سبتمبر 27, 2026
LOGO

حسن نصر الله.. حين يصبح الغياب حضورًا

وفاء الكبسي

ليس كلُّ غيابٍ غيابًا؛ فثمّة رجالٌ إذا رحلوا، لم يتركوا خلفهم فراغًا، بل تركوا حضورًا من نوعٍ آخر؛ حضورًا يسكن الذاكرة، وتستعيده القلوب كلما اشتدت الأيام، وتبحث عنه الأرواح كلما احتاجت إلى صوتٍ يذكّرها أن الثبات ممكن، وأن الطريق، مهما اشتد، لا يخلو من رجالٍ يمضون فيه حتى النهاية.
عامانِ مرّا على استشهاد السيد حسن نصر الله، وما زال صوته حاضرًا، وصورته تعبر في الذاكرة كأنها لم تغب، وما زلنا نشعر أنه حاضرٌ بيننا في المواقف، وفي خطاب السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله، وفي تلك اللحظات التي تحتاج فيها الأمة إلى رجلٍ يقول: لن ننكسر.
في السابع والعشرين من سبتمبر 2024، ارتقى السيد حسن نصر الله شهيدًا في غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت، بعد أكثر من ثلاثة عقود قاد خلالها حزب الله، وظل واحدًا من أبرز وجوه المقاومة في المنطقة.
لكنني، كامرأةٍ يمنيةٍ أحبّت هذا الرجل واحترمت مواقفه تجاه اليمن وقضايا الأمة، لا أريد أن أكتب عن يوم استشهاده وحده؛ بل أريد عن صوتٍ لم يكن مجرد صوت قائد، وعن كلماتٍ لم تكن مجرد خطابات؛ كان فيها ما يصل إلى القلب مباشرة، ويمنح من يسمعه شعورًا بأن خلف الكلمات رجلًا يعرف معنى القضية التي يتحدث عنها، ويدرك ثمن الطريق الذي اختاره، ولا يطلب من الآخرين السير في طريقٍ لم يكن مستعدًا للسير فيه حتى نهايته.
كان يعرف أن المعركة لا تكون بالسلاح وحده؛ فهناك معركة أخرى على الوعي والإرادة، وعلى قدرة الإنسان أن يبقى ثابتًا حين يُراد له أن يخاف، وأن يبقى مؤمنًا بقضيته حين تتكاثر عليه الضغوط.
ولهذا بقي صوته.
لأن الكلمات الصادقة لا تنتهي بانتهاء أصحابها، ولأن بعض الأصوات لا تُسمع بالأذن وحدها، بل تستقر في الوجدان، وتتحول مع الأيام إلى ذاكرةٍ حيّة.
من اليمن، من بلدٍ يعرف معنى أن يكون الإنسان محاصرًا بالحرب، ومع ذلك يرفع رأسه، أكتب إليك اليوم.
نكتب إليك يا شهيد الأمة من أرضٍ تعرف الشهداء، وتعرف أن الدم حين يُبذل من أجل قضية لا يصبح مجرد ذكرى، وأن الذين يرحلون قد يتركون وراءهم من المعاني ما هو أبقى من العمر نفسه.
بين صنعاء والضاحية مسافةٌ في الجغرافيا، لكن بين القلوب التي آمنت بالمقاومة مسافاتٌ لا تعترف بها الخرائط.
كنتَ ومازلت بالنسبة لنا قائدًا عظيمًا؛ عاش لقضايا الأمة، وحمل همّها، وبقي حاضرًا في أصعب اللحظات، حتى صار حضوره جزءًا من ذاكرة جيلٍ كامل؛ لذلك، حين رحلت، لم يكن الحزن على رجلٍ فقط؛ كان الحزن على صوتٍ ألفناه، وعلى وجهٍ أحببناه، وعلى حضورٍ كنا نشعر معه أن في هذه الأمة رجالًا قادرين على الوقوف مع الحق وعلى حمل القضية حين يثقل حملها.
عامان مرّا، وما زال الغياب حاضرًا، غبتَ عن العين، ولم تغب عن الذاكرة، غاب جسدك، وبقي أثرك، صمت صوتك، وبقيت كلماتك، ورحلتَ من بيننا، وبقي الحضور.
ومن اليمن، التي تعرف معنى الصبر والشهادة، أقول لك في ذكرى استشهادك:
سلامٌ على روحك الطاهرة، وسلامٌ على كل موقفٍ وقفته، وكل كلمةٍ قلتها، وكل أثرٍ تركته في قلوب من أحبّوك.
نم مطمئنًا يا سيدي، فنحن على العهد ماضون، وسنظل نقابل الوفاء بالوفاء.
سلامٌ عليك يوم ارتقيت شهيدًا كريمًا عزيزًا للإسلام والإنسانية، سلام على من رحل جسدًا، وبقي حضورًا.

#اتحاد_كاتبات- اليمن