أكتوبر 16, 2026
inbound8064235212175144863

شيخ جليل الحاج مطنش الساعدي

استُمد مصطلح “الرنجة الحمراء” من ممارسة تاريخية كانت تُستخدم لتضليل كلاب الحراسة أثناء عمليات التعقب والمطاردة؛ حيث كان الفارّون يسحبون سمكة رنجة حمراء مدخنة ذات رائحة نفاذة عبر مسار الهروب، فتجتذب رائحتها القوية الكلاب وتلهيها عن تتبع الرائحة الأصلية للطريدة. انتقل هذا المفهوم من حيز الممارسة الجنائية إلى حقل المنطق غير الصوري ليعبر عن واحدة من أدهى المغالطات الحوارية: إلقاء موضوع لافت ومثير للانفعالات وسط النقاش، لتحويل انتباه الخصم والجمهور عن القضية المركزية وإخراجهم من مضمار الحديث الأصلي.

تقوم بنية هذه المغالطة على ضخ تفصيلات براقة أو قضايا جانبية تبدو ظاهرياً كأنها متصلة بموضوع الحوار، لكنها تفتقر لأي صلة منطقية بصلب المسألة. ينجح المغالط في إثارة زوبعة من التعمية، فينشغل الحضور بمناقشة الموضوع الجديد والمشحون عاطفياً، غافلين تماماً عن الهدف الأساسي للنقاش. تظهر النتيجة وكأن المغالط قد كسب الجولة أو أفحم خصمه، بينما هو في الحقيقة انتصر لغياب الخصم عن ساحة المعركة الحقيقية.

تتفشى هذه المغالطة بكثافة في الجدالات السياسية والدعاية الانتخابية كآلية دفاعية للتهرب من المساءلة الدقيقة. تتضح هذه الآلية حين تجتمع لجنة لمناقشة مدى فاعلية إجراءات جديدة للحد من التلوث البيئي، فيعمد أحد الأعضاء للتهرب من تقييم الإجراءات وتكلفتها عبر إلقاء خطبة رنانة حول هيمنة الشركات متعددة الجنسيات على العالم، أو يتحدث آخر بحنين عن نقاء الهواء في الماضي. كلا الموضوعين يتمتعان بجاذبية عالية، لكنهما يعجزان عن تقديم إجابة عقلانية على السؤال المطروح: هل تقلل الإجراءات المقترحة من التلوث أم لا؟

يفرض التحليل المنطقي ضرورة التمييز الدقيق بين مغالطة “الرنجة الحمراء” ومغالطة “تجاهل المطلوب” . في مغالطة تجاهل المطلوب، يُقدم المحاور حجة متماسكة تثبت نتيجة معينة، لكن هذه النتيجة تختلف عن النتيجة المطلوبة في أصل النقاش. أما في الرنجة الحمراء، فلا توجد حجة حقيقية أصلاً؛ الموقف عبارة عن حيود تام عن الموضوع، وتشتيت يعتمد على السحابات الدخانية واستهلاك الجهد في قضايا انفعالية تفرغ النقاش من قيمته الاستدلالية.

تكتسب المواضيع المشتتة قوتها من كثافتها الانفعالية. حين يُسأل مسؤول عن أزمة ضيق أماكن الانتظار في مؤسسته، قد يرد بهجوم مباغت حول تورط السائل أو شخص آخر في سلوك غير أخلاقية. يُعد هذا الانتقال تفعيلاً كاملاً لمغالطة الرنجة الحمراء؛ فالقضية الأخلاقية، رغم فداحتها وجاذبيتها للجمهور، لا تقدم أي تفسير أو حل للأزمة الإدارية المطروحة. تتجلى الحصانة الفكرية ضد هذه المغالطة في القدرة على رصد نقطة التحول، وإعادة فرض القضية الأصلية على طاولة النقاش بحزم قبل التورط في مسارات الرنجة الحمراء الخادعة.