
د. فاضل حسن شريف
جاء في موقع صوت الأمة العراقية عن من البوعيثة إلى التجنيس والإيواء السياسي: حين تتحول بغداد إلى ساحة لمشاريع النفوذ والإرهاب للكاتب رياض سعد: التجنيس والإيواء السياسي من المسؤول عن حماية الهوية والسيادة؟ تزداد خطورة هذه القضية حين نضعها في سياق ما يُثار عن مساعي بعض السياسيين لاستقدام سوريين، ولا سيما المنتمين إلى تيارات دينية متشددة، وتسهيل إقامتهم في الأنبار وبغداد ومحافظات غربية أخرى، وصولاً إلى منح بعضهم الجنسية العراقية. وهنا ينبغي التمييز بوضوح بين السوريين الذين اضطروا إلى مغادرة بلادهم هرباً من الحرب، وبين الجماعات التي تحمل مشاريع أيديولوجية متطرفة، أو ترتبط بتنظيمات مسلحة، أو تسعى إلى فرض رؤيتها بالقوة؛ فالأصل في التعامل مع الوافدين هو الاحتكام إلى القانون، والتحقق من الهويات والخلفيات، وعدم تحويل الاعتبارات الإنسانية إلى غطاء لتمرير أجندات سياسية أو أمنية. أما منح الجنسية العراقية، فليس إجراءً إدارياً بسيطاً يمكن إخضاعه للمساومات السياسية أو المصالح الحزبية، بل هو قرار يمس السيادة الوطنية، ويرتب حقوقاً وواجبات، ويؤثر في مستقبل الدولة وتركيبتها الاجتماعية والسياسية؛ ومن ثم، فإن أي تجاوز للضوابط القانونية، أو استغلال للنفوذ في منح الجنسية لأشخاص لا يستوفون شروطها، يستوجب المساءلة والتحقيق. إن العراق، الذي عانى عقوداً من الحروب والإرهاب والتدخلات الخارجية، ليس بحاجة إلى استيراد أزمات جديدة، ولا إلى تحويل أراضيه إلى ملاذات لجماعات تحمل صراعاتها الأيديولوجية معها، أو إلى توظيف ملف الجنسية في بناء قواعد اجتماعية تخدم مشاريع بعض الساسة المنكوسين والمشبوهين . من حواضن الإرهاب إلى إعادة إنتاج الأزمات: لقد كشفت التجربة العراقية أن الإرهاب لا يعتمد على السلاح وحده، بل يحتاج، في كثير من الأحيان، إلى بيئة حاضنة، وغطاء اجتماعي، وشبكات تمويل، وحماية سياسية، ومؤسسات قادرة على تسهيل حركته وتوفير الملاذ الآمن لعناصره. ومن هنا، فإن الخطر لا يكمن في وجود أفراد متشددين فحسب، بل في احتمال نشوء تجمعات مغلقة تتبنى خطاباً إقصائياً، وتعمل على تكريس الولاءات العابرة للحدود، وتستثمر في ضعف مؤسسات الدولة أو تواطؤ بعض المسؤولين. ولا يجوز، في هذا السياق، الخلط بين المكوّنات الاجتماعية العراقية وبين الجماعات المتطرفة التي قد تنشط داخلها أو تتخذ من مناطقها منطلقاً لتحركاتها؛ فالمسؤولية الجنائية والسياسية تقع على الأفراد والجهات التي يثبت تورطها، لا على جماعات سكانية بأكملها. إن تعميم الاتهام لا يخدم الأمن، بل يمنح المتطرفين فرصة جديدة لتغذية الانقسام وإعادة إنتاج خطاب الكراهية. لكن ذلك لا يعفي الدولة من واجبها في مراقبة التحركات المشبوهة، ومراجعة ملفات التجنيس والإقامة، والتحقق من مصادر التمويل، ومنع استغلال المساجد والمؤسسات الدينية أو المناطق السكنية في بناء شبكات للتطرف والتعبئة الطائفية.
الرؤى النقدية والتحليلية للكاتب والباحث رياض سعد، وللاستفادة من طروحاته في منع الفوضى وإرساء دعائم الأمن والاستقرار في بغداد وأطرافها، يمكن تلخيص خارطة طريق الإصلاح في عدة محاور أساسية تنعكس في مقالاته المنشورة في منصات مثل صوت الجالية العراقية والسيمر الإخبارية وصوت الأمة العراقية: 1. فرض سيادة القانون بحزم وشفافية: منع تقاطع الصلاحيات: تُعد الفوضى في أطراف بغداد نتيجة حتمية لتداخل المسؤوليات الأمنية والإدارية. لذا، يشدد الطرح الإصلاحي على توحيد مرجعية القرار الأمني والإداري لمنع أي ثغرات تستغلها الجهات الخارجة عن القانون. الضرب بيد من حديد: عدم التهاون مع مظاهر التجاوز على المال العام، أو الاستيلاء على الأراضي، أو افتعال الأزمات التي تهدد السلم المجتمعي. 2. إصلاح المنظومة الإدارية والعمرانية: التخطيط الحضري المدروس: إن معالجة أزمات الأحياء والأطراف تتطلب التخلي عن الحلول الارتجالية، ووضع استراتيجيات عمرانية واضحة تحترم حقوق المواطنين وتمنع تحول ملفات الاستثمار والأراضي إلى بؤر توتر. إنهاء سياسة التخبط: الاعتماد على الكفاءات المتخصصة بدلاً من الإدارة العشوائية التي تورط الدولة في صناعة الأزمات بدلاً من حلها. 3. محاربة المحاصصة والفساد البنيوي: يرى الطرح النقدي أن الفوضى الأمنية والإدارية هي الوجه الآخر للفساد السياسي والمحاصصة الحزبية؛ لذا فإن تفكيك شبكات المصالح الضيقة وتمكين الكفاءات الوطنية المستقلة هو الشرط الأساسي لاستعادة هيبة الدولة ومؤسساتها. 4. حماية القرار الوطني وتحصين الجبهة الداخلية: ربط الاستقرار الداخلي في العاصمة برفض أي تبعية أو تقاطعات إقليمية تجعل من بغداد ساحة لتصفية الحسابات، والتركيز على بناء “مشروع وطني جامع” يعزز ثقة المواطن بالدولة ويجعل المؤسسة الحكومية حصناً له لا خصماً عليه.
يفسر الإمام أبو جعفر الشيخ الطوسي رحمه الله في كتابـه (التبيان في تفسير القرآن) قولـه تعالى في سورة المائدة: “وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ” (المائدة 49) وعادة الشيخ الطوسي في تفسير هذه الآيات المباركات أنه يوزع دلالاتها بين النحو، والبيان اللغوي، والتوجيه العقدي والفقهي، ويمكن تلخيص أبرز ما ذكره في تفسير هذه الآية وفق محاور منهجه:1. الإعراب والتحليل النحوي:موضع “أن احكم”: يوضح الطوسي أن الفعل أو الموضع (موضع نصب)، والعامل فيه الفعل المقدر أو ما ينزل (كأن المعنى: وأنزلنا إليك أن احكم بينهم)، وقيل هو عطف على معانٍ سابقة تقتضي الأمر بالتشريع الإلهي البحت. الربط بين الجمل: يبيّن الدلالة البلاغية في اقتران الأحكام بالفاء والعطف، وكيف أن الآية جاءت تأكيداً لمنهج استقلالية التشريع الإسلامي عن رغبات المخالفين وأهل الأهواء.2. التوجيه المعنوي والأحكام:وجوب الحكم بما أنزل الله: يقرر الطوسي أن الخطاب وإن كان موجهاً للنبي (صلى الله عليه وآله)، إلا أنه يشمل الأمة ومن بيده أمر القضاء والحكم من بعده، بوجوب الالتزام المطلق بالشرع الإلهي وعدم الحياد عنه. التحذير من الفتنة والأهواء: في قولـه: “وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ”، يشير الشيخ إلى أن حذر النبي ليس شكاً في عصمته، بل هو بيان لشدة مكر الخصوم والمناوئين وحرصهم على صرف الحق عن مستقره، وهو تحذير بليغ للأمة من استمالة أصحاب السلطوة أو الأهواء لتمييع الأحكام الشرعية. 3. تفسير قوله: “فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم” يرى الطوسي أن التولي هنا هو الإعراض عن الحكم بما أنزل الله ورفض الانقياد للحق. أما معني إرادة الله إجابتهم أو إصابتهم بببعص ذنوبهم، فيورد فيها توجيهات المفسرين (مثل ما أشار إليه الجبائي وغيره من المعتزلة والمتكلمين ممن يعتمد الطوسي آراءهم النقدية)، ومفادها أن الله تعالى إذا أعرضوا عن أمره خذلهم، فكان إعراضهم سبباً لأن ينزل بهم العقاب الدنيوي أو الأخروي جزاءً لبعض ما اقترفوه، لأن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن أنفسهم يظلمون.ختام الآية “وإن كثيراً من الناس لفاسقون”: تأكيد على أن الغالب على الأمم والشعوب الخروج عن طاعة الله ومحادة أمره، فلا يستوحش المؤمن من قلة أهل الحق ولا يتبع كثرة الهالكين.

