
تشرين العراقية.. انتفاضة السيادة في مواجهة الفساد والنفوذ الإيراني
محمد حسين المياحي
لم تكن احتجاجات تشرين التي اندلعت في العراق في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2019 مجرد موجة غضب شبابي ضد البطالة والفساد وسوء الخدمات، بل مثلت لحظة سياسية فارقة في تاريخ العراق الحديث؛ إذ انتقل فيها الاحتجاج من المطالبة بإصلاح أداء الحكومة إلى مساءلة المنظومة السياسية التي تشكلت بعد عام 2003، ورفض ارتهان القرار العراقي لمصالح القوى الخارجية، وفي مقدمتها إيران.
خرج العراقيون إلى الشوارع لأنهم وجدوا أنفسهم أمام مفارقة قاسية: بلد يمتلك ثروات نفطية هائلة، لكنه يعجز عن توفير فرص العمل والخدمات الأساسية لشريحة واسعة من مواطنيه. غير أن الغضب لم يتوقف عند حدود الفشل الإداري والاقتصادي، بل اتجه نحو جذور الأزمة، حيث تداخل الفساد السياسي مع المحاصصة الطائفية، وتضخم نفوذ الأحزاب والقوى المسلحة، وتراجعت قدرة الدولة على احتكار القرار والسلاح.
إيران.. من النفوذ السياسي إلى التأثير في القرار العراقي
لا يمكن فهم الخلفية السياسية لانتفاضة تشرين من دون التوقف عند الدور الإيراني في العراق منذ سقوط النظام السابق عام 2003. فقد استثمرت طهران التحولات السياسية والأمنية لبناء شبكة واسعة من العلاقات مع أحزاب وقوى سياسية وفصائل مسلحة، مستفيدة من الروابط العقائدية ومن هشاشة مؤسسات الدولة العراقية، ومن الفراغ الذي خلفته الحروب والانقسامات الداخلية.
ولم يكن هذا النفوذ مقتصرا على العلاقات الدبلوماسية الطبيعية بين دولتين جارتين، بل اتخذ، في نظر قطاعات واسعة من العراقيين، أبعادا تتصل بالتأثير في تشكيل الحكومات، وتوجيه مواقف بعض القوى السياسية، وتعزيز حضور جماعات مسلحة ترتبط بإيران بدرجات متفاوتة من العلاقة السياسية والعسكرية.
وتكمن خطورة هذا الواقع في أنه أضعف مفهوم السيادة الوطنية، وفتح المجال أمام تداخل المصالح العراقية مع حسابات إقليمية لا تتطابق بالضرورة مع أولويات المواطنين. فالعراق الذي يفترض أن يكون صاحب القرار في سياسته الخارجية والأمنية وجد نفسه، في محطات عديدة، ساحة للتنافس بين القوى الإقليمية والدولية، بدلا من أن يكون دولة مستقلة تدير علاقاتها وفق مصالح شعبها.
ومع ذلك، فإن تحميل إيران وحدها مسؤولية الأزمة العراقية لا يقدم تفسيرا كاملا؛ فالنخب السياسية العراقية التي استفادت من نظام المحاصصة والفساد تتحمل مسؤولية مباشرة عن إضعاف الدولة، كما أن النفوذ الخارجي لم يكن ليبلغ هذا المستوى لولا وجود قوى داخلية وفرت له المنافذ السياسية والأمنية.
تشرين تكسر الحواجز الطائفية
اكتسبت الانتفاضة أهمية استثنائية لأنها انطلقت بقوة من بغداد ومدن الجنوب ذات الأغلبية الشيعية، وهي بيئات طالما راهنت قوى سياسية مقربة من طهران على تمثيلها واحتكار الحديث باسمها. وقد وجه هذا الواقع ضربة إلى فكرة أن الولاء المذهبي كاف لضمان التأييد السياسي، وأثبت أن معاناة المواطن ومصالحه الوطنية يمكن أن تتقدم على الانتماءات التي توظفها الأحزاب لتثبيت سلطتها.
وردد المتظاهرون شعارات رافضة للتدخل الإيراني، إلى جانب مطالبهم بمحاسبة الفاسدين وإنهاء المحاصصة وتوفير فرص العمل والخدمات. ولم يكن هذا الرفض موجها إلى الشعب الإيراني أو إلى العلاقات الطبيعية بين البلدين، بل إلى تحويل العراق إلى مجال نفوذ سياسي وأمني، وإلى استخدام الروابط المذهبية لتبرير التدخل في شؤونه الداخلية.
