أكتوبر 28, 2026
LOGO

الإعدامات لا تصنع الاستقرار: المقاومة المنظمة في مواجهة مأزق النظام الايراني
محمد حسين المياحي
ثمة حقيقة سياسية تتكشف بوضوح في إيران: كلما توسع استخدام الإعدامات وسيلة للردع، ازدادت الحاجة إلى التساؤل عن أسباب عجز السلطة عن احتواء المعارضة بالوسائل السياسية. فالنظام الواثق من شرعيته لا يحتاج إلى تحويل السجون إلى ساحات مواجهة مستمرة، ولا يجد نفسه مضطرا إلى التعامل مع الاحتجاجات الحقوقية باعتبارها تهديدا وجوديا. أما حين يصبح السجين المعارض مصدر قلق للسلطة، ويغدو الإضراب عن الطعام في عشرات السجون حدثا سياسيا، فإن المسألة تتجاوز العقوبة القضائية إلى أزمة الحكم ذاتها.
تقدم التقارير الواردة في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2026 صورة واضحة عن هذا التناقض. فحملة “ثلاثاءات لا للإعدام” دخلت أسبوعها الـ143، بمشاركة سجناء في 66 سجنا، بينما أشار بيان الحملة إلى إعدام 72 شخصا منذ بداية شهر مهر الإيراني. وفي الوقت نفسه، حذر مقرر أممي من مخاطر تواجه سجناء سياسيين ومحتجين، ومن احتمال تنفيذ أحكام إعدام بحق أكثر من مئة شخص وفق المعلومات التي أوردها.
هذه ليست مجرد أرقام في سجل حقوقي؛ إنها مؤشرات على مواجهة لم تستطع السلطة حسمها بالقوة. فلو كان القمع كافيا لإنهاء المعارضة، لما استمر الاحتجاج الأسبوعي داخل السجون كل هذه المدة، ولما بقيت قضية الإعدامات حاضرة في التحركات الدولية، ولما اضطر النظام إلى مواجهة موجة متواصلة من الانتقادات بشأن معاملته للمعارضين.
أولا: حين يصبح السجين شاهدا على أزمة السلطة
تكمن المفارقة في أن السجون، التي يفترض أن تكون أداة لإخضاع المعارضين وعزلهم، أصبحت منصة للاحتجاج على سياسة الإعدام نفسها. فالإضراب عن الطعام في 66 سجنا يضع السلطة أمام رسالة جماعية يصعب اختزالها في حالة فردية أو حادثة معزولة.
إن استمرار الحملة يدل على أن الخوف لم يلغ إرادة الاحتجاج لدى المشاركين فيها، رغم الضغوط والتهديدات والإجراءات العقابية التي تتحدث عنها بياناتهم. ولا يعني ذلك أن الحركة تمتلك وحدها القدرة على تغيير النظام، لكنه يعني أن أدوات القمع لم تنجح في إغلاق ملف الإعدامات أو منع تحوله إلى قضية عامة.
وتزداد خطورة المشهد حين تتصل الأحكام بالإرادة السياسية للمعتقلين، أو حين تثار مخاوف بشأن المحاكمات العادلة واستخدام تهم مثل “البغي” و”المحاربة” و”الإفساد في الأرض” في قضايا تتداخل فيها المعارضة السياسية مع الاتهامات الجنائية. فالعدالة تفقد معناها حين تتحول العقوبة القصوى إلى أداة لإسكات الرأي أو معاقبة الانتماء السياسي.
