أكتوبر 18, 2026
LOGO

د. فاضل حسن شريف

جاء في موقع مانكيش نت عن ثروة العراق في خدمة اجندات نظام البعث المنكوسة للكاتب رياض سعد: ومن هنا، فإن المساءلة عن سياسة المساعدات الخارجية لا ينبغي أن تقتصر على سؤال: هل سُرقت الأموال؟ بل يجب أن تشمل أسئلة أخرى: من اتخذ قرار الإنفاق؟ ما الأساس القانوني والاقتصادي الذي استند إليه؟ هل كانت المساعدات منحاً أم قروضاً؟ ما نسبة الأموال التي صُرفت فعلياً؟ هل استُردت القروض المستحقة؟ ما العائد الاقتصادي أو السياسي الذي تحقق للعراق؟ هل كانت هناك بدائل أقل كلفة وأكثر نفعاً؟ لماذا لم تُنشر حسابات تفصيلية تتيح للشعب تقييم تلك السياسة؟ هل هناك مشاريع وطنية معطّلة بسبب نقص التمويل، وكان من الأولى تمويلها قبل تقديم المساعدات لهذه الدولة أو تلك؟ إن غياب الإجابة عن هذه الأسئلة يحول المال العام إلى أداة طيعة بيد السلطة، ويجعل المواطنين مجرد متفرجين على ثروة تُدار باسمهم من دون أن يمتلكوا حق الرقابة عليها. ثاني عشر: من يفسر خراب العراق؟ الخارج أم الداخل؟ إن الدفاع عن العراق لا يكون بتبرئة حكامه، كما أن نقد الحكام لا يعني تبرئة القوى الخارجية، فالمسؤولية التاريخية لا تُختزل في طرف واحد، ولا يجوز أن تتحول إلى معركة شعارات بين من يحمّل الخارج كل شيء، ومن ينسب إليه كل ما جرى. لقد تعرض العراق لتدخلات وضغوط وصراعات دولية وإقليمية، لكن نظام البعث اتخذ بدوره قرارات سياسية وعسكرية واقتصادية كان لها أثر سلبي مباشر في مصير البلاد. وكان بإمكانه أن يختار سياسة خارجية أكثر توازناً، وأن يوجه فوائض النفط إلى تنمية وطنية مستدامة، وأن يجعل المساعدات الخارجية جزءاً بسيطا من استراتيجية اقتصادية واضحة، لا أداة لاستعراض القوة أو تعزيز الزعامة أو خدمة الأيديولوجيا. وكان بإمكانه أيضاً أن يضع الإنسان العراقي في صدارة أولوياته، بدلاً من إخضاع المجتمع لمتطلبات الحرب والحزب والسلطة الغاشمة. إن تحميل الخارج مسؤولية كل شيء لا يفسر لماذا اندلعت الحروب، ولا لماذا أُنفقت الأموال بهذه الطريقة، ولا لماذا تحولت دولة غنية إلى بلد يعاني من الديون والعقوبات والدمار. وفي المقابل، فإن الاعتراف بمسؤولية النظام البعثي لا يلغي ضرورة دراسة التدخلات الخارجية وأدوارها، بل يجعل فهم التاريخ أكثر اكتمالاً وموضوعية.

