
إيهاب مقبل
خلال حياتي في السويد، لفتت انتباهي ظاهرة دفعتني إلى التفكير ملياً في معنى الانتماء الوطني في العراق. فقد لاحظت أن بعض العراقيين الإيزيديين والمسيحيين يترددون في ذكر العراق عند التعريف بأنفسهم، أو يكتفون بالإشارة إلى هويتهم الدينية أو القومية، وكأن اسم العراق لم يعد جزءاً بديهياً من تعريفهم بأنفسهم أمام الآخرين.
لا يمكن تعميم هذه الملاحظة على الجميع، كما لا يمكن الجزم بأن دوافعهم واحدة، لكنها تثير سؤالاً يستحق التأمل. كيف يصل الإنسان إلى مرحلة يشعر فيها بأن هويته الدينية أو القومية أقدر على التعبير عنه من انتمائه إلى وطنه؟
ليس المقصود التشكيك في حق الإنسان في الاعتزاز بدينه أو قوميته، بل التساؤل عن مكانة العراق في وجدان بعض أبنائه، وعن الأسباب التي قد تجعل الانتماء إليه مثقلاً بالذكريات المؤلمة أو مشوباً بالتردد.
الإيزيديون والمسيحيون وجرح العلاقة مع الوطن
عندما يتأمل أي مواطن عراقي تجربة الإيزيديين والمسيحيين، يصعب تجاهل ما تعرضت له هاتان الجماعتان من مآسٍ. فقد تعرض الإيزيديون لإبادة جماعية ارتكبها تنظيم داعش عام 2014، شملت القتل والخطف والاستعباد والتهجير، وتركت جروحاً عميقة في مجتمعهم وشعورهم بالأمان في أرضهم.
أما المسيحيون العراقيون، الذين تمتد جذور وجودهم في بلاد الرافدين إلى قرون طويلة، فقد واجهوا موجات من العنف والتهجير والتراجع السكاني، وتضررت مجتمعاتهم ومؤسساتهم الدينية والثقافية.
في ظل هذه التجارب، يمكن فهم كيف تصبح الهوية الدينية أو القومية مصدراً للذاكرة المشتركة والتضامن والشعور بالأمان. وقد يشعر بعض الأفراد بأن هويتهم الإيزيدية أو المسيحية تعبّر عن تاريخهم ومعاناتهم أكثر مما تعبّر عنه الهوية العراقية العامة.
لكن فقدان الثقة بالدولة لا يعني بالضرورة التخلي عن الوطن، كما أن الاعتزاز بالهوية الدينية أو القومية لا يعني رفض الهوية العراقية. ومع ذلك، فإن تردد بعض العراقيين في إعلان صلتهم بوطنهم يطرح تساؤلات جدية عن طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة.
الصابئة المندائيون ودلالة الانتماء
تقدم تجربة الصابئة المندائيين مدخلاً آخر للتفكير في قضية الانتماء الوطني. فعلى الرغم مما تعرضت له هذه الجماعة من هجرة وتراجع في أعدادها وتهديدات أمنية، لا يزال بعض أبنائها يعتزون بهويتهم العراقية ويحافظون على ارتباطهم بتاريخ البلاد ومجتمعها.
ويبرز هذا الارتباط من خلال حضور شخصيات مندائية في الحياة الثقافية والفنية العراقية، من بينها الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد والفنانة سهام السبتي، اللذان تركا بصمتهما في المشهد الثقافي العراقي. وتمثل هذه الأسماء جانباً من إسهام أبناء هذه الجماعة في الحياة العامة، وتؤكد أن الخصوصية الدينية لا تتعارض مع الانتماء إلى العراق والاعتزاز بثقافته.
وقد يكون من العوامل التي أسهمت في تشكيل هذا الشعور ما أتاحته بعض مراحل الدولة العراقية الحديثة لأفراد من الجماعة من فرص في التعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة ومؤسسات الدولة.
وفي عهد حزب البعث، أتيحت لبعض أبناء الأقليات فرص للاندماج المهني والمؤسسي والمشاركة في جوانب من الحياة العامة، رغم القيود السياسية الصارمة والانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها النظام. ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن النظام نجح، في بعض الجوانب، في ترسيخ شعور لدى بعض المواطنين بأن لهم مكاناً في مؤسسات الدولة، وهو ما أخفقت الأحزاب السياسية الحاكمة في تحقيقه على نحو كافٍ بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، حين تعمقت الانقسامات السياسية والطائفية، وأصبحت المحاصصة وتغليب الولاءات الحزبية والدينية والمذهبية من أبرز التحديات التي واجهت بناء المواطنة الجامعة.
ولا يعني هذا الطرح تبرئة نظام البعث أو التقليل من استبداده وجرائمه، كما لا يعني أن تجربة العراقيين في المرحلتين كانت واحدة. بل إن المقارنة تفتح باباً لسؤال جوهري عن قدرة الدولة على احتضان مواطنيها، وعن أثر المؤسسات والفرص المتاحة للمشاركة في تعزيز الانتماء الوطني. فالمواطن لا يرتبط بوطنه بالشعارات وحدها، بل حين يشعر بأن له مكاناً فيه، وأن حقوقه وكرامته مصانتان، وأن هويته لا تجعله مواطناً من درجة أدنى.