من هنا تأتي أهمية التضامن الأممي مع حملة “ثلاثاءات لا للإعدام”. فإعلان المقرر الخاص ليوبولدو مالدونادو إضرابا عن الطعام لمدة 24 ساعة يضع القضية أمام المجتمع الدولي، ويؤكد أن مصير السجناء ليس شأنا داخليا يمكن عزله عن المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
ثانيا: لماذا تهم المقاومة المنظمة؟
لا تتوقف المسألة عند مقاومة الإعدام داخل السجون، بل تمتد إلى السؤال الأوسع: كيف يمكن تحويل الرفض الشعبي المتفرق إلى قوة سياسية قادرة على إحداث تغيير مستدام؟
هنا يظهر دور منظمة مجاهدي خلق بوصفها أحد أبرز مكونات المعارضة الإيرانية المنظمة، وصاحبة مشروع سياسي يهدف إلى إنهاء نظام ولاية الفقيه. وتختلف المقاومة المنظمة عن الاحتجاج العابر في أنها تسعى إلى استدامة العمل السياسي، وربط القضايا الحقوقية والاجتماعية بمسألة السلطة، وتقديم بديل عن النظام القائم.
وتكمن أهمية هذا الدور في أن الاستبداد لا يتراجع لمجرد انكشاف انتهاكاته؛ إذ يستطيع النظام، في ظروف معينة، مواصلة القمع رغم الإدانة الخارجية. أما الانتقال من الإدانة إلى التغيير فيتطلب تفاعلا بين المجتمع المحتج، والقوى السياسية القادرة على التنظيم، والضغط الدولي الذي يحد من الإفلات من المساءلة.
وفي هذا السياق، تمثل حملة “ثلاثاءات لا للإعدام” قضية تتجاوز حدود الانتماء التنظيمي. فالمطلوب ليس افتراض أن جميع السجناء المشاركين ينتمون إلى منظمة مجاهدي خلق أو يتبنون برنامجها السياسي، وإنما فهم أن استمرار الاحتجاج يوفر مساحة للتقاطع بين المطالب الحقوقية والمقاومة الأوسع للاستبداد. وتستطيع المنظمة أن تعزز هذا التقاطع إذا نجحت في الدفاع عن حق جميع المعارضين في الحياة والحرية، من دون اشتراط التطابق معهم سياسيا.
لكن المسؤولية التاريخية للمعارضة المنظمة لا تقتصر على إضعاف النظام. إنها تشمل أيضا إثبات أن البديل المقترح قادر على احترام التعددية، وصيانة الحريات، وضمان استقلال القضاء، ومنع احتكار السلطة. فشرعية أي مشروع مستقبلي لا تستمد من معارضة الاستبداد وحدها، بل من الالتزام العملي بنقيضه.
ثالثا: استدعاء السفراء لا يوقف الأسئلة
في موازاة أزمة السجون، أفادت التقارير باستدعاء طهران سفيري إيرلندا وألمانيا، بعد مواقف أوروبية منتقدة للإعدامات وتحركات ألمانية بشأن تهديدات أمنية منسوبة إلى النظام الإيراني.
ويكشف هذا التطور عن محاولة نقل المواجهة إلى الساحة الدبلوماسية، حيث ترد طهران على الانتقادات بالاحتجاج ورفض الاتهامات، وتربطها بصراعات إقليمية وحسابات سياسية أوسع. لكن حتى لو احتدمت الخلافات بين إيران والدول الأوروبية، فإن ذلك لا يجيب عن السؤال المركزي: ما الذي يبرر استمرار الإعدامات، وما الضمانات المتاحة للمعتقلين الذين يواجهون أحكاما نهائية؟
إن خلط الملفات الحقوقية بالخلافات العسكرية والسياسية لا يحل أيا منها. فالاتهامات المتعلقة بالتهديدات الأمنية ينبغي أن تخضع للتحقيق والأدلة، بينما يجب أن تبقى حماية الحق في الحياة وضمان المحاكمة العادلة التزامين مستقلين عن طبيعة العلاقات الدبلوماسية.
كما أن استدعاء السفراء لا يبدد المخاوف بشأن مصير السجناء، ولا يعالج أسباب الاحتجاج داخل إيران. إنه إجراء دبلوماسي قد يعبر عن تصاعد التوتر، لكنه لا يمثل إجابة سياسية عن أزمة الشرعية التي تكشفها الوقائع الحقوقية.
