصائل على من يُمثّل “العراق” أمام الولايات المتحدة بعد الانسحاب. 

  1. المعضلة الهيكلية التي تواجه الفصائل الولائية العقائدية (كتائب حزب الله، حركة النجباء، كتائب سيد الشهداء) هي أن هذه اللجنة تُصاغ كـجهاز سيادي-دولاني بامتياز، لا كمنصة تفاوضية مع أطراف خارجة عن القانون.  أي أن الفصائل، بصفتها “تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة”، لا مكان لها فيها قانونياً ولا سياسياً.  وهذا بالضبط ما يجعلها تسعى إلى:
  2. فرض “شرط التمثيل” كسابقة: إن نجحت الفصائل في إدخال ممثليها (ولو بصفة “استشارية” أو “أمنية”)، فإنها تخلق سابقة دستورية تجعلها طرفاً في صياغة العلاقة مع الولايات المتحدة، أي أنها تتحول من “مشكلة أمنية” إلى “شريك تفاوضي”. وهذا يتناقض جذرياً مع المنطق الذي بنى عليه الزيدي قراره: “لا مبرر لبقاء المقاومة بعد سبتمبر”. 
  3. استغلال “الطابع الفني” للجنة: اللجنة مُوصَفة بأنها “فنية” لا “سياسية”. وهذا يفتح ثغرة: يمكن للفصائل أن تطالب بـ”تمثيل تقني” بحجة أن لديها “خبرة ميدانية” في مكافحة داعش، فتدخل اللجنة عبر باب “الخبراء” لا عبر باب “السيادة”. وإذا دخلت مرة واحدة، فإن خروجها يصبح سياسياً لا تقنياً.
  4. ربط “شروطها” بمخرجات اللجنة: الفصائل التي لم تُسلِّم سلاحها بعد (كتائب حزب الله على رأسها) قد تشترط أن تكون آلية التسليم وحجم الترتيبات الأمنية بعد الانسحاب خاضعة لموافقتها. أي أن “السلاح” يصبح ورقة تفاوض داخل اللجنة لا خارجها: “نُسلِّم السلاح الثقيل مقابل ضمانات أمنية مكتوبة في مخرجات اللجنة”.

أخبار ذات صلة