أكتوبر 30, 2026
شريح-القاضي

من شُرَيح القاضي إلى مونتيسكيو.. لا أحد فوق القانون

بقلم✍️: سعد أحمد الكبيسي
يُروى أن أمير المؤمنين عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه رأى درعه بيد يهودي في سوق الكوفة، فاحتكما إلى القاضي شُرَيح. فسأله شريح: هل لكَ بيّنة يا أمير المؤمنين؟ قال: ابني الحسن يشهد. قال شريح: شهادة الابن لأبيه لا تجوز. فقال علي: رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته؟ قال: ذلك في الآخرة، أما في الدنيا فالبيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر. فقضى بالدرع لليهودي، فقال علي: صدقتَ. فعجب الرجل أن يُقضى له على أمير المؤمنين عند قاضيه، فأسلم وأقرّ بأنها درع علي، فوهبها له.
وقف عليٌّ أمام القاضي ولم يقل: أنا أمير المؤمنين، ولا: أنا ابن عمّ رسول الله، ولم يبحث عن (واسطة) تختصر عليه الطريق. وكذلك لم يقل القاضي: كيف أحكم على صاحب السلطة؟ فالجميع سواء أمام الحكم، ولا أحد فوق المراجعة. وهكذا عرفت التجربة الإسلامية (استقلال القضاء)، فالخليفة يعيّن القاضي ثم لا يتدخّل في حكمه.
وبعد قرون صاغ الفيلسوف الفرنسي (مونتيسكيو) في كتابه (روح القوانين) سنة 1748 الفكرة التي قامت عليها أغلب الدساتير الحديثة. وهي أن تُقسم سلطة الدولة إلى (تشريعية) تسنّ القوانين، و(تنفيذية) تطبّقها، و(قضائية) تفصل في النزاع، وأن تُفصل بعضها عن بعض. فلا يكون القانون بيد من ينفّذه، ولا الحكم بيد من يُحكم عليه، لأن السلطة إذا اجتمعت بيد واحدة لم يبقَ ما يردّها عن الاستبداد. ولذلك فإن (فصل السلطات) ليس توزيعًا للعمل، بل رقابة متبادلة تحدّ بها كل سلطة الأخرى.
وما يصحّ في الدولة يصحّ في كل دائرة من دوائرها، وهذا هو معنى (الحوكمة): صلاحيات واضحة، ومسؤوليات محدّدة، وقرار قابل للمراجعة. وهي تقوم على ثلاثة أركان:
(النزاهة) التي تقدّم المصلحة العامة على الشخصية.
(العدالة) التي لا تُطبَّق على الضعيف وتختفي أمام القوي.
(الكفاءة) التي تضع الرجل المناسب في المكان المناسب، لا كما يحدث كثيرًا في بلادنا حين يُؤتى بمن لا يملك علمًا ولا خبرة فيُوضع في مواقع حساسة، لأنه ابن فلان أو قريب فلان.
فالفساد لا يبدأ دائمًا بسرقة المال، بل حين تُمنح الصلاحية بلا رقابة، والمنصب بلا كفاءة، والقرار بلا مراجعة. فيا صاحب القرار، قِس الأداء، وانشر النتائج، وافصل بين الرقابة والتنفيذ، واحمِ الموظف النزيه قبل أن تحمي المسؤول من النقد.
فالدول لا تحتاج إلى مسؤول معصوم، بل إلى مؤسسات لا تسمح للخطأ أن يختبئ؛ (مساءلة) لا (مجاملة)، والمنصب فيها (أمانة) لا (غنيمة).
وسلامتكم