سبتمبر 18, 2026
1-7

عبد الله.. طالب متفوق في تشالمرز، وجد نفسه خارج السويد بعد قرار ترحيله إلى العراق.

إيهاب مقبل

ثلاث قصص لشباب عاشوا سنوات من حياتهم في السويد، ودرسوا وعملوا وبنوا علاقاتهم وأحلامهم هناك، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام قرارات ترحيل دفعت بهم إلى العراق ومصر وإيران. قصص عبد الله وناردين والشقيقتين دونيا ودريا، كما عرضتها صحيفة «أفتونبلادت» السويدية، تفتح نقاشًا واسعًا حول سياسة الهجرة السويدية، وما إذا كانت القواعد الحالية تراعي بما يكفي واقع الشباب الذين أمضوا سنوات طويلة في السويد وأصبحوا جزءًا من مجتمعها.

هذه القصص تكشف مفارقة مؤلمة: شباب طُلب منهم الاندماج والدراسة والعمل وبناء مستقبلهم، ثم وجد بعضهم نفسه خارج البلد الذي تشكلت فيه حياته، بعيدًا عن الجامعة والعمل والأسرة والأصدقاء.

العراق: طالب تشالمرز المتفوق يبحث عن مكان للنوم
عبد الله، والبالغ من العمر 21 عامًا، عاش في السويد ست سنوات. أنهى المرحلة الثانوية، وحصل على شهادات تقدير بسبب تفوقه الدراسي، ثم بدأ دراسة هندسة الميكاترونكس في جامعة تشالمرز للتكنولوجيا. ووفق «أفتونبلادت»، كان من الطلاب المتفوقين، وحصل على أفضل درجات في الرياضيات على مستوى برنامجه الدراسي.

لكن بلوغه سن الرشد غيّر وضعه القانوني، وصدر قرار بترحيله إلى العراق، رغم أن والديه وإخوته يعيشون في السويد، ورغم أنه كان يدرس ويعمل ويخطط لمستقبله هناك.

وبحسب ما نقلته الصحيفة، اعتبرت مصلحة الهجرة السويدية أن الدراسة والعمل ووجود الوالدين والإخوة في السويد لا تكفي لاعتباره قد كوّن «ارتباطًا خاصًا» بالبلاد.

بعد ترحيله، لم يجد عبد الله حياة مستقرة في العراق، بل انتقل إلى بلد أوروبي آخر وبدأ إجراءات لجوء جديدة. وفي الفترة الأولى، تحدث عن اضطراره للنوم في الشوارع والحدائق والأماكن المؤقتة، قبل أن يحصل على مكان للنوم في شقة يتشاركها مع ثمانية أشخاص آخرين.

المفارقة التي تبرزها قصته أن شابًا كان يحلم بأن يصبح باحثًا وطالب دكتوراه، وكان يستعد لمواصلة تعليمه الجامعي، وجد نفسه يبحث عن أبسط مقومات الحياة.

وتطرح هذه الحالة سؤالًا حول مدى الاتساق بين سياسة الهجرة وسياسات التعليم والاندماج في السويد، فإذا كان شاب قد أمضى سنوات في التعليم والاندماج والعمل، فلماذا ينتهي مساره في الشارع وخارج البلد الذي بنى فيه مستقبله؟

مصر: ناردين بين حلم طب الأسنان والانفصال عن والدتها
أما ناردين، البالغة من العمر 21 عامًا، فقد بنت هي الأخرى جزءًا كبيرًا من حياتها في السويد. رفعت درجاتها الدراسية من خلال مدرسة تعليم الكبار «Komvux»، وحصلت على عمل إضافي في أحد المطاعم، وكانت تخطط للتقدم إلى برنامج في مجال صحة الأسنان في معهد كارولينسكا، أو دراسة طب الأسنان. لكن المفاجأة رُحّلت إلى مصر!

تعيش ناردين الآن بمفردها في شقة صغيرة، وتقول إنها تحاول تجنب الخروج خشية التعرض للمضايقات. ووفق ما نقلته «أفتونبلادت»، أصبحت أيامها بطيئة وثقيلة، وفقدت الطاقة للبحث عن عمل أو القيام بأشياء كثيرة.

وتقول ناردين إنها تشعر بأن وضعها يزداد سوءًا، وإنها تبكي كل ليلة وتتمنى العودة إلى منزلها.

الأكثر إيلامًا في قصتها هو انفصالها عن والدتها التي لا تزال تعيش في السويد وتعمل في مجال رعاية المسنين في مدينة هودينغه. فالأم لا تستطيع مغادرة السويد خلال إجراءات تمديد تصريح إقامتها، بينما لا تستطيع ناردين العودة إلى السويد لزيارة عائلتها بسبب قرار الترحيل.

