
Screenshot
احمِ هدوئك في صخب الترندات
الباحثة كنانة خلف الكردي
ترند هنا وفضيحة هناك
هم لا يريدونك هادئا لأن الهادئ لا يُقاد بسهولة وحين يصبح الهدوء عصيانا لم يعد الضجيج في هذا العالم مجرد أصوات مرتفعة بل أصبح صناعة كاملة لها أدواتها وأسواقها وخوارزمياتها وأصبح الإنسان محاصرا بسيل متواصل من الأخبار والصور والمواقف والآراء حتى بات الصمت فعلا يحتاج إلى قرار
نحن نعيش في زمن لا يطلب منك فقط أن تعرف ما يحدث بل يريد منك أن تنفعل بكل ما يحدث وأن يكون لك موقف من كل قضية وأن تدخل كل نقاش وأن تختار معسكرا في كل خلاف
وهنا تبدأ المشكلة فالإنسان حين يعيش طويلا تحت ضغط الاستجابة المستمرة يفقد شيئا من قدرته على التفكير الهادئ ويصبح رد فعله أسرع من وعيه وغضبه أسرع من حكمه وتتحول حياته تدريجيا إلى سلسلة من الانفعالات التي تصنعها له بيئة رقمية لا يعرف من يقف خلف كثير من دوافعها
لقد أصبح الغضب مادة قابلة للتسويق وأصبح الاستفزاز طريقا سهلا إلى الانتشار وأصبحت الخوارزميات تعرف أن الإنسان الغاضب أكثر تعلقا بالشاشة من الإنسان الهادئ
ولهذا لا تكمن الخطورة في أن نرى العالم كما هو فقط بل في أن نسمح للآخرين بأن يقرروا لنا كيف نشعر تجاهه
قد يصل الخبر نفسه إلى شخصين فيترك أحدهما يفكر بينما يدفع الآخر إلى الغضب وقد يشاهد الاثنان النقاش نفسه فيخرج أحدهما أكثر وعيا بينما يخرج الآخر أكثر كراهية الفارق ليس دائما في الحدث بل في قدرتنا على التحكم في المسافة بين الحدث وبين رد فعلنا عليه
وهنا يصبح الهدوء نوعا من السيادة على الذات
أن تقرأ دون أن تنفعل فورا أن تسمع دون أن تكره أن تختلف دون أن تتحول إلى خصم
أن تعرف أن بعض النقاشات لا تبحث عن الحقيقة وإنما تبحث عن ضحية جديدة
وأن تدرك أن الصمت في بعض اللحظات ليس عجزا عن الكلام بل رفضا لمنح الكلام لمن لا يستحقه لسنا مطالبين بأن نكون حاضرين في كل معركة ولا أن نحمل كل أزمات العالم فوق أكتافنا هناك قضايا تستحق موقفا وهناك قضايا تستحق التفكير وهناك قضايا يكفي أن نعرف أنها لا تستحق دقيقة واحدة من أعصابنا
الوعي ليس أن تعرف كل شيء
الوعي أن تعرف ماذا يستحق أن تعرفه وماذا يستحق أن تمنحه من وقتك وماذا يجب أن تتركه يمر دون أن يأخذ شيئا منك
وربما تكون المعركة الأهم في هذا العصر ليست مع الآخرين بل مع رغبتنا المستمرة في الرد ومع حاجتنا إلى إثبات أنفسنا أمام جمهور لا يعرفنا ولا يعرف حياتنا ولا يحمل عنا شيئا من أثقالنا نحن بحاجة إلى استعادة الحياة من خلف الشاشة إلى جلسة لا تحتاج إلى تصوير
وحديث لا يحتاج إلى نشر وقهوة لا تحتاج إلى صورة وكتاب لا يحتاج إلى اقتباس وصمت لا يحتاج إلى تفسير فالإنسان لا يصبح أكثر قيمة لأنه حاضر في كل مكان بل لأنه يعرف أين يجب أن يكون وفي زمن أصبحت فيه الفوضى الرقمية قادرة على الوصول إلى أعماق الإنسان فإن حماية السلام الداخلي لم تعد رفاهية
إنها مسؤولية لذلك ربما يكون أكثر أشكال القوة نضجا أن تعرف متى تتكلم ومتى تصمت ومتى تواجه ومتى تغادر
فالهدوء ليس انسحابا من الحياة الهدوء هو أن تعيشها دون أن تسمح للعالم بأن يسكن داخلك أكثر مما ينبغي وحين يصبح العالم مصرا على دفعك إلى الغضب قد يكون هدوؤك أرقى أشكال العصيان