ويستطرد الكاتب رياض سعد قائلا: ثاني عشر: خاتمة: ثروة العراق ليست ملكاً للحكام: لقد أظهرت الوثائق المالية أن العراق كان، في سبعينيات القرن الماضي ومطلع الثمانينيات، دولة مانحة، وأنه قدم مليارات الدولارات من المساعدات والقروض، وأسهم في مشاريع تنموية خارج حدوده، وخصص أموالاً لدعم دول عربية ونامية، بل أعلن في عام 2001 تخصيص نحو 94 مليون دولار لمساعدة الفقراء في الولايات المتحدة. لكن هذه الوقائع لا تصلح لتبرئة النظام أو تمجيده، مثلما لا يصح إنكارها أو التقليل من شأنها، إنها جزء من تاريخ العراق، ويجب أن تُقرأ في سياقها الاقتصادي والسياسي، وأن تخضع للأدلة والمقارنة والمساءلة. لقد كانت المأساة الكبرى أن ثروة العراق لم تُدار دائماً بوصفها أمانة للأجيال، بل تحولت في مراحل عديدة إلى أداة في خدمة مشروع السلطة الغاشمة، وإلى وقود للحروب والمغامرات، وإلى وسيلة لشراء النفوذ والولاءات. والأوطان لا تُقاس بما يقدمه حكامها من هبات خارج الحدود، ولا بما يرفعونه من شعارات عن العظمة والمجد، وإنما بما يوفرونه لمواطنيهم من أمن وحرية وعدالة وكرامة، وبما يتركونه للأجيال من مؤسسات راسخة واقتصاد منتج ومجتمع متماسك. فالمباني يمكن إعادة تشييدها، والجسور يمكن ترميمها، والمؤسسات يمكن إعادة بنائها، أما الإنسان الذي يُق*ت*ل أو يُهجّر أو يُحرم من فرص الحياة الكريمة، والنسيج الاجتماعي الذي تمزقه الحروب والكراهية، فلا يمكن تعويضهما بسهولة. ولذلك، فإن السؤال الأجدر بأن يواجه به المدافعون عن نظام البعث ليس: لماذا تتحدثون عن الأموال التي أنفقها خارج العراق؟ بل: لماذا لم تكن مصلحة العراقيين هي المعيار الأول والأخير لكل دولار أُنفق باسمهم؟ فليس عيباً أن يساعد العراق شعوب العالم الفقيرة بالمقدار البسيط – إن كانت ثرواته هائلةً وفائضةً عن احتياجات العراقيين –، بل العيب أن يُترك شعبه في مهب الحروب والأزمات، فيما تُستنزف ثروته في مغامرات لا يملك قرارها ولا يجني ثمارها.

