سبتمبر 9, 2026
LOGO

حين سقطت الأقنعة
من التصفيق لصنعاء إلى التحريض عليها

وفاء الكبسي

ظن اليمنيون أن وجع غزة ومظلوميتها قد جمعا القلوب على مبدأ واحد، وأن من وقف إلى جانب موقف صنعاء في إسناد فلسطين، إنما وقف إيمانًا بالحق ووفاءً لقضية تتجاوز حدود الجغرافيا والحسابات.
لكن المواقف، حين تطول بها الأيام، تكشف ما تخفيه الشعارات. فقد شجّع بعضهم موقف اليمن لا إيمانًا به، وإنما وفق حسابٍ آخر:
هذا يضرب هذا، وهذا يستنزف ذاك، ونحن المستفيدون.
وحين اكتشفوا أن صنعاء لا تتحرك كأداة في حساباتهم، وأن قرارها لا يُدار من خارجها، تبدلت النبرة؛ وانقلب الإعجاب تحريضًا، وأصبح من كان بالأمس يشيد بالموقف اليمني يدعو اليوم إلى مواجهته.
هنا لا بد أن نسأل عن الوفاء قبل السياسة، وعن المروءة قبل الحسابات.
قال تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾.
اختلفوا مع صنعاء كما يشاؤون؛ فهذا حقهم. وانتقدوا سياستها، وناقشوا قراراتها، وارفضوا ما لا يعجبهم.
لكن كيف يتحول الخلاف السياسي إلى تحريض على اليمنيين؟
ولماذا لا تتجه الكلمات إلى من يحاصر ويهدد؟
قولوا للسعودي: كفى، ارفع حصارك، وأحسن جوارك.
أما أن يُطلب من اليمن أن يتراجع، بينما يُترك المعتدي خارج دائرة اللوم، فهذه ليست عدالة، ولا يمكن أن تكون موقفًا أخلاقيًا.
والأشد مرارة أن يصدر بعض هذا الخطاب من أصوات فلسطينية وعربية ذاقت معنى الحصار والقصف والخذلان.
فمن وقف مع غزة لا يُكافأ بأن يصبح هدفًا للتحريض، ومن عرف ألم المظلوم يفترض أن يكون أقدر الناس على فهم ألمه.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
فإن لم تستطيعوا نصرة اليمن، فلا تكونوا عونًا عليه.
وإن اختلفتم مع صنعاء، فليكن اختلافكم بالحجة، لا بالتحريض على الدم.
أما التباهي بالزي اليمني مع الانقلاب على اليمن في الموقف، فلا يصنع وفاءً؛ فالهوية ليست ثوبًا يُستعار، والكرامة ليست صورة.
المواقف هي التي تكشف أصحابها.
لقد ظننتم أن اليمن يمكن أن يكون ورقةً في صراعكم، وأن ما يفعله سيُقاس بقدر ما يخدم حساباتكم.
لكن صنعاء اختارت موقفًا تعرف كلفته، ومضت فيه دون انتظار تصفيق أحد.
وهنا أخطأتم الحساب.
فالمبدأ الذي يُقبل حين يخدم مصلحتك، ثم يُدان حين يستقل عنك، ليس مبدأً في الحقيقة؛ إنها مصلحة ترتدي ثوب المبدأ.
وتلك هي عقلية عمر بن سعد: حين يصبح الحق قابلًا للمساومة، ويُقاس الموقف بما سيجنيه صاحبه، لا بما يمليه عليه ضميره.
لكن التاريخ لا يحفظ الحسابات وحدها؛ يحفظ من وقف، ومن خذل، ومن حرّض.
ولهذا، لا تجعلوا خلافكم مع صنعاء سببًا لسقوطكم في الظلم.
لا تجعلوا غزة ذريعةً لظلم اليمن.
فالدم لا تتغير حرمته بتغير الجغرافيا، والظلم لا يصبح عدلًا لأن الضحية يمنية.
إن كنتم مع غزة، فكونوا مع العدل.
وإن كنتم مع المقاومة، فلا تكونوا مع العدوان.
وإن كنتم مع الكرامة، فلا تسلبوها من غيركم.
أما صنعاء، فقد اختارت موقفها، وتحملت ثمنه.
ويبقى السؤال لمن بدّلوا مواقفهم:
حين وقف اليمن مع غزة، أين كان وفاؤكم؟
وحين اختلفتم معه، لماذا أصبح دمه هو الثمن؟
هنا تسقط الشعارات.
وهنا يُعرف الفرق بين من يحمل قضية، ومن يحمل مصلحة.
فالزي يُرتدى، والشعار يُرفع،
أما الموقف فلا يُستعار.

#الحملة_الدولية_لفك_حصار _مطار _صنعاء
#اتحاد_كاتبات_اليمن