
إيهاب مقبل
لم تكن المواجهة بين طهران من جهة وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى مجرد صراع عسكري تقليدي، بل كانت اختبارًا لموازين القوة في المنطقة، ولقدرة واشنطن وتل أبيب على تحويل تفوقهما العسكري إلى انتصار سياسي. وقد أظهرت هذه المواجهة أن امتلاك أحدث الأسلحة وأقوى القدرات الجوية لا يكفي بالضرورة لفرض الإرادة على الخصم، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بدولة تمتلك عمقًا جغرافيًا وقدرات صاروخية وأوراق ضغط استراتيجية.
ومن هنا يمكن فهم عنوان الانتصار الإيراني في المعركة، لا باعتباره إعلانًا عن نهاية الصراع أو انتصار نهائي لطهران، بل بوصفه إشارة إلى نجاحها في الصمود وإفشال تحقيق الأهداف القصوى لخصومها. أما الحرب بمفهومها الأوسع، بما تتضمنه من حسابات سياسية واقتصادية وأمنية، فلا تزال نتيجتها النهائية مرتبطة بما ستسفر عنه التطورات اللاحقة.
مضيق هرمز قلب المعادلة
أثبتت الأزمة أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري، بل ورقة استراتيجية قادرة على التأثير في الاقتصاد العالمي بأسره. فجزء مهم من تجارة النفط والغاز العالمية يمر عبر هذا الممر، وأي اضطراب في الملاحة فيه ينعكس سريعًا على أسعار الطاقة وتكاليف النقل والتضخم في مختلف أنحاء العالم.
وقد استفادت الجمهورية الإسلامية من موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية لرفع كلفة المواجهة على خصومها. فحتى مع التفوق البحري والجوي الأمريكي، تظل حماية الملاحة في منطقة ضيقة ومليئة بالمخاطر مهمة معقدة ومكلفة، ولا يمكن ضمان نجاحها بالقوة العسكرية وحدها.
لكن هذه الورقة ليست بلا ثمن. فتعطيل حركة التجارة البحرية يضر أيضًا بالاقتصاد الإيراني ودول المنطقة، ويزيد الضغوط الدولية على طهران. ولذلك، فإن المكسب الاستراتيجي الحقيقي لا يكمن في استمرار تعطيل الملاحة، بل في قدرة إيران على استخدام نفوذها للوصول إلى تسوية تحفظ مصالحها وتحد من احتمالات تجدد الحرب.
واشنطن أمام حدود القوة
تتمتع أمريكا الشمالية بتفوق عسكري وتكنولوجي كبير، غير أن هذا التفوق لا يلغي القيود المرتبطة بكلفة العمليات العسكرية، واستهلاك الذخائر الدقيقة، وحماية القواعد والقوات المنتشرة في المنطقة، فضلًا عن التداعيات الاقتصادية والسياسية للصراع.
فالحرب الطويلة تفرض على واشنطن موازنة صعبة بين مواصلة الضغط على إيران وتجنب الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد ترفع أسعار الطاقة وتزيد اضطراب الأسواق وتعمق الانقسامات الداخلية الأمريكية.
ولا يعني ذلك أن واشنطن فقدت قدرتها على إلحاق أضرار عسكرية كبيرة بطهران، بل يعني أن تدمير المنشآت أو استهداف القيادات لا يضمن وحده تحقيق الأهداف السياسية. وقد تكون الدولة قادرة على تحمل خسائر جسيمة ومواصلة المواجهة، إذا اعتبرت أن الاستسلام لشروط خصمها يهدد أمنها ومكانتها.
وهنا تكمن إحدى أهم دلالات الحرب، إذ أصبح على صانع القرار الأمريكي أن يحسب ليس فقط ما يستطيع جيشه تدميره، بل أيضًا ما يمكن أن يحققه ذلك التدمير من نتائج سياسية قابلة للاستمرار.
