
د. فاضل حسن شريف
تعددت أسماء اليوم الآخر في القرآن الكريم، وكل اسم يعكس جانباً أو وصفاً هولياً وحقيقياً من أحداث ذلك اليوم العظيم. من أبرز أسماء اليوم الآخر الورود في النص القرآني مع دلالاتها وأدلتها: الآخرة: سُميت بذلك لأنها تعقب الدنيا وتستقر فيها الخلائق. “وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى” (الأعلى 17) الساعة: سميت بذلك لقرب وقوعها أو لمباغتتها الناس في ساعة مفاجئة. “إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا” (طه 15) الحاقة: لأن فيها يتحقق الوعد والوعيد، وتثبت فيها الأحكام والجزاء بالحق. “الْحَاقَّةُ ” مَا الْحَاقَّةُ” (الحاقة 1-2) يوم القيامة: لقيام الناس فيه من قبورهم لرب العالمين. “لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ” (القيامة 1) الواقعة: لتحقق وقوعها وثبوته لا محالة. “إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ” (الواقعة: 1)القارعة: لأنها تقرع القلوب والأسماع بأهوالها. “الْقَارِعَةُ ” مَا الْقَارِعَةُ” (القارعة 1-2) الغاشية: لأن أهوالها تغشى الناس وتعمّهم. “هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ” (الغاشية 1) الطامة الكبرى: لأنها تطم وتطغى على كل داهية وأمر جليل. “فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى” (النازعات 34) الصاخة: للصيحة شديدة الصوت التي تصخ الآذان. “فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ” (عبس 33)يوم الدين: يوم الجزاء والحساب والتكليف. “مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ” (الفاتحة 4) يوم الفصل: لكونه اليوم الذي يفصل الله فيه بين عباده بالعدل. “إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا” (النبأ 17) يوم البعث / يوم الخروج: لإحياء الموتى وخروجهم من الأجداث (القبور). “يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ” (ق 42)الآزفة: لقرب زمانها ودنوّ وقتها. “أَزِفَتِ الْآزِفَةُ” (النجم 57).
تعددت أسماء اليوم الآخر في مدرسة أهل البيت عليهم السلام ورواياتهم المأثورة وتفاسيرهم للشريف القرآني، حيث تجلّت هذه الأسماء ليس فقط كدلالات على أحداث القيامة، بل أُضيفت إليها أبعاد معرفية وعميقة ترتبط بالحق، والعدل، والجزاء، وظهور الحقائق الكاملة. أبرز أسماء اليوم الآخر وردت في القرآن الكريم والحديث المأثور عن أهل البيت عليهم السلام: الآخرة: دار المقر والتنعم أو العقاب الخالد، وتُقابل الدنيا التي هي دار الفناء والابتلاء. ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام: (إنَّ الدُّنْيَا قَدْ ارْتَحَلَتْ مُدْبِرَةً، وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ ارْتَحَلَتْ مُقْبِلَةً). الساعة: الوقت الموعود لانتهاء التكليف وقيام الخلائق، وتأتي بغتةً لتكشف ما خفي. ورد عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى “أَكٰادُ أُخْفِيهٰا” (طه 15) أنه التوقيت الذي استأثر الله تعالى بعلمه لمباغتة العباد بالحق. الحاقة: اليوم الذي يحقّ فيه الحق، ويستقر فيه الوعد والوعيد بلا ريب ولا شك. ورد في الآثار عن أهل البيت أن الحاقة هي القيامة لأنها تحقّ لكل عامل عمله، وتبطل كل باطل. يوم الدين: يوم الحساب والجزاء والتدين بالأعمال. ورد عن الإمام زين العابدين عليه السلام أنه كان إذا قرأ “مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ” (الفاتحة 4) يكررها ويكرر التضرع، لما فيه من الخضوع لعدل الله وفصله بين العباد. يوم الفصل: اليوم الذي يفصل الله فيه بين الحق والباطل، وبين الأبرار والفجار. يوم الحسرة: اليوم الذي يتحسر فيه المسيء على تفريطه، والمحسن على عدم استزادته من الخير. ورد في تفسير أهل البيت لقوله تعالى “وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ” (مريم 39) أنه اليوم الذي يُعرض فيه على الإنسان ما كان يمكن أن يناله من درجات لو أطاع الله. الواقعة / القارعة / الغاشية: أسماء تعكس شدة الأهوال التي تصدم القلوب وتغشى الخلائق بعظمتها، وتحثّ المؤمن على الاستعداد بالعمل الصالح. يوم الجمع / يوم التغابن: اليوم الذي يُجمع فيه الأولون والآخرون، وظهر فيه مغبون الفكر والعمل الذي استبدل الفاني بالباقي.
