
د. فاضل حسن شريف
تُشكل الشعائر الحسينية والمؤسسة المنبرية (الخطباء والرواديد) أحد أكثر المحاور التي يركز عليها الكاتب علي كاش في مقالاته وكتبه، حيث يستخدم أسلوب السجال الهجومي للطعن في البنية الثقافية والاجتماعية للشارع الشيعي. أبرز صور التشكيك والتهجم في كتابات علي كاش بهذا الخصوص: التشكيك بالشعائر الحسينية ووصفها بـ “الطقوس البدائية”: يتناول علي كاش الشعائر والممارسات الحسينية (مثل العزاء، التطبير، والمواكب) بنبرة استعلاء واستخفاف شديدة، حيث يصفها بـ “الخرافات والدخائل التي صنعتها العهود المظلمة (كالعهد الصفوي)”، زاعماً أنها طقوس هدفها “تغييب العقل، وادامة الجهل، وتعطيل التنمية والعمل” لدى أبناء الوسط والجنوب. الهجوم على الشيخ أحمد الوائلي والمنبر الديني: لم يسلم خطيب المنبر الحسيني الشهير الشيخ أحمد الوائلي (الذي يُعد رمزاً للاعتدال والخطابة الفكرية لدى الملايين) من كتابات كاش، إذ يوجه له اتهامات بـ “التجييش العاطفي، وتكريس التفرقة المذهبية، وتمرير المرويات غير المحققة”. ويحاول الكاتب نزع الصفة العلمية عن خطبه، واصفاً المنبر الذي أسسه الوائلي بأنه “أداة لتشذيب العقول وتخدير الجماهير”. تسفيه الرواديد والمنشدين والمنبر العزائي: يتطرق الكاتب إلى ظاهرة الرواديد والقصائد الحسينية بتهجم لاذع، واصفاً الرواديد بـ “التجار والمكتسبين بأحزان الناس”، ومتهماً إياهم بـ “تحويل القضية الحسينية إلى استثمار مالى وتجارة عواطف”، ومشيراً إلى أن قصائدهم تُسهم في “تأجيج الكراهية الطائفية وتغذية الصراع المجتمعي”.
عن تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله تعالى عن الغيبة “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ” (الحجرات 12) يغتب فعل، اغتياباً: عابه و ذكرهُ بما فيه من السوء. ولا يَغْتَبْ: لا يتكلم مسلم على مسلم في غيبته بما يكره. و الغيبة أن تقول خلف الشخص ما فيه، و ما ليس فيه هو البُهت. “يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم” أي مؤثم وهو كثير كظن السوء بأهل الخير من المؤمنين، وهم كثير بخلافه بالفساق منهم فلا إثم فيه في نحو يظهر منهم، “ولا تجسسوا” حذف منه إحدى التاءين لا تتبعوا عورات المسلمين ومعايبهم بالبحث عنها، “ولا يغتب بعضكم بعضا” لا يذكره بشيء يكرهه وإن كان فيه، “أيجب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا” بالتخفيف والتشديد، أي لا يحسن به “فكرهتموه” أي فاغتيابه في حياته كأكل لحمه بعد مماته وقد عرض عليكم الثاني فكرهتموه فاكرهوا الأول، “واتقوا الله” أي عقابه في الاغتياب بأن تتوبوا منه، “إن الله توَّاب” قابل توبة التائبين “رحيم” بهم.
تُعد التوصيفات التي يطلقها الكاتب علي كاش على نظام الحكم في العراق قبل عام 2003، ودمجه بمفهوم “حكم الأقلية الرشيد”، إحدى أكثر الأطروحات التي أثارت سجالاً حاداً واتهامات بالترويج للخطاب الاستبدادي وتجميل الدكتاتورية. عقد مقارنة انحيازية مع الواقع الحالي: يستغل الكاتب الفشل السياسي، وإخفاقات المحاصصة، وانتشار الفساد والسلاح المنفلت بعد عام 2003 ليعيد إنتاج نظريته، معتبراً أن “حكم الأقلية قبل 2003” -ورغم أخطائه- كان أكثر قدرة على إدارة الدولة وتوفير الأمن والتعليم وبناء المنجز العمراني والعسكري مقارنة بـ “حكم الأغلبية الميليشياوية” الحالي، بحسب تعبيره. نقد مفهوم الديمقراطية العدديدة: يرى كاش في طروحاته أن “الأغلبية العدديدة” في العراق غير مؤهلة للحكم، واصفاً مشاركتها السياسية بـ “الشعبوية الدينية”، ومفضلاً عليها نموذج السلطة القوية الحازمة الممسوكة بنخبة تفرض الأمن بقوة السلاح بدلاً من العملية الديمقراطية. ردود الأفعال والتقييم الفكري: تُواجه هذه الأطروحات برفض قاطع من الباحثين والمؤرخين والأوساط الحقوقية للعديد من الأسباب: تجميل الاستبداد وإنكار الضحايا: يرى النقاد أن وصف نظام مسؤول عن حروب كارثية، وحصار اقتصادي خانق، ومقابر جماعية، وإبادية جماعية بحق مكونات واسعة بأنه “حكم رشيد” يُعد سقوطاً أخلاقياً وتدليساً تاريخياً يمس كرامة ملايين الضحايا وعوائلهم. المغالطة المنطقية: يشدد المحللون السياسيون على أن فشل أحزاب السلطة الحالية بعد 2003 لا يُضفي الشرعية بأي حال من الأحوال على الدكتاتورية السابقة، وأن المقارنة بين نموذج استبدادي طائفي ونموذج محاصصة فاسد هي مقارنة بين خيارين سيئين، فيما يحتاج العراق إلى دولة مواطنة وقانون حقيقية.
جاء في کتاب بحوث فقهية حول الذبح بغير الحديد والزي والتجمل ومسائل أخرى للسيد محمد رضا السيستاني: والظنّ ـ كما نصّ عليه الخليل وابن فارس وغيرهما ـ يأتي بمعنيين مختلفين: اليقين والشك، والمقصود بالشكّ الأعم من الاحتمال الراجح والمساوي والمرجوح. وقد استشهد على استعمال الظن في اليقين بقوله تعالى: “قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو اللَّهِ” (البقرة 249) وبقول الشاعر: فقلت لهم ظنّوا بألفي مدجّجٍ * سراتهم في الفارسيّ المسرّد. قال الجوهري: أي استيقنوا، وإنما يخوّف عدوه باليقين لا بالشك. وأما حسن الظن بالمؤمن فالمقصود به ما يقابل سوء الظن به على أحد الوجوه الثلاثة، وقد ذهب جمع من الفقهاء إلى وجوبه، وهو ظاهر كلام السيد الأستاذ قدس سره، وأنكره آخرون ومنهم المحقّق النراقي قدس سره بل يظهر منه عدم جواز ظن الخير بالناس في هذه الأزمنة التي عمّ فيها الشرّ كلّ مكان على حدّ تعبيره طاب ثراه. وينبغي استعراض أهم الآيات والروايات التي أُستند إليها في هذا الباب والتحقّق مما يُستفاد منها، وهي: قوله تعالى: “يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ” (الحجرات 12). وقد استدلّ به غير واحدٍ على حرمة سوء الظنّ بالمسلم أو بالمؤمن، ومبنى ذلك ـ كما قال الشيخ الأعظم الأنصاري قدس سره إنّه لو لم يكن ظن السوء إثماً فلا شيء من الظن إثم، فكأنّه هو القدر المتيقّن من الظن الذي يكون إثماً. (أقول): لا إشكال في أن المستفاد من الآية الكريمة المذكورة بملاحظة الآية السابقة عليها الدالّة على حرمة السخريّة واللمز والتنابز بالألقاب وبملاحظة ذيلها الدالّ على حرمة التجسس والاغتياب هو أن المقصود ببعض الظنّ المعدود من الإثم هو بعض الظنّ المتعلّق بالناس، وإن كان بعض غيره من الظن إثماً أيضاً كسوء الظن بالله تعالى. وذكر بعض المفسرين أن المقصود بكثيرٍ من الظنّ ما يعمّ الظن الذي يكون إثماً، فيكون الأمر بالاجتناب عنه أمراً احتياطياً توقّياً من الوقوع في الإثم. واختار العلامة الطباطبائي قدس سره وفاقاً لآخرين أن المراد بكثير من الظن هو بعض الظن الذي هو إثم، وإنما جيء بـ (كثير) نكرة ليدلّ على كثرته في نفسه لا بالقياس إلى سائر أفراد الظن، فهو كثيرٌ في نفسه وبعضٌ من مطلق الظن. والأقرب هو الوجه الأول فإن الأمر بالاجتناب عن كثيرٍ من الظن ثم تعليل ذلك بأن “بعض الظن إثم” ظاهر جداً فيما ذكر، ولو كان المقصود هو الوجه الثاني لأستغني.