رابعا: من رفض الإعدام إلى معركة تقرير المصير
تكمن العقدة الأساسية في أن النظام يستطيع إصدار الأحكام وتنفيذها، لكنه لا يستطيع بقرار إداري أن ينتزع من المجتمع أسئلته عن الحرية والعدالة والمستقبل. وكلما اتسعت الفجوة بين سلطة تفرض إرادتها بالقوة ومجتمع يطالب بحقوقه، ازدادت أهمية القوى القادرة على تحويل هذه المطالب إلى برنامج سياسي واضح.
ومنظمة مجاهدي خلق، إذا أرادت أن يكون لها دور حاسم في هذه المعادلة، فعليها أن تجعل الدفاع عن الحق في الحياة وحرية التعبير واستقلال القضاء والتعددية السياسية ركائز غير قابلة للمساومة في مشروعها. فالتغيير الذي يستبدل سلطة مغلقة بأخرى مغلقة لا يحقق تطلعات الإيرانيين، مهما اختلفت الشعارات.
كذلك لا يكفي أن تراهن المعارضة على تراجع النظام أو تصاعد الغضب الشعبي. فالتغيير السياسي يحتاج إلى ثقة اجتماعية واسعة، وإلى القدرة على مخاطبة مختلف مكونات المجتمع الإيراني، وإلى تصور واضح لكيفية الانتقال إلى حكم يستمد شرعيته من المواطنين ويحترم حقهم في الاختيار.
وفي المقابل، ينبغي للمجتمع الدولي ألا يختزل موقفه في بيانات الإدانة. فالمطلوب متابعة مصير المحكومين بالإعدام، والمطالبة بالوقف الفوري لتنفيذ الأحكام المثيرة للقلق، والتحقيق في ادعاءات التعذيب، وضمان الوصول إلى المعلومات والإجراءات القضائية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق القانون.
الخلاصة: أزمة لا تحل بالمشانق
إن الرسالة الأوضح في تزامن الإضرابات داخل السجون مع التوتر الدبلوماسي هي أن أزمة إيران لا يمكن اختزالها في خلاف مع أوروبا أو في ملف حقوقي منفصل عن السياسة. إنها أزمة تتعلق بحدود قدرة السلطة على إخضاع المجتمع، وبحق الإيرانيين في الاعتراض والتنظيم والمشاركة في تقرير مستقبلهم.
قد تؤجل الإعدامات انفجار أزمة، وقد ترفع الإجراءات الأمنية كلفة الاحتجاج، لكن أياً منهما لا يعالج الأسباب السياسية والاجتماعية التي تدفع الناس إلى الرفض. وبالمثل، فإن الإدانة الدولية، مهما كانت مهمة، لا تتحول تلقائيا إلى تغيير ما لم تترافق مع حماية فعلية للحقوق ومساءلة جدية عن الانتهاكات.
وهنا تبرز قيمة المقاومة المنظمة: ليس لأنها تضمن وحدها نتيجة الصراع، بل لأنها تطرح مسألة البديل السياسي وتضعها في قلب المواجهة. ويبقى نجاحها مرهونا بقدرتها على توسيع قاعدة الثقة، وربط النضال ضد الإعدام بمشروع متكامل للحريات والتعددية وسيادة الشعب.
فالنظام الذي يواجه السجناء بالإعدام، والمعارضين بالتهديد، والمنتقدين في الخارج بالتصعيد الدبلوماسي، قد يمتلك أدوات القوة، لكنه لا يستطيع بهذه الأدوات وحدها أن يصنع شرعية مستدامة. أما مستقبل إيران، فلن يحسم بعدد الأحكام الصادرة، بل بقدرة شعبها على انتزاع حقه في الحياة والحرية واختيار نظامه السياسي.