تل أبيب أمام معضلة استراتيجية
لم تتمكن القوة العسكرية الإسرائيلية، رغم التفوق الجوي والتكنولوجي، من ضمان نهاية الصراع وفق الشروط التي تريدها تل أبيب. فإضعاف الخصم لا يعني بالضرورة إنهاء قدرته على الرد، كما أن استهداف المنشآت العسكرية والقيادات لا يضمن القضاء على الدوافع السياسية والاستراتيجية التي تحكم سلوك الجمهورية الإسلامية.
وتواجه الدولة اليهودية أيضًا تحديات على جبهات إقليمية أخرى، وفي مقدمتها لبنان، حيث لا تزال المواجهة مع حزب الله مصدر استنزاف عسكري وأمني. وقد أفادت رويترز في 17 أكتوبر تشرين الأول الجاري بأن الجهود الدبلوماسية الأمريكية الرامية إلى معالجة النزاع اللبناني مستمرة، بينما لا تزال الهجمات الإسرائيلية قائمة، مع خلاف جوهري حول نزع سلاح حزب الله وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية.
وهذا يعني أن تل أبيب تواجه معادلة معقدة، إذ يتعين عليها الحفاظ على الردع ومنع خصومها من إعادة بناء قدراتهم، من دون الانجرار إلى حروب مفتوحة تستنزف جيشها واقتصادها وتزيد الضغوط على مجتمعها.
طهران تدفع ثمن الصمود
لا ينبغي أن يحجب الحديث عن المكاسب الإيرانية حجم الأضرار التي لحقت بالبلاد. فالضغوط الاقتصادية والحصار البحري وتراجع صادرات الطاقة تفرض أعباء ثقيلة على الاقتصاد الإيراني، وتحد من قدرة الحكومة على توفير الموارد اللازمة للتعافي.
ووفق تقرير نشرته رويترز في 16 أكتوبر تشرين الأول الجاري، تمكنت بعض شحنات الغاز البترولي المسال ووقود الطائرات الإيراني من الوصول إلى الخارج رغم الحصار الأمريكي، لكن صادرات النفط الخام الإيرانية تراجعت إلى الصفر خلال الشهر الماضي، وفق بيانات شركة كبلر، للمرة الأولى منذ بدء تتبع هذه الصادرات عام 2013.
وهذه الوقائع تكشف أن الصمود العسكري لا يلغي نقاط الضعف الاقتصادية. فإيران قد تكون قادرة على منع خصومها من تحقيق نصر حاسم، لكنها لا تستطيع تجاهل كلفة العزلة التجارية وتراجع الإيرادات وتدهور الظروف المعيشية.
ومن هنا، فإن نجاحها الاستراتيجي لن يُقاس فقط بقدرتها على مواصلة المواجهة، بل أيضًا بقدرتها على تحويل الصمود إلى مكاسب سياسية واقتصادية ملموسة لشعبها.
المفاوضات هي الاختبار الحقيقي
لم تنجح الجهود الدبلوماسية حتى الآن في إنهاء الصراع بصورة مستدامة. فقد اعتبرت طهران الرد الأمريكي على مقترحها بشأن إعادة فتح مضيق هرمز غير كافٍ، فيما استمر الخلاف حول شروط التفاوض وترتيب الملفات المطروحة، بما يشمل البرنامج النووي الإيراني والعقوبات والضمانات الأمنية.
وتكشف هذه الخلافات أن الطرفين لا يزالان يحاولان تحسين موقعيهما قبل تقديم تنازلات جوهرية. فواشنطن تريد الحد من قدرة إيران على تهديد مصالحها وحلفائها، بينما تسعى طهران إلى ضمان عدم تكرار الهجمات عليها، وتخفيف الضغوط الاقتصادية، والاعتراف بمصالحها الأمنية والإقليمية.
وقد تنتهي هذه المواجهة بتسوية لا تحقق جميع أهداف أي من الطرفين. لكن إذا استطاعت الجمهورية الإسلامية الحفاظ على قدراتها الأساسية وانتزاع تنازلات حقيقية، فسيكون من الممكن اعتبار ذلك نجاحًا استراتيجيًا مهمًا، حتى لو تكبدت خسائر عسكرية واقتصادية كبيرة.