بهذا المعنى، كانت تشرين انتفاضة اجتماعية ووطنية في آن واحد: اجتماعية لأنها طالبت بالعدالة والكرامة وتكافؤ الفرص، ووطنية لأنها أعادت طرح سؤال السيادة، ومن يملك حق تقرير مستقبل العراق: مواطنوه أم القوى التي تتقاسم النفوذ في مؤسساته؟
الدم العراقي وثمن المطالبة بالتغيير
واجهت الاحتجاجات حملة عنف دامية. ووثقت تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان استخدام القوة المفرطة والذخيرة الحية، فضلا عن عمليات قتل وخطف وتهديد طالت متظاهرين وناشطين. وأشارت منظمة العفو الدولية، في تقريرها الصادر في سبتمبر/أيلول 2024، إلى استمرار الإفلات من العقاب بعد خمس سنوات على انطلاق الانتفاضة، رغم الوعود الحكومية المتكررة بالتحقيق ومحاسبة المسؤولين.
وتكشف هذه الوقائع أن التحدي لم يكن في استيعاب المطالب الشعبية فحسب، بل في حماية منظومة سياسية شعرت بأن الاحتجاج يهدد قواعد بقائها. وقد أسهم وجود جماعات مسلحة نافذة، بعضها مرتبط بإيران، في تعقيد المشهد الأمني وتعزيز مخاوف الناشطين من استهدافهم خارج إطار القانون.
لكن الدم الذي سفك لم ينه الأسئلة التي طرحتها تشرين، كما أن استقالة حكومة عادل عبد المهدي لم تحقق وحدها التغيير البنيوي الذي طالب به المحتجون. فقد أثبتت التجربة أن إسقاط حكومة أو تبديل بعض الوجوه لا يكفي إذا بقيت آليات إنتاج السلطة قائمة على المحاصصة وتبادل المصالح وضعف المحاسبة.
السيادة ليست شعارا
إن الدرس الأهم من تشرين هو أن استقلال العراق لا يتحقق بمجرد رفع الشعارات الوطنية، بل ببناء دولة تحتكر السلاح الشرعي، وتخضع فيها جميع القوى للمساءلة القانونية، وتدار مؤسساتها بعيدا عن الإملاءات الخارجية ومصالح الأحزاب الضيقة.
ولا يعني ذلك قطع العلاقات مع إيران أو الدخول في عداء معها، فالجغرافيا والمصالح المشتركة تفرضان علاقات متوازنة بين البلدين. لكن العلاقة السليمة لا يمكن أن تقوم على التدخل في القرار العراقي، أو توظيف الفصائل المسلحة، أو تقديم مصالح النفوذ الإقليمي على أمن العراقيين ومستقبلهم.
لقد كشفت تشرين أن المجتمع العراقي ليس أسيرا للانقسامات الطائفية كما تصوره بعض القوى السياسية، وأن الشباب الذين خرجوا إلى الساحات كانوا يطالبون بوطن لا يكون فيه الانتماء الحزبي بديلا من المواطنة، ولا يصبح فيه السلاح وسيلة لفرض الإرادة، ولا تتحول فيه الثروة الوطنية إلى غنيمة تتقاسمها شبكات النفوذ.
قد تكون الانتفاضة قد أخفقت في تحقيق جميع أهدافها المباشرة، لكن أثرها السياسي والأخلاقي بقي حاضرا. فقد أعادت السيادة والمساءلة والعدالة إلى صدارة النقاش العام، ووضعت النفوذ الإيراني وغيره من أشكال التدخل الخارجي أمام مساءلة شعبية واضحة.
وفي النهاية، لن يستعاد العراق بإنكار مسؤوليته الداخلية، ولا بمجرد إدانة التدخل الإيراني، بل بتفكيك الشروط التي تسمح باستمراره: فساد بلا عقاب، وسلاح خارج سلطة الدولة، ومؤسسات تدار بمنطق المحاصصة، وقرار وطني قابل للمساومة. تلك هي المعركة التي فتحتها تشرين، وما زال حسمها شرطا لبناء عراق حر، مستقل، وديمقراطي، تكون فيه السيادة للشعب وحده.