ينخرط سجاد تقي كاظم في مقالاته وطروحاته المتعددة في مناقشة هويات أهالي الوسط والجنوب العراق في إطار نقد العقل الجمعي والسرديات التاريخية، مفهوم “الشروكية” والمعدان كضحية: يرى في بعض طروحاته أن مصطلح “الشروكية” أو سكان الأهوار والجنوب أُسقط عليهم تاريخياً من قبل السلطات والمؤسسات الدينية (الإيرانية واللبنانية بحسب وصفه) والقومية للسيطرة عليهم وتجريدهم من قيادة دولتهم، مستدلاً بالفقر والمعاناة التي يعيشها ابن الجنوب رغم امتلاكه الثروة النفطية. كيف قرأ الشارع والنقاد هذا التناول؟ انتقاد خلط الأوراق والنبرة التحقيرية: يرى الكتاب والباحثون العراقيون أن طروحات سجاد تقي كاظم تقع في تناقض حاد، ففي حين يدعي تشخيص الظلم التاريخي الواقع على أهالي الجنوب ورفض وصمهم بالأصول غير العربية، يلجأ في المقابل إلى استخدام مفردات تجسد نفس نظرة الاستعلاء الطبقي والمناطقي تجاههم. ويرون أن استدعاء النظريات العرقية والتلميح لأوصاف “الهنود” أو “المعدان” لوسم سلوكيات مجتمعية يحول المقالات من دراسة اجتماعية وسياسية إلى منصة لإشعال السجالات الهوياتية والمناطقية. رؤية القلة المدافعة: يرى المدافعون عن أفكاره أنه يحاول صدم الشارع الجنوبي من خلال استحضار التهم التاريخية الموجهة إليه ومقارنتها بواقعه الحالي، لدفع مجتمعات الوسط والجنوب للثورة على الاستغلال السياسي وللتوقف عن القبول بدور “الضحية” أو التبعية للأحزاب والحركات الدينية.
غيبة المؤمن، وهي أن يُذكر بعيب في غيبته مما يكون مستوراً عن الناس سواء أكان بقصد الانتقاص منه أم لا (الحجرات 12) و (الاسراء 36) و (ق 18) و (القصص 55) و (الانعام 68). قال الإمام الصادق عليه السلام (لا تغتب فتغتب، ولا تحفر لأخيك حفرة فتقع فيها فإنك كما تدين تدان). جاء في کتاب مصباح الشريعة المنسوب للإمام الصادق عليه السلام: ويقول تعالى: “وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ” (الحجرات 12) إن للغيبة ظاهراً وباطناً أما الظاهر منه فهو الذي يشهّي الناس ويرغبهم فيها، وأما باطنها فهو أكل لحوم الأموات. وفي الحياة الدنيا لا يرى الناس إلّا هذا الظاهر الذي يشهّيهم في الغيبة، ولو كانوا يرون باطن الغيبة، ويعرفون أنهم يلوكون بالغيبة لحوم إخوانهم لاشمأزوا ونفروا من الغيبة. ومن وصية الامام موسى الكاظم عليه السلام الى هشام بن الحكم: يا هِشَامُ مَنْ كَفَّ نَفْسَهُ عَنْ أَعْرَاضِ النَّاسِ أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ عَنِ النَّاسِ كَفَّ اللَّهُ عَنْهُ غَضَبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَة.
في مقالته المثيرة للجدل المعنونة (أكذوبة الإسلام قام بسيف الإمام علي)، يقدم سجاد تقي كاظم قراءة تفكيكية نقدية لواحد من أبرز المفاهيم والمقولات التاريخية السائدة في الموروث الإسلامي الشيعي، متبعاً أسلوب الصدمة ونقد السرديات المذهبية. أبرز المحاور والحجج التي يطرحها في المقال: تفكيك المقولة الشائعة: يسعى الكاتب لإسقاط عبارة “قام الإسلام بسيف علي ومال خديجة”، معتبراً أن إرجاع انتصار الإسلام أو انتشاره إلى “سيف” أو “شخص واحد” هو اختزال تاريخي ومبالغة عقائدية تُغيب الواقع المعقد للغزوات والمعارك التاريخية. استدلالات من الوقائع والغزوات: معركة بدر: يعرض الكاتب حجة أن النصر في بدر بحسب النص القرآني والسردية التاريخية ارتبط بـ “نزول الملائكة” والدعم الإلهي للرسول وللجيش بأكمله، وليس بجهد فردي. معركة أحد: يستدل بهزيمة المسلمين في أحد ليقول إن وجود الشخصيات الفذة لم يمنع الانكسار العسكري، مما ينفي حتمية القوة المطلقة لـ “السيف”. فتح مكة: يشار إلى أن الفتح جرى حسمه سلمياً وبقيادة الرسول، ولم يكن فيه علي بن أبي طالب أميراً على ألوية الجيوش أو حاسماً للموقف بسيفه، على حد تعبيره. نقد مفهوم “الاستبسال العقائدي”: يحاول المقال تجريد المعارك الأولى في صدر الإسلام من البعد الأسطوري، واصفاً إياها بأنها صراعات وتوازنات قوى بين قبائل عربية، وأن الاعتماد على مقولة “السيف” أدى مستقبلاً إلى شرعنة استخدام العنف والسلاح تحت غطاء عقائدي. كيف يُقرأ هذا المقال وتداعياته؟ انتقاد وغضب الأوساط الدينية والشعبية: يُعد هذا المقال بالنسبة للجمهور والدراسات الدينية التقليدية استخفافاً بالثوابت ومكانة الإمام علي التاريخية في معارك مثل (خيبر، خندق، وبدر)، حيث تُوثق المصادر التاريخية والإسلامية أدواراً حاسمة له. ويرى الناقدون أن طرح الكاتب ينطوي على رغبة في استفزاز المشاعر الدينية وتجريد الرموز من مكانتها لإحداث صدمة إعلامية. رؤية المدافعين عنه: يرى القليل من مؤيديه أن المقال يستهدف ما يسمونه “صناعة الأسطورة” وتوظيف التاريخ الديني لخدمة الفصائل المسلحة والأحزاب الدينية اليوم، وأن هدفه نزع الشرعية عن فكرة “قوة السلاح” لتأسيس مفهوم الدولة المدنية.