يوضح الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) في تفسيره الشهير (التبيان في تفسير القرآن) أسماء اليوم الآخر بدقة لغوية وكلامية، موضحاً العلة والاشتقاق اللغوي وراء كل اسم من هذه الأسماء كما وردت في الآيات المباركة: الحاقّة: ذكر الشيخ الطوسي أن (الحاقّة) هي القيامة، وسُميت بذلك لأن فيها تَحِقُّ العاقبة وتصير الأمور إلى جزاها بلا شك ولا ريب، وقيل: لأنها تَحُقُّ على كل إنسان فيصير إليها حتماً. كما بيّن أن الاستفهام في قوله تعالى “مَا الْحَاقَّةُ” (الحاقة 2) جاء لتعظيم شأنها وتخويل هولها في النفوس. الساعة: بيّن الطوسي أن (الساعة) أصلها في اللغة يُطلق على جزء من أجزاء الليل أو النهار، ثم جُعلت علماً على الوقت الذي تقوم فيه القيامة وموت الخلائق. وسُميت بالساعة إما لأنها تأتي بغتةً وسريعة في ساعة واحدة، أو لأن قيام الحساب فيها يكون مقدّراً وموّقتاً بأمر الله وسرعته. الآخرة: أشار في التبيان إلى أنها سُميت (الآخرة) لتأخرها عن الدار الأولى (الدنيا)، فهي الدار المقابلة للعاجلة، وهي دار القرار والتثبيت التي تنتهي إليها الخلائق. القارعة: أوضح الشيخ أنها القيامة لأنها تقرع القلوب بأهوالها وتفزعهم، وأصل القَرع في اللغة هو ضرب شيء بشيء بشدة وصوت شديد. الواقعة: سُميت بذلك لتأكيد وقوعها، لأن كل ما وعد الله به فهو واقع لا محالة ولا كاذب لوقوعه. الغاشية: ذكر أن القيامة سُميت (الغاشية) لأنها تغشى الناس بأهوالها وتغطيهم، وقيل تغشى وجوه الكفار بالنار. يوم الفصل: فسره الطوسي بأنه اليوم الذي يفصل الله فيه بين المحسن والمسيء، وبين أهل الحق وأهل الباطل بالعدل والجزاء. يوم الدين: بيّن أن (الدين) هنا بمعنى الجزاء والحساب، أي يوم تجزى كل نفس بما كسبت.
في تفسير (الميزان في تفسير القرآن) للعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي قدس سره، يحظى مفهوم “اليوم الآخر” وأسماؤه ببعد تحليلي فلسفي وقرآني عميق، حيث لا يقتصر العلامة على بيان المعنى اللغوي فحسب، بل يربط هذه الأسماء بحقيقة “الرجوع إلى الله” وسقوط الأسباب الظاهرية وانكشاف الحقائق. .
أبرز أسماء اليوم الآخر ودلالاتها في تفسير الميزان: 1. الساعة: التحليل في الميزان: يرى العلامة الطباطبائي أن (الساعة) تُشير إلى الوقت واللحظة المفاجئة التي ينقطع فيها نظام الأسباب الظاهرية ويبدأ فيها ظهور السلطان الإلهي المباشر. الدلالة: سُميت بالساعة لأنها تنزل بالخلق بغتةً ومن غير إشعار سابق، فتفصل بين النشأة الدنيوية (دار العمل والغرور) والنشأة الأخروية (دار الجزاء والحقيقة). 2. الحاقّة: يُبين العلامة الطباطبائي أن (الحاقة) مشتقة من “الحق”. وسُميت القيامة بالحاقة لأنها اليوم الذي يحقّ فيه كل شيء، فتظهر فيه الحقائق كما هي، ويتبيّن الوعد والوعيد صادقاً ثابتاً لا يدخله ريب. هي اليوم الذي يظهر فيه الحق المطلق، ويزول كل باطل وتوهّم كان يعيشه الإنسان في الدنيا. 3. الآخرة: التحليل في الميزان: يوضح الطباطبائي أن (الآخرة) ليست مجرد زمان يمتد بعد الدنيا، بل هي نشأة ثانية حقيقية ومستوى أعلى من الوجود تنتهي إليه الحركة الوجودية للإنسان. الدلالة: سُميت بالآخرة لتأخرها عن النشأة الأولى (الدنيا)، ولكونها الغاية والدار الباقية التي تستقر فيها النفس بعد مفارقة دار التغير والزوال. 4. يوم الدين: التحليل في الميزان: يفسر (الدين) هنا بالجزاء والحساب. ويؤكد أن يوم الدين هو اليوم الذي يتجلى فيه مالكية الله المطلقة، حيث لا حائل ولا سببية لغيره، فتوفّى كل نفس ما كسبت بالعدل المحض. 5. يوم الفصل: التحليل في الميزان: يرى العلامة أنه اليوم الذي يفصل الله فيه بين الأمور المتباينة: بين الحق والباطل، والمحسن والمسيء، وأهل الجنة وأهل النار، حيث تنقطع كل العلاقات والدعاوى الدنيوية الباطلة. 6. القارعة والآزفة والطامة والصاخة: التحليل في الميزان: يحلل العلامة هذه الأسماء باعتبارها صفات للأهوال والتحولات الكونية العظيمة التي تصاحب انتقال الإنسان من النشأة الدنيا إلى الآخرة: القارعة: التي تقرع القلوب وتدك النظام المادي. الآزفة: القريبة قُرباً حتمياً (كل ما هو آتٍ قريب). الطامة والصاخة: اللتان تعلوان وتغلبان على كل صوت وداهية، لتنبه الغافلين إلى الموقف الأعظم.