ورغم ذلك، لم تتخل ناردين عن حلم الدراسة. فقد تقدمت إلى برامج في التمريض وطب الأسنان والعلوم الطبية الحيوية، أملاً في الحصول على إقامة للدراسة، إلا أن تكاليف الدراسة المرتفعة ووضعها على قائمة الانتظار جعلا العودة إلى المسار الذي خططت له أمرًا بالغ الصعوبة.

إيران: شقيقتان تتركان التمريض ومستقبلهما خلفهما
القصة الثالثة تتعلق بالشقيقتين دونيا، 21 عامًا، ودريا، 24 عامًا، من مدينة غوتنبرغ، اللتين كانتا تدرسان التمريض في جامعة غرب السويد في ترولهاتان.

كانت خطتهما واضحة بإكمال الدراسة، والحصول على مؤهل في التمريض، ثم العمل في قطاع الرعاية الصحية. لكنهما رُحّلتا إلى إيران!

وبحسب «أفتونبلادت»، احتفظت الجامعة بمقعديهما الدراسيين، إلا أن طلباتهما للحصول على تصاريح إقامة للدراسة، والتي تقدمتا بها من إيران، رُفضت. وترى مصلحة الهجرة السويدية أن رغبتهما في العودة إلى السويد ترتبط بأسباب تتجاوز الدراسة.

لكن الواقع الذي تعيشانه في إيران مختلف تمامًا عن الحياة التي عرفتاها في السويد. فقد تحدثتا عن فقدان الحياة اليومية والأصدقاء والمجتمع الذي بنتاه خلال سنوات، وعن صعوبة رؤية مستقبل واضح لهما هناك.

وخلال الهجمات الأمريكية على إيران وانقطاع الإنترنت، فقدت عائلتهما في غوتنبرغ الاتصال بهما لفترة، قبل أن تصل رسالة مؤثرة منهما: «لا تنسونا».

وحتى اليوم، وفق التقرير، لم تتمكنا من الدراسة أو العمل في إيران.

العراق ومصر وإيران: ثلاثة بلدان وثلاثة أحلام معلقة
تجمع الحالات الثلاثة مفارقة واضحة. فالشباب الذين جرى ترحيلهم لم يكونوا، وفق ما تصفه «أفتونبلادت»، في بداية طريق الاندماج، بل كانوا قد قطعوا شوطًا طويلًا منه.

عبد الله كان طالبًا جامعيًا متفوقًا في تشالمرز. ناردين كانت تعمل وترفع درجاتها وتخطط للتعليم العالي. ودونيا ودريا كانتا تدرسان التمريض وتستعدان للعمل في قطاع الرعاية الصحية.

ومع ذلك، انتهى بهم الأمر إلى العراق ومصر وإيران، بعيدًا عن الجامعات والأصدقاء والعائلات والمسارات المهنية التي بنوها في السويد.

وهنا تظهر إحدى أكثر المفارقات إثارة للجدل في سياسة الهجرة السويدية، فالدولة تشجع على الاندماج والتعليم والعمل، لكن بعض الشباب الذين قطعوا شوطًا في هذه المجالات قد يجدون أنفسهم، في نهاية المطاف، أمام قرار يقطع هذا المسار بالكامل.

بين صرامة قانون الهجرة والثمن الإنساني
من الطبيعي أن تستند قرارات الهجرة إلى القوانين والمعايير التي تضعها الدولة، ولا يعني الاندماج أو التفوق الدراسي تلقائيًا الحصول على حق الإقامة.

لكن هذه القصص تثير سؤالًا سياسيًا وإنسانيًا مشروعًا حول مدى ملاءمة هذه القواعد للشباب الذين وصلوا إلى السويد في سن مبكرة، وقضوا سنوات تكوينهم داخل المجتمع السويدي.

فبلوغ سن الرشد لا يمحو السنوات التي سبقت ذلك. ولا يمكن لقرار إداري أن يغير حقيقة أن أصدقاء الشخص وتعليمه ولغته وروتينه وحياته الاجتماعية وربما عائلته، كلها أصبحت مرتبطة بالسويد.

وهنا يصبح النقاش أكبر من مجرد ملف هجرة. إنه نقاش حول كيفية موازنة الدولة بين تطبيق قواعد الإقامة وبين الآثار التي تترتب على قراراتها في حياة شباب بنوا مستقبلهم على أساس البقاء في السويد.

السويد أمام سؤال صعب
تكشف قصص العراق ومصر وإيران عن فجوة محتملة بين فلسفة الاندماج ونتائج بعض قرارات الترحيل. فالدولة تطلب من الشباب الدراسة والعمل والاندماج، لكن هؤلاء الشباب قد يجدون أنفسهم في نهاية المطاف خارج المجتمع الذي أمضوا سنوات في محاولة بناء مستقبلهم داخله.