دول المنطقة مختلفة بعد الحرب
تتجاوز تداعيات المواجهة حدود الجمهورية الإسلامية والدولة اليهودية. فقد أظهرت الحرب أن دول المنطقة لا تستطيع الاعتماد بصورة مطلقة على الضمانات الأمنية الخارجية، وأن أمن الطاقة والممرات البحرية والاستقرار الاقتصادي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتوازنات العسكرية والسياسية.
كما أن استمرار الأزمة يضع الدول الخليجية أمام خيارات صعبة بين الحفاظ على علاقاتها الأمنية مع واشنطن، وتجنب التحول إلى ساحات مواجهة، وبناء ترتيبات إقليمية تقلل احتمالات الحرب.
أما أوروبا، فتواجه بدورها تحديات تتعلق بأسعار الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. ولذلك، فإن مصلحتها لا تكمن في انتصار عسكري لطرف على حساب آخر بقدر ما تكمن في منع تجدد الحرب، وحماية الملاحة الدولية، والحيلولة دون أزمة اقتصادية وإنسانية أوسع.
ولا يعني ذلك أن انتصار إيران سيؤدي تلقائيًا إلى نشوء نظام عالمي جديد، لكنه قد يعزز الاتجاه نحو تعدد الأقطاب، إذا تمكنت طهران من تثبيت مكاسبها واستطاعت قوى أخرى الاستفادة من الدروس التي كشفتها المواجهة.
انتصار في المعركة أم بداية مرحلة جديدة؟
إن وصف ما حققته إيران بالانتصار في المعركة يستند إلى قدرتها على الصمود أمام قوة عسكرية متفوقة، وفرض كلفة مرتفعة على خصومها، ومنعهم حتى الآن من تحويل تفوقهم العسكري إلى تسوية نهائية بشروطهم وحدهم.
لكن هذا التوصيف لا يعني أن طهران حسمت الحرب، أو أنها خرجت منها منتصرة في جميع المجالات. فالحصار الاقتصادي لا يزال قائمًا، والأزمة في مضيق هرمز لم تُحل، والمفاوضات لم تنتج اتفاقًا نهائيًا، فيما تبقى احتمالات التصعيد قائمة.
لقد أثبتت الجمهورية الإسلامية أن هزيمتها ليست أمرًا يمكن ضمانه بالتفوق العسكري وحده، لكن إثبات ذلك شيء، وتحويله إلى سلام مستقر ومكاسب دائمة شيء آخر.
فالمعركة قد تكون منحت طهران موقعًا أقوى في ميزان القوى، أما الحرب فلم تُحسم بعد. وستتحدد النتيجة النهائية بقدرة الأطراف على الانتقال من منطق الاستنزاف إلى تسوية تعالج جذور الصراع، وتضمن أمن المنطقة، وتحد من احتمال اندلاع مواجهة جديدة.
المراجع
مسؤولون يقولون إن إيران تغيّر تكتيكاتها لتكثيف الهجمات على السفن قبل التصويت الأمريكي، رويترز، 14 أكتوبر تشرين الأول 2026.
https://www.reuters.com/world/middle-east/iran-shifting-tactics-step-up-attacks-shipping-before-us-vote-officials-say-2026-10-14/
إيران تقول إنها سترد على الرد الأمريكي بشأن مقترحها حول مضيق هرمز بعد استكمال مراجعته، رويترز، 12 أكتوبر تشرين الأول 2026.
https://www.reuters.com/world/middle-east/iran-says-it-will-reply-us-response-hormuz-proposal-once-review-over-2026-10-12/
إيران تقول إن الرد الأمريكي على مقترحها لإعادة فتح مضيق هرمز «غير كافٍ»، 11 أكتوبر تشرين الأول 2026.
https://www.reuters.com/world/middle-east/iran-says-us-response-its-proposal-reopen-hormuz-was-insufficient-2026-10-11/
انتهى