ولا يمكن تفسير اعتزاز الصابئة المندائيين بالعراق بعامل سياسي واحد، أو افتراض أن أفراد الجماعة جميعاً يحملون المشاعر نفسها. فتاريخهم العريق في بلاد الرافدين، وتراثهم الديني والثقافي، وارتباط عائلاتهم ومدنهم بالعراق، وإسهاماتهم في الحياة العامة، كلها عوامل قد تؤدي دوراً أساسياً في انتمائهم.
لكن هذه التجربة تطرح فكرة تستحق التأمل، وهي أن المواطن العراقي حين يشعر بأن له مكاناً في الدولة، وأن أمامه فرصاً للمشاركة والإسهام في الحياة العامة، قد يصبح أكثر ارتباطاً بوطنه. فالانتماء لا يُبنى بالشعارات وحدها، بل يتعزز حين يشعر الإنسان بأن الدولة تعترف بوجوده وتحترم هويته وتتيح له أن يكون شريكاً في حاضر العراق ومستقبله.
المواطنة التي تحمي التنوع
إن تقوية الانتماء الوطني لا تعني إضعاف الانتماء الديني أو القومي، بل جعل المواطنة الإطار المشترك الذي يحمي جميع الهويات. فالعراق ليس أقل عراقية بتنوعه الإيزيدي والمسيحي والصابئي والشبكي والكردي والتركماني والعربي، بل إن هذا التنوع جزء أصيل من تاريخه وهويته، ويمنحه نكهته الخاصة التي تميّزه عن سائر البلدان.
ولا يكفي ترديد شعارات الوحدة الوطنية أو مطالبة المواطنين بتقديم هويتهم العراقية على سائر هوياتهم. فالانتماء لا يُفرض بقرار سياسي، وإنما يتشكل حين يشعر الإنسان بأن وطنه يعترف به، وأن القانون يحميه، وأن حقوقه لا تتوقف على دينه أو قوميته أو مذهبه.
وهنا تبرز مسؤولية الدولة العراقية في ضمان المساواة أمام القانون، وتوفير فرص العمل والخدمات على أساس الاستحقاق، وحماية حرية الاعتقاد واللغة والثقافة، وجعل المؤسسات العامة ممثلة لجميع المواطنين، لا امتداداً للأحزاب والولاءات الطائفية والقومية.
وللتعليم والإعلام دور أساسي في بناء ذاكرة وطنية مشتركة، تعترف بالمآسي التي تعرضت لها الجماعات المختلفة، وتبرز إسهاماتها في تاريخ العراق، وتوضح للأجيال أن المواطنة لا تتطلب التخلي عن الخصوصيات الدينية والثقافية.
من يطلب الانتماء عليه أن يوفر الأمان
لا يمكن مطالبة المواطن بالاعتزاز بوطنه بمعزل عن تجربته معه. فالانتماء الوطني علاقة متبادلة بين الفرد والدولة والمجتمع. وحين يشعر المواطن بأن حقوقه مصانة، وأن الاعتداء عليه لن يمر بلا محاسبة، وأن دينه وثقافته محترمان، يصبح ارتباطه بوطنه أكثر رسوخاً.
لذلك، فإن استعادة ثقة بعض الإيزيديين والمسيحيين وغيرهم بالعراق لا تبدأ بمطالبتهم بإعلان انتمائهم إليه، بل بمعالجة الأسباب التي أضعفت شعورهم بالأمان والثقة بالدولة، والاعتراف بما تعرضوا له، وضمان حقوقهم، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وتوفير الظروف التي تتيح لهم العيش والمشاركة والعودة الطوعية إلى مناطقهم، إذا اختاروا ذلك، بأمان وكرامة.
فالدولة التي تريد من مواطنيها الاعتزاز بها ينبغي أن تمنحهم أسباباً حقيقية لهذا الاعتزاز، وأن يشعروا بأنهم شركاء في حاضرها ومستقبلها، لا مجرد جماعات يُطلب منها إثبات ولائها.
أي عراق يريد المواطن أن يرى؟
تدفع هذه الملاحظة التي سجلتها في السويد أي مواطن عراقي إلى طرح سؤال يتجاوز تجربة أفراد بعينهم. هل نجح العراق في أن يصبح وطناً يشعر جميع أبنائه بأنه يمثلهم ويحميهم، أم أن الانتماءات الدينية والقومية لا تزال لدى بعضهم أقدر على توفير الشعور بالأمان والاعتراف؟
ليس المطلوب من العراقي أن يتخلى عن دينه أو قوميته، ولا أن ينسى ما تعرض له من ظلم، بل أن يجد في هويته الوطنية مساحة تتسع لذاكرته وحقوقه وكرامته، من دون أن يضطر إلى إخفاء جانب من هويته كي يشعر بالقبول.
فالوطن الذي يثق أبناؤه به لا يحتاج إلى مطالبتهم المستمرة بإثبات انتمائهم، والوطن الذي يحميهم بعدالة يمنحهم أسباباً حقيقية للاعتزاز به.
ويبقى السؤال الذي أثارته تجربتي في السويد، كيف يمكن أن يتغير العراق حتى يصبح قول «أنا عراقي» تعبيراً طبيعياً عن الانتماء والأمان والكرامة لجميع أبنائه، من دون استثناء؟
انتهى