وهنا يبرز السؤال: هل ينبغي أن يكون الوضع القانوني وحده العامل الحاسم، أم يجب أن يؤخذ في الاعتبار أيضًا المسار الحياتي الكامل للشخص، وخصوصًا عندما يكون قد وصل إلى السويد في سن صغيرة وأمضى سنوات في التعليم والعمل وبناء العلاقات؟

القضية لا تتعلق فقط بحق الإقامة، بل أيضًا بالثمن الذي يدفعه الإنسان عندما ينقطع فجأة عن البيئة التي نشأ فيها.

عبد الله كان يرى مستقبله في المختبر والجامعة، فإذا به يبحث عن مكان للنوم. وناردين كانت تستعد لمستقبل في مجال طب الأسنان، فإذا بها تعيش وحيدة في مصر بعيدًا عن والدتها. ودونيا ودريا كانتا تستعدان للعمل كممرضتين، فإذا بهما تجدّان نفسيهما في إيران، بعيدتين عن الجامعة التي كانت قد احتفظت بمقعديهما.

ثلاث قصص تختبر سياسة الهجرة السويدية
هذه القصص الثلاث لا تقدم وحدها إجابة شاملة عن سياسة الهجرة السويدية، لكنها تضع أمام الرأي العام أمثلة ملموسة على النتائج التي يمكن أن تترتب على قرارات الترحيل عندما يتعلق الأمر بشباب عاشوا سنوات طويلة في السويد.

وقد يكون من حق الدولة وضع قوانين للهجرة وتطبيقها، لكن من حق المجتمع أيضًا أن يناقش ما إذا كانت هذه القوانين تحقق التوازن المطلوب بين الاعتبارات القانونية والإنسانية، وبين ضبط الهجرة وعدم تحويل سنوات الاندماج والتعليم والعمل إلى سنوات ضائعة.

في النهاية، ليست هذه مجرد قصص عن أشخاص غادروا السويد. إنها قصص عن مستقبل كان يُبنى داخل السويد، ثم وجد نفسه فجأة في العراق أو مصر أو إيران.

والسؤال الذي تتركه هذه الحالات مفتوحًا أمام الحكومة والمشرّعين والمجتمع السويدي هو: ماذا يحدث عندما يصبح الشاب الذي أمضى سنوات في الدراسة والعمل والاندماج جزءًا من المجتمع السويدي، ثم يُطلب منه أن يبدأ حياته من جديد في بلد لم يعش فيه لسنوات طويلة؟

وهل كانت الحكومة السويدية ستتعامل بالطريقة نفسها مع هذه الحالات لو كان الأمر معكوسًا، وكان أشخاص سويديون قد أمضوا سنوات طويلة من حياتهم في العراق أو مصر أو إيران، ثم طُلب منهم فجأة مغادرة تلك البلدان والعودة إلى السويد؟ وهل كانت ستُنظر إلى سنوات الدراسة والعمل والروابط الاجتماعية والعائلية التي بنوها هناك بالطريقة نفسها؟

وربما يبقى السؤال الأكثر إحراجًا، فلو كانت هذه القصص لشباب سويديين عاشوا سنوات طويلة في الخارج، ثم وجدوا أنفسهم فجأة أمام قرار بالعودة إلى السويد، فهل كانت منظمات حقوق الإنسان ستكتفي بمراقبة المشهد من بعيد؟ أم كانت ستُقام الدنيا ولا تقعد، وتصدر البيانات، وتتعالى الأصوات، وتُفتح الملفات، دفاعًا عن حق هؤلاء الشباب في الحياة التي بنوها خلال سنوات؟

في النهاية، هذه الأسئلة لا تتعلق فقط بقرارات الترحيل، بل بمعنى الاندماج نفسه، وبالحدود التي ينبغي أن تقف عندها قوانين الهجرة عندما تتعارض مع مسار حياة كامل بُني على مدى سنوات. فماذا يبقى من معنى الاندماج إذا كان الشاب يستطيع أن يدرس ويعمل ويبني علاقاته وحياته في السويد لسنوات، ثم يُطلب منه فجأة أن يترك كل ذلك ويبدأ من الصفر في بلد غادره منذ زمن؟

المصدر:
صحيفة «أفتونبلادت» السويدية، في تقاريرها حول حالات ترحيل الشباب الذين عاشوا في السويد خلال سنوات مراهقتهم، 11 سبتمبر أيلول 2026.
https://www.aftonbladet.se/nyheter/a/Ok0WyA/abbe-var-toppstudent-pa-chalmers-skulle-utvisas-till-irak

انتهى