عن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: الدين ليس إجباريا: إن آية الكرسي في الواقع هي مجموعة من توحيد الله تعالى وصفاته الجمالية والجلالية التي تشكل أساس الدين، وبما أنها قابلة للاستدلال العقلي في جميع المراحل وليست هناك حاجة للإجبار والإكراه تقول هذه الآية: “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ” (البقرة 216) لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي. (الرشد) لغويا تعني الهداية للوصول إلى الحقيقة، بعكس (الغي) التي تعني الانحراف عن الحقيقة والابتعاد عن الواقع. ولما كان الدين يهتم بروح الإنسان وفكره ومبني على أساس من الإيمان واليقين، فليس له إلا طريق المنطق والاستدلال وجملة: لا إكراه في الدين في الواقع إشارة إلى هذا المعنى، مضافا إلى أن المستفاد من شأن نزول هذه الآية وأن بعض الجهلاء طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقوم بتغيير عقائد الناس بالإكراه والجبر فجاءت الآية جوابا لهؤلاء وأن الدين ليس من الأمور التي تفرض بالإكراه والإجبار وخاصة مع كل تلك الدلائل الواضحة والمعجزات البينة التي أوضحت طريق الحق من طريق الباطل، فلا حاجة لأمثال هذه الأمور. وهذه الآية رد حاسم على الذين يتهمون الإسلام بأنه توسل أحيانا بالقوة وبحد السيف والقدرة العسكرية في تقدمه وانتشاره، وعندما نرى أن الإسلام لم يسوغ التوسل بالقوة والإكراه في حمل الوالد لولده على تغيير عقيدته الدينية فإن واجب الآخرين بهذا الشأن يكون واضحا، إذ لو كان حمل الناس على تغيير أديانهم بالقوة والإكراه جائزا في الإسلام، لكان الأولى أن يجيز للأب ذلك لحمل ابنه على تغيير دينه، في حين أنه لم يعطه مثل هذا الحق. ومن هنا يتضح أن هذه الآية لا تنحصر بأهل الكتاب فقط كما ظن ذلك بعض المفسرين، وكذلك لم يمسخ حكم هذه الآية كما ذهب إلى ذلك آخرون، بل أنه حكم سار وعام ومطابق للمنطق والعقل. ثم أن الآية الشريفة تقول كنتيجة لما تقدم فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها. (الطاغوت) صيغة مبالغة من طغيان، بمعنى الاعتداء وتجاوز الحدود، ويطلق على كل ما يتجاوز الحد. لذلك فالطاغوت هو الشيطان والصنم والمعتدي والحاكم الجبار والمتكبر، وكل معبود غير الله، وكل طريق لا ينتهي إلى الله. وهذه الكلمة تعني المفرد وتعني الجمع. أما المقصود بالطاغوت، فالكلام كثير بين المفسرين. قال بعض إنه الصنم، وقال بعض إنه الشيطان، أو الكهنة، أو السحرة، ولكن الظاهر أن المقصود هو كل أولئك، بل قد تكون أشمل من كل ذلك، وتعني كل متعد للحدود، وكل مذهب منحرف ضال. إن الآية في الحقيقة تأييد للآيات السابقة التي قالت أن لا إكراه في الدين، وذلك لأن الدين يدعو إلى الله منبع الخير والبركة وكل سعادة، بينما يدعو الآخرون إلى الخراب والانحراف والفساد. على كل حال، إن التمسك بالإيمان بالله هو التمسك بعروة النجاة الوثقى التي لا تنفصم.