تفاصيل إضافية أدق حول ما يطرحه الكاتب والباحث رياض سعد في كتاباته ومقالاته عن “ثروة العراق المهدورة” في ظل حقبة حكم حزب البعث، يمكننا تسليط الضوء على الزوايا التحليلية التالية التي يكرر التركيز عليها لكشف الأبعاد الكاملة لتلك المأساة الاقتصادية والتنموية: 1. سياسات “التأميم والتجريف” الاقتصادي: السيطرة الحزبية على مفاصل السوق: يوضح رياض سعد أن قرارات التأميم الكبرى (خصوصاً في القطاع النفطي والتجاري والصناعي) التي أُخذت في السبعينيات، ورغم ما رافقها من شعارات قومية براقة، لم يُحسن استثمار عوائدها في خلق اقتصاد إنتاجي متنوع. بل تم استخدام السيطرة المطلقة للدولة كأداة لـ “تدجين” الطبقة التجارية والصناعية الوطنية، وتحويل رجال الأعمال والمستثمرين إلى مجرد تابعين أو واجهات لحاشية السلطة. تخريب القطاع الزراعي والتجريف المنهجي: يشير الكاتب إلى أن سياسات النظام لم تقتصر على الصناعة والنفط، بل طالت الريف العراقي والقطاع الزراعي؛ حيث أدت المشاريع غير المدروسة، والحروب التي استنزفت الأيدي العاملة الريفية، والقرارات العشوائية إلى تدمير الخصوبة الزراعية وهجرة المزارعين نحو المدن، مما أتحول العراق من بلد منتج ومصدر للغذاء إلى مستورد شبه كلي له. 2. اقتصاد الصفقات السرية و”حيتان الظل”: شبكات التهريب والالتفاف على القوانين: يفكك رياض سعد في بعض تحليلاته الاقتصادية كيف ظهرت خلال سنوات الحصار الاقتصادي (في التسعينيات) شبكات معقدة من تجار الحروب والمنتفعين المقربين من دوائر صنع القرار الأمني والحزبي. هذه الشبكات احتكرت عمليات استيراد المواد الغذائية والأدوية والسلع الأساسية عبر آليات التلاعب بالعملة والأسواق السوداء، مما راكم ثروات خيالية لفئة ضيقة جداً في مقابل إفقار مدقع لبقية أبناء الشعب. غياب الشفافية والمحاسبة المالية: يبرز الكاتب غياب أي شكل من أشكال الرقابة البرلمانية أو المجتمعية أو القضائية المستقلة طيلة تلك العقود، حيث كانت موازنات الدولة وأموال النفط تديرها لجان سرية ومكتبية مرتبطة برأس السلطة وحده، ودون أي اعتبار لجدوى المشاريع أو العائد الاقتصادي الحقيقي للمجتمع. 3. المشاريع العبثية والشكلية (أضرحة البذخ مقابل البنى التحتية المتهالكة): الاستثمار في الواجهات لا في الإنسان: ينتقد الكاتب بشدة تخصيص مليارات الدولارات لبناء القصور الرئاسية الفخمة، والنصب والتمثال الضخمة، والاحتفالات المهرجانية الكبرى التي تهدف لتمجيد الشخصية والحزب، بينما كانت شبكات المياه الصالحة للشرب، وشبكات الصرف الصحي، والمستشفيات، والمدارس في المحافظات تعاني من اهتراء تام وإهمال مدقع. البنية التحتية كممر عسكري: يوضح رياض سعد أن شبكات الطرق والجسور والموانئ التي تم إنشاؤها أو تطويرها في تلك الحقبة لم تُصمم لخدمة التنمية الاقتصادية المدنية أو رفاهية المواطن، بل غلب عليها الطابع الاستراتيجي والعسكري لخدمة التحركات والعمليات الحربية، مما جعلها عُرضة للتدمير السريع في الحروب وفاقد القيمة التنموية بعيدة المدى. 4. التكلفة النفسية والاجتماعية لانهيار الثروة: تحطيم الطبقة الوسطى: يرى الكاتب أن إهدار الثروة لم يؤدِ فقط إلى الفقر المادي، بل أدى إلى “هندسة عكسية” للبنية الاجتماعية تمثلت في سحق الطبقة الوسطى (التي تُعد عمود الاستقرار في أي مجتمع مدني)، وتحويل المجتمع إلى شريحتين متطرفتين: فئة ضيقة جداً تملك كل شيء بحكم قربها من السلطة، وساحقة من الموظفين والكفاءات والعمال يعانون شظف العيش واللهاث خلف أبسط مقومات البقاء. فقدان الأمن الاقتصادي: خلق هذا المناخ بحسب تحليل رياض سعد ثقافة مجتمعية قائمة على الخوف، والرشوة، والتكالب على لقمة العيش، والتضحية بالقيم المهنية والأخلاقية لمجرد ضمان استمرار الحياة اليومية، وهي تركة أخلاقية ونفسية عميقة يرى أنها لا تقل خطورة عن التركة المالية المدمرة. بهذه القراءة، يربط رياض سعد بين الأرقام الفلكية المهدرة من عائدات النفط وبين التفاصيل اليومية المأساوية التي عاشها المواطن العراقي، مؤكداً أن “حقبة البعث المنكوس” شكلت نموذجاً متكاملاً لإدارة الدولة عبر تبديد الثروات الوطنية في خدمة الاستبداد والفناء الحروب. فقدان الأمن الاقتصادي: خلق هذا المناخ بحسب تحليل رياض سعد ثقافة مجتمعية قائمة على الخوف، والرشوة، والتكالب على لقمة العيش، والتضحية بالقيم المهنية والأخلاقية لمجرد ضمان استمرار الحياة اليومية، وهي تركة أخلاقية ونفسية عميقة يرى أنها لا تقل خطورة عن التركة المالية المدمرة. بهذه القراءة، يربط رياض سعد بين الأرقام الفلكية المهدرة من عائدات النفط وبين التفاصيل اليومية المأساوية التي عاشها المواطن العراقي، مؤكداً أن “حقبة البعث المنكوس” شكلت نموذجاً متكاملاً لإدارة الدولة عبر تبديد الثروات الوطنية في خدمة الاستبداد والفناء الحروب.

الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في كتابه التبيان في تفسير القرآن تحليلاً متكاملاً لقوله تعالى “فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ” (آل عمران 63) حيث يوضح أن قوله تعالى “فَإِنْ تَوَلَّوْا” يشير إلى إعراضهم عن الحق ورفضهم للكلمة السواء ودعوة التوحيد بعد قيام الحجة عليهم، مبيناً في قوله تعالى “فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ” وعيداً شديداً وتأكيداً على أن الله سبحانه وتعالى مطلع على أفعالهم وعلمه محيط بإفسادهم في الأرض ومخالفتهم لشرعه، ليختتم المعنى بتسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين وتفويض أمر المتولين إلى علمه وحكمته ومجازاتهم على إفسادهم.