
دمشق واللعبة الصامتة: حين تسبق التحركات الاستراتيجية التصريحات
بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي
في السياسة، ليست كل المعارك تُخاض أمام الكاميرات، وليست كل الرسائل تُكتب في البيانات الرسمية. أحياناً يكون ما يحدث خلف المشهد أكثر أهمية مما يقال فوق المنابر، وتصبح حركة العلاقات والاتصالات وإعادة بناء التموضع أهم من كثافة التصريحات.
ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن قراءة المشهد السوري الراهن.
فدمشق لا تبدو اليوم منشغلة بإدارة خطاب سياسي يومي بقدر انشغالها بإعادة بناء موقع سوريا داخل بيئة إقليمية ودولية تغيرت بصورة جذرية. وهذه عملية لا تُقاس بتصريح واحد، بل بسلسلة من التحركات المتزامنة التي تكشف انتقال السياسة السورية من مرحلة الدفاع عن البقاء إلى مرحلة محاولة بناء الدولة واستعادة الدور.
الصمت الذي لا يعني الفراغ
خلال الفترة الماضية، ارتبط أسلوب إدارة أحمد الشرع للصراع بقدر من الحذر في الإعلان عن الخطوات قبل اكتمال ظروفها. لكن إسقاط التجربة السابقة بصورة آلية على المرحلة الحالية سيكون تبسيطاً مفرطاً؛ فالدولة اليوم تتحرك ضمن منظومة مختلفة تماماً، وبأدوات دبلوماسية وقانونية واقتصادية أوسع.
ومع ذلك، تبقى القاعدة السياسية ثابتة: ليس كل ما يُخطط له يُعلن، وليس كل ما يُعلن هو جوهر الخطة.
ولهذا فإن قراءة دمشق تحتاج إلى النظر في المسافة بين التصريح والفعل، وبين العنوان الإعلامي والبنية التي تتشكل تحته.
الجولان: من الذاكرة إلى الطاولة الدولية
في 23 أيلول/سبتمبر 2026، وضع أحمد الشرع قضية الجولان في قلب خطاب سوريا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، مؤكداً أن الجولان سيبقى أرضاً سورية، وأن إجراءات الضم باطلة وفق قرار مجلس الأمن 497. كما أعلن تمسك دمشق بالمسار الدبلوماسي وباتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
الأهمية هنا ليست في إعادة تكرار الموقف السوري التقليدي من الجولان فحسب، بل في المكان الذي أُعيد فيه طرح القضية والطريقة التي رُبطت بها بمفهوم السيادة والقانون الدولي.
دمشق لا تقول فقط إن الجولان أرض سورية؛ بل تحاول وضع الملف ضمن إطار قانوني ودولي، في وقت تسعى فيه إلى إعادة تعريف موقع الدولة السورية في النظام الإقليمي.
وهذه نقطة تستحق الانتباه.
فالسياسة الخارجية لا تُقاس فقط بقدرة الدولة على رفع سقف خطابها، وإنما بقدرتها على تحويل القضية التي تتبناها إلى ملف حاضر في المؤسسات الدولية، وفي العلاقات الثنائية، وفي الحسابات الإقليمية.
باكستان: نافذة جديدة لا إعلان تحالف
وفي نيويورك، التقى الشرع رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف، وبحث الطرفان العلاقات الثنائية وآفاق تطوير التعاون، إضافة إلى قضايا إقليمية ودولية. وأعلن شريف استعداد بلاده للمساهمة في جهود إعادة إعمار سوريا وإنعاش اقتصادها، مع تأكيد دعم سيادة سوريا ووحدتها وسلامة أراضيها.
هنا يجب الحذر من القفز إلى استنتاجات أكبر من الوقائع.
فاللقاء لا يعني، بحد ذاته، تشكل تحالف عسكري أو وجود ترتيبات أمنية سرية. لكنه يعني شيئاً واضحاً: سوريا تحاول توسيع دائرة علاقاتها خارج القنوات التقليدية، وفتح مسارات تعاون اقتصادي وسياسي وتعليمي وتقني جديدة.
وهذا النوع من الانفتاح مهم لدولة خارجة من سنوات طويلة من العزلة والحرب.
والأهم أن الحركة السورية في نيويورك لم تقتصر على طرف واحد؛ فقد التقى الشرع الأمين العام للأمم المتحدة، كما عقد لقاءات مع أعضاء في الكونغرس الأميركي ومسؤولين وشخصيات دولية، في سياق بحث دعم وحدة سوريا وسيادتها وإعادة إعمارها.
ماذا تقرأ إسرائيل في هذا المشهد؟
لا يمكن الجزم بما يدور داخل المؤسسات الإسرائيلية من دون مصادر مباشرة وموثوقة، لكن من المنطقي سياسياً أن تراقب إسرائيل عن كثب أي إعادة تموضع سوري في محيطها الإقليمي، خصوصاً مع استمرار الخلاف حول الجولان والعمليات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.
واللافت أن الشرع تحدث في نيويورك عن مئات الغارات والتوغلات والاعتقالات التي قال إن إسرائيل نفذتها في سوريا، وربط ذلك بمسألة الاستقرار والسيادة.
وفي الوقت نفسه، قال في جلسة بالمجلس الأطلسي إن دمشق اختارت المسار الدبلوماسي لمعالجة الاعتداءات، مؤكداً العمل على بناء الجيش والمؤسسات وصياغة دستور جديد وإعادة سوريا إلى محيطها الإقليمي والدولي.
وهنا تظهر المفارقة السياسية الأهم:
دمشق ترفع سقف خطاب السيادة، لكنها لا تجعل التصعيد العسكري أداتها الوحيدة.
إنها تحاول بناء الدولة أولاً، وتوسيع العلاقات ثانياً، وتثبيت الملفات السيادية في المحافل الدولية ثالثاً.
اللعبة الحقيقية في مكان آخر
قد يكون الخطأ الأكبر هو انتظار “الحدث الكبير” لفهم السياسة السورية.
فالتحولات الكبرى غالباً لا تبدأ بإعلان صاخب، وإنما بتراكم خطوات صغيرة: لقاء هنا، اتفاق هناك، فتح قناة اتصال، استعادة علاقة، دعم لإعادة الإعمار، حضور في مؤسسة دولية، ثم انتقال تدريجي من موقع المتلقي إلى موقع صاحب المبادرة.
وهذا تحديداً ما يجعل المشهد السوري الحالي جديراً بالقراءة الهادئة.
فإذا كانت دمشق تنجح في بناء علاقات متعددة الاتجاهات، واستعادة حضورها الدولي، وإعادة تنظيم مؤسساتها، وتثبيت خطابها حول السيادة، فإنها تكون قد بدأت بتغيير موقعها في المعادلة قبل أن تعلن عن أي تحول كبير.
السياسة ليست دائماً صوتاً مرتفعاً.
أحياناً تكون شبكةً تتشكل بصمت.
والرسالة السورية الأهم اليوم قد لا تكون في ما تقوله دمشق فقط، بل في عدد الأبواب التي بدأت تُفتح أمامها، وفي نوعية الأطراف التي بدأت تتعامل معها، وفي الملفات التي عادت تضعها على الطاولة.
لذلك، فإن السؤال لم يعد: ماذا قالت دمشق؟
بل أصبح أكثر دقة:
ماذا تفعل دمشق بينما يتحدث الآخرون عنها؟
ففي لعبة النفوذ الإقليمي، قد يسبق التحركُ التصريحَ، وقد يكون الصمتُ أحياناً ليس غياباً عن المشهد، بل مرحلةً لإعادة ترتيب المشهد نفسه